طه حسين يسخر من شيوخ الأزهر برواية مجهولة

الرواية المجهولة لطه حسين والتي نشرت أخيرا بعنوان "خطبة الشيخ" تكشف عن صراع الحداثة والأصالة في بدايات القرن العشرين.
السبت 2018/06/09
كاتب حارب الشيوخ بشخصياته

بدأت قصة الرواية المجهولة لطه حسين التي نشرت أخيرا بعنوان “خطبة الشيخ” بعد أن توقفت بعثته بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وعودته إلى مصر. في تلك الفترة بدأت جريدة السفور الأسبوعية المصرية ذات التوجه الليبرالي، التي أنشأها عبدالحميد حمدي عام 1915، في الصدور وقد شارك في الكتابة فيها العديد من ممثلي الطليعة الثقافية المصرية فى ذلك العهد؛ كالأخوين مصطفى وعلي عبدالرازق ومحمد حسين هيكل وطه حسين وغيرهم. وفي أحد المقالات هاجم حسين أستاذه الشيخ محمد المهدي وسخر من طريقته في تدريس النصوص الأدبية، فشكاه الشيخ إلى إدارة الجامعة، وكان الأمر سيتحوّل إلى أزمة بحرمان طه حسين من البعثة بعد انتهاء الحرب.

ثم في عام 1916 بدأ الدكتور طه نشر حلقات مسلسلة بعنوان “خِطبة الشيخ” بدأت الحلقات بالعدد 72 الصادر في العشرين من أكتوبر عام 1916، واستمرت إلى العدد الخامس والثمانين الموافق للتاسع عشر من أكتوبر سنة 1917، وذلك بعد أن عاد طه حسين إلى فرنسا. الرواية تحمل في طياتها هجومًا شرسًا على شيوخ الأزهر، وانتقادًا لأفكارهم، وأيضًا أطماