طهران- واشنطن: توافق ضرورة أم تحالف

الجمعة 2014/11/14

وفقَ الأجندة المعلنة، فمن المفترض التوصل إلى اتفاق بين المجتمع الدولي (ممثلا بمجموعة الخمسة زائد واحد) وإيران في موعد أقصاه الرابع والعشرون من الشهر الجاري. احتمالات التمديد والتأجيل والفشل واردة، على الرغم من توق كافة الفرقاء، على ما يبدو، لغلق هذا الملف. لا داعي لأي تشاؤم في الوقت الحالي، ذلك أن المُعلن الصادر عن المفاوض الإيراني كما المفاوضين الغربيين يتحدثون عن تقدم غير مسبوق في المفاوضات، وأن العقدة تكمن في مجموعة متبقية من القضايا التي يُعمل على تفكيكها.

وعلى الرغم من أن ما يصعبُ تفكيكه قد يطيحُ مجددا بما تمّ حلحلته (وهذا ما أوحت به محادثات مسقط أخيراً)، إلا أن المزاج العام في إيران كما لدى عواصم القرار يوحي بالـ”حاجة” إلى الخروج من النفق لما في ذلك مصلحة باتت ملحة للنظام، ومصلحة ضرورية بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة. وإذا ما كان الجانبُ التقنيّ في المفاوضات يحققُ تقدماً نوعياً وتاريخياً على ما تذهب بعض التصريحات المتفائلة، فإن مواكبةً سياسية لافتة ترافق محادثات الغرف المغلقة بغية تأمين مناخات الثقة الضرورية، وهو ما يثير جدلاً في المنطقة، لاسيما لدى خصوم طهران ومنتقدي سياساتها.

وإذا ما استوعبنا النشاز الملتصق بحسابات داخلية معروفة، فإن العزفَ الإيراني-الغربي عامة (الأميركي خاصة)، يكاد يكون واحداً لإخراج سمفونية تبشّر بقرب الخلاص. تجتمع طهران وواشنطن (وحلفاؤها) في معسكر واحد لمحاربة داعش وأخواته.

صحيح أن إيران ليست عضواً رسمياً داخل التحالف الدولي-الإقليمي، إلا أن الأميركيين باتوا يجهرون بالحاجة لإيران لإنجاح أي مسعى دولي حقيقي للقضاء على الجماعات الإرهابية في المنطقة، كما أن العتب الذي وجّهه الرئيس الإيراني حسن روحاني لواشنطن متهماً الإدارة الأميركية بعدم الجدية في محاربة الإرهاب طالما لم يرفدوا الجهد الجوي بتدخل بري، يعكسُ تبدلاً في العقلية الإيرانية لجهة عدم ممانعتها عودة القوات البرية الغربية إلى العراق، لاسيما بعد انسحابها من أفغانستان.

واللافت في المواكبة السياسية لمفاوضات البرنامج النووي الإيراني، هو حرص الإدارة الأميركية بقيادة باراك أوباما على الرهان على الحصان الإيراني وإمكانية الاتفاق مع طهران على صفقة كبرى تبدأ إرهاصاتها بغلق الملف النووي، والرسالة السرية (لماذا سرية؟) التي أرسلها أوباما إلى خامنئي، حسب الـ”وول ستريت جورنال”، توحي بالمنحى الأميركي الذي بات ثابتاً إزاء إيران. في ذلك أن واشنطن “الأوبامية”، حتى بعد الفشل الذي مني به الديمقراطيون في الانتخابات النصفية الأخيرة للكونغرس، ستبقى حريصة على عدم استفزاز إيران أو إشعارها باحتمالات أي تبدل، حتى مستقبلي، في سياسة الانفتاح المنتهجة إزاء طهران منذ ما قبل انتخاب روحاني رئيساً.

