طهران وواشنطن تلتقيان مجددا عند مصلحة إنقاذ النظام العراقي

مواقف دولية لا تتخطى سقف إصلاح النظام الذي تجاوزه المحتجون.
الثلاثاء 2019/11/12
إصرار شعبي أقوى من الخذلان العربي والدولي

النظام السياسي القائم في العراق على حكم الأحزاب الدينية لا يعدو كونه مولودا مشتركا لكل من إيران والولايات المتحدة. ولئن افترقت السبل بهما لاحقا بسبب تنافسهما الشرس على التحكّم به وتوظيفه، فقد عادتا مؤخرا رغم ما بينهما من خلافات حادّة، إلى التوافق ضمنا على ضرورة حمايته من السقوط الذي بات يتربص به بشكل غير مسبوق.

واشنطن - مثّل الملف العراقي مجدّدا أحد مواطن الالتقاء النادرة بين إيران والولايات المتّحدة وذلك من خلال رغبتهما المشتركة في حماية النظام القائم في العراق من السقوط الذي يهدّده بفعل موجة الاحتجاجات غير المسبوقة في البلد.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة دعت إلى انتخابات جديدة في العراق يتم إجراؤها بعد إصلاح القانون الانتخابي، إلاّ أنها لا تبدو مستعدة للتضحية بنظام أقيم بالتنسيق مع الإيرانيين.

وتتنافس طهران وواشنطن بشراسة على استمالة نظام بغداد والتحكّم به واستخدامه كلّ لمصلحتها، لكنّ الأولوية الآن باتت لحمايته بعد أن كانت العاصمتان قد اشتركتا في إقامته قبل نحو ستة عشر عاما على أنقاض نظام حزب البعث.

ويبدو أن الطرفين الأميركي والإيراني يقودان حالة أوسع من “التواطؤ” مع نظام بغداد تمثّلها المواقف العربية والأممية المواربة ممّا يجري في العراق، حيث لم تبد الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة تفاعلا مع مطلب الشارع العراقي بتغيير النظام واكتفتا بالدعوة لإصلاحات ترقيعية للنظام ذاته تجاوزها المحتجون العراقيون.

وسبقت إيرانُ الولاياتِ المتّحدة بالمشاركة الميدانية في حماية النظام العراقي حيث خطّط الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني مع كبار قادة الميليشيات الشيعية عملية قمع المحتجين باستخدام القوّة المميتة، بينما آثرت واشنطن توظيف المناورة السياسية للحفاظ على “شرعية” النظام.

ودعت الولايات المتحدة إلى إصلاح النظام الانتخابي في العراق وإجراء انتخابات مبكرة، في رسالة واضحة بشأن تمسّكها بنظام بغداد وإقرارها بشرعيته مع الدفع بقابليته للإصلاح.

ويخالف ذلك جذريا رغبة الشارع العراقي الحاسم في رفضه النظام القائم برمّته، ودعوته إلى إسقاطه ومحاسبة جميع رموزه.

وتركزت الاحتجاجات التي اندلعت في الأول من أكتوبر الماضي في بادئ الأمر على الفساد الحكومي ونقص الوظائف وضعف الخدمات، لكنها سرعان ما تحولت إلى نبذ نظام المحاصصة الحزبية والعرقية والطائفية الذي استحدث في عام 2003 بعد أن قام الجيش الأميركي بإسقاط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين، بينما قامت إيران بتنصيب قادة أحزاب وميليشيات موالين لها، على رأس أهم المواقع القيادية في الدولة العراقية.

واستخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت ضد المحتجين وأغلبهم من الشبان العزل مما أسفر عن مقتل أكثر من 320 منهم وجرح الآلاف.

نائل الزامل: اتفاق إقليمي ودولي على بقاء الحكومة التي قتلت المتظاهرين
نائل الزامل: اتفاق إقليمي ودولي على بقاء الحكومة التي قتلت المتظاهرين

وقال السكرتير الصحافي للبيت الأبيض في بيان نشرته السفارة الأميركية في بغداد الإثنين “تشارك الولايات المتحدة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في دعوة الحكومة العراقية إلى وقف العنف ضد المحتجين والوفاء بتعهد الرئيس برهم صالح بإقرار إصلاحات انتخابية وإجراء انتخابات مبكرة”.

وقالت وسائل إعلام رسمية إن زعماء البلاد اتفقوا الأحد على أن الإصلاحات الانتخابية يجب أن تعطي فرصة أكبر للشباب للمشاركة في الحياة السياسية وتكسر احتكار الأحزاب التي تهيمن على مؤسسات الدولة.

ويبدو أنّ النظام العراقي الحالي يقدّم خدمة لأكثر من طرف إقليمي ودولي بإخراجه العراق من معادلة القوّة في المنطقة. ومن الأطراف المستفيدة من الوضع تركيا الطامحة مثل إيران إلى التحوّل إلى قوة عظمى في الإقليم.

وساهمت أنقرة عمليا في حماية نظام بغداد وأرسلت إلى العراق طائرة محمّلة بمواد تستخدم في مكافحة الشغب ومواجهة الاحتجاجات، وفق ما أوردته مصادر عراقية.

وعربيا ابتعدت جامعة الدول العربية في تعاطيها مع الملف العراقي، عن الموقف الذي كانت اتخذته حيال سوريا عندما اندلعت الأحداث هناك، وسارعت وقتها إلى المساهمة في خلخلة شرعية النظام بتجميد عضوية سوريا وتعليق مشاركة الوفود السورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية وجميع المنظمات التابعة لها إلى حين قيام دمشق “بالتنفيذ الكامل لتعهداتها وتوفير الحماية للمدنيين”، وهو ما ينطبق آليا على نظام بغداد اليوم بفعل تعاطيه العنيف مع الاحتجاجات.

ولتعويم موقف الجامعة من أحداث العراق، عبّر أمينها العام أحمد أبوالغيط عن أمله في أن تتمكن القيادات السياسية في العراق من الإسراع بالخروج من حالة الاضطراب الحالية وما يُصاحبها من عنف، مُعربا عن “الحزن والأسف لاستمرار سقوط ضحايا بين المتظاهرين وتمنياته بالشفاء العاجل للمصابين”.

وفي تأكيد لشرعية نظام بغداد، بل لـ“مشروعية” استخدام القوّة في مواجهة المتظاهرين، قال مصدر مسؤول بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، الإثنين في بيان صحافي، إنّ أبوالغيط “يتفهم اعتبارات الدولة في ضرورة السيطرة على الوضع الأمني والحيلولة دون الوقوع في الفوضى، ولكنه يستشعر في ذات الوقت قلقا متزايدا إزاء استمرار العنف دون أفق واضح لوقف نزيف الدم، مُتمنيا عدم انزلاق العراق إلى مزيد من الاضطراب”.

ولم يخرج الموقف الأممي من أحداث العراق عن المراوحة بين إدانة العنف والدعوة إلى إجراء إصلاحات بعيدا عن مطلب إسقاط النظام.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت إنها التقت الإثنين المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في مدينة النجف وناقشت معه الأوضاع والظروف التي يمر بها العراق.

وحسب بلاسخارت، دعا السيستاني إلى “إجراء إصلاحات حقيقية في مدة معقولة وألا يعود المتظاهرون إلى منازلهم دون تحقيق مطالبهم المشروعة”.

وبدا أنّ المسؤولة الأممية حاولت خلال حديثها للصحافيين بعد لقائها السيستاني العمل على تحجيم موجة الاحتجاجات في العراق وحصرها بالدائرة المطلبية التي تجاوزها المحتجّون بأشواط، قائلة إنّ منظّمتها “تراقب ما حصل في العراق، وتسجّل وجود غضب في الشارع العراقي نتيجة فقدان الخدمات”.

وردا على كلام بلاسخارت قال الناشط في الحراك العراقي نائل الزامل إنّ “المحتجين فقدوا الثقة في البعثة الأممية بسبب تصريحات ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق”.

قمع متواصل
قمع متواصل

وأوضح في تصريحات أوردتها وكالة سبوتنيك أن “هناك اتفاقا إقليميا ودوليا علي بقاء حكومة عادل عبدالمهدي، التي قتلت المتظاهرين”، مشيرا إلى “أن مقترحات البعثة الأممية في العراق ليست ذات أهمية ولن يقبل المتظاهرون أي حل دون إقالة الحكومة ومحاكمتها”.

ويخشى مراقبون أن تكون مواقف القوى والمنظمات الإقليمية والدولية بمثابة تشجيع للنظام العراقي لتصعيد قمعه للمحتجّين، وهو الأمر المتجسّد حاليا على أرض الواقع.

وقال مصدر طبي في محافظة ذي قار جنوبي العراق، الإثنين، إن حصيلة ضحايا المواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في مدينة الناصرية ارتفعت إلى 4 قتلى و146 جريحا.

وأوضح ذات المصدر الذي تحدّث لوكالة الأناضول طالبا عدم الإشارة إلى اسمه لاعتبارات أمنية، أنّ غالبية الإصابات التي وقعت خلال المواجهات بين عناصر الأمن والمحتجين ليلة الأحد الإثنين كانت نتيجة استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع بالإضافة إلى الرصاص الحي. ووصف مناشد الرزيجاوي أحد المحتجين ما حصل الأحد بأنّه “كان قمعا مدروسا للمحتجين”. وأوضح أن المئات من المتظاهرين شيعوا صباح الاثنين ضحايا احتجاجات الأحد وسط غضب شعبي عارم.

ويشهد العراق منذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي موجات احتجاجية مناهضة للحكومة هي الثانية من نوعها بعد أخرى سبقتها بنحو أسبوعين وانطلقت في مطلع الشهر ذاته.

ويصر المتظاهرون على رحيل الحكومة والنخبة السياسية الفاسدة وهو ما يرفضه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي يطالب بتقديم بديل قبل تقديم استقالته. كما يندد المتظاهرون بنفوذ إيران المتزايد في البلاد ودعمها الفصائل المسلحة والأحزاب النافذة التي تتحكم بمقدرات البلد.

3