توقفت واشنطن عن إعطاء أي إشارات عدائية تجاه النفوذ الإيراني في لبنان. وفيما عدا البيانات “البيروقراطية” المتحفّظة على تدخل حزب الله في سوريا، أو المنتقدة لكل ما ينال من إسرائيل، فإن التصريحات الأميركية لطالما شجعت على مشاركة حزب الله داخل الحكومة اللبنانية، كما توقفت عن دعم سياسات فريق الرابع عشر من آذار، بالطريقة العلنية الفجّة التي كان يقوم بها السفير جيفري فيلتمان. لا بل أن تكليف فيلتمان نفسه، ضمن مهماته الجديدة داخل الأمم المتحدة، بالتواصل مع الجانب الإيراني والاجتماع بالمرشد علي خامنئي، يعكسُ تواطؤا أميركياً-إيرانياً لفتح صفحة جديدة في شكل ومضمون علاقات البلدين.

ولئن مارست واشنطن نفوذا لوقف احتمالات قبول لبنان هبة السلاح الإيراني للجيش اللبناني، إلا أن رفع الولايات المتحدة الفيتو عن عملية تسليح الجيش اللبناني، بما في ذلك تسهيل التوصل لعقود تسليح فرنسية أميركية غربية ممموّلة عبر الهبات السعودية، يعكس تبدلاً في سياسة واشنطن في هذا الشأن، والتي كانت تتحفظ في السابق خوفاً من وقوع هذا السلاح في يد حزب الله. هذا التحوّل الأميركي يترافق مع همهمات أميركية باتت تدعو إلى التواصل مع حزب الله، فيما معلومات أخرى تتحدث عن قناة اتصالات مفتوحة بين واشنطن والحزب.

ولا ريب أن المراقبَ قد لاحظ مرونة طرأت على الموقف الإيراني في لبنان سهّل تشكيل حكومة تمام سلام، وفق تركيبة، منحت صقور تيار المستقبل حقائب أساسية في الحكومة لم يكن الحزب ليوافق عليها حتى حين ترأس الحكومة فؤاد السنيورة أو سعد الحريري نفسه، كما كان لافتاً رفع الحزب الغطاء، وبشكل مفاجئ، عن آل عيد (المقربين من دمشق) الذين كانوا يقودون العمل السياسي والعسكري قي منطقة جبل محسن في طرابلس في شمال لبنان.

وفيما يروج جدلٌ في العالم حول مصير النظام السوري في أجندة الحرب ضد داعش، فإن واشنطن حريصةٌ على عدم إطلاق ما من شأنه أن يسبب قلقاً لإيران. الثابت في المعلن الأميركي أن لا مكان للأسد في مستقبل سوريا، فيما ترددُ باريس ما يفهم منه تحميلاً لنظام دمشق مسؤولية انتعاش داعش ورواجها. بيد أن الولايات المتحدة وحلفاءها داخل التحالف ضد داعش حذرون في اختيار الأهداف العسكرية داخل سوريا على نحو لا ينال من قوات النظام ومواقعه، كما أن كلاماً أميركياً جديدا بات يقللُ من شأن برامج واشنطن لتدريب “المعارضة المعتدلة”، فيما ترددت أنباء صحفية (فورين بوليسي) تكشفُ تعليق الإدارة الأميركية تمويل لجنةٍ تحققُ في جرائم حرب قد يكون ارتكبها نظام الأسد.

لكن اللافت في التحوّلات الأميركية يمكن رصده في الشأن البحريني. فقد استفز الموقف الأميركي المنامة حين أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً يعبّر عن القلق من صدور حكم يُمهل جمعية الوفاق ثلاثة أشهر لإصلاح وضعها القانوني. في هذا الصدد ذهب سايمون هاندرسون، مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن، إلى اعتبار أن سلوك المنامة يشكّل “معضلة للسياسة الأميركية”.

وقد أثار “الإفراط” الأميركي في ردّ الفعل أسئلة لدى حكومة البحرين عن الحكمة من تعريض علاقات تاريخية تحالفية بين واشنطن والمنامة للحرج والتوتر لصالح جمعية سياسية، كما أثار أسئلة داخل الصف الخليجي عن الحكمة من تضمين التصريحات بشأن حماية الشيعة في البحرين، دعوات للسعودية أيضا لاحترام حقوق الشيعة لديها.

قبل ذلك كانت المنامة قد طردت دبلوماسيا أميركيا (توم مالينوفسكي نائب وزير الخارجية) لبدئه زيارته للبحرين بالتوجه لمقر جمعية الوفاق مباشرة وقبل أن يقابل ولي العهد كما كان مقررا، فردت واشنطن بإعادة إرسال نفس الدبلوماسي مرة ثانية، على نحو أُريد منه توجيه رسالة مزدوجة المعاني إلى المنامة، كما إلى طهران.

على أن الهمّة الأميركية لإنشاء التحالف الدولي ضد داعش تصبُّ بالمحصلة، وعلى الرغم من مشاركة دول عربية مناوئة لإيران فيه، لصالح النفوذ الإيراني في العراق (وسوريا)، إلى درجة قيام قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، بقيادة القوات العراقية المقاتلة ضد داعش (حسب وكالة فارس الإيرانية)، كما أن تفكيك الأزمة السياسية العراقية وانسدادها بعد الانتخابات الأخيرة، لم يكن ليتم دون تسهيل من طهران (استجابة لتمنيات واشنطن) لسحب نوري المالكي مرشح حزب الدعوة من الواجهة السياسية لمصلحة حيدر العبادي مرشح الحزب نفسه.

وفيما يجتاحُ الحوثيون مناطق أمنية من شمال البلاد مخترقين صنعاء باتجاه الوسط والجنوب، وفيما أن الحدثَ يطيحُ بالجهد الخليجي-الأممي للتسوية في اليمن، فإن الموقفَ الأميركي بقي أقل من مستوى الحدث لجهة إدانة جماعة “أنصار الله” وكبح جماح اندفاعتها. ولئن قدمت واشنطن مشروعا لدى مجلس الأمن لفرض عقوبات على بعض قادة الحوثيين، إلا أن نفسَ المشروع جاء في سياق عقوبات ضد المعرقلين للعملية السياسية الذي شمل الرئيس السابق علي عبدالله صالح. لكن بالمحصلة بدا وكأن واشنطن في خندق واحد مع تلك الجماعة في مواجهة القاعدة في اليمن، كما هي في خندق افتراضي واحد لمواجهة من يصفهم السيد حسن نصر الله بالتكفيريين في سوريا.

على أن المزاج الإيجابي الذي تقابلُ به الولايات المتحدة إيران، كان قد أقلق الدول الخليجية من أعراض صفقة ثنائية تأتي على حسابهم في المنطقة، بيد أن التطورات التي اجتاحت المنطقة منذ رواج ظاهرة داعش، وضع كل دول المنطقة ضمن خندق ظرفي تجتمع فيه تركيا وإيران والخليج والأردن لردع الخطر مشترك، ما سحب سيناريوهات الصفقة الحصرية بين واشنطن وطهران، ورفع من حظوظ ضرورات بناء تفاهمات إقليمية لا تسبب إقصاء أو تهميشاً للقوى الرئيسة في الإقليم.

وعلى الرغم من ربط خصوم طهران في المنطقة الإشارات الأميركية الإيجابية إزاء إيران بورشة المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، أي بتوقيت ظرفي ينتهي بانتهاء المناسبة، فإن أوساطاً أميركية دولية باتت على قناعة بأن الانفتاح على طهران بات خياراً استراتيجياً معتمداً من قبل العواصم الغربية، حتى بعد ولاية الرئيس أوباما، وأيا تكن هوية الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، ذلك أن تلك السياسة المنتهجة لا تنشطُ وفق مزاج شخصي للرئيس الأميركي، بل مستندة على قناعات عامة تستوطن المؤسسات الأميركية الأمنية والإستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية.

على أن منطقَ “الانحراف” الأميركي المفترض باتجاه طهران (حسب بعض التوصيفات) يصطدم بتاريخية العلاقات الاستراتيجية وعمقها بين واشنطن وحليفها الأطلسي العتيق تركيا، كما بين واشنطن وحلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي. وإذا ما اعتُبرت هذه العلاقات ثابتة من ثوابت المشهد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإنه من المخاطرة اختصار ذلك بعلاقات تمليها ظروف ومصالح آنية مع إيران تفتقد للمتانة منذ الثورة الإيرانية، كما تعوزها بيئة فكرية وفلسفية مشتركة.

هو هذا الصراع الدائم بين الثابت والمتحوّل، مع المعرفة التامة أن لا ثوابت في السياسة، وإن هي إلا تمرين في التحوّل الدائم.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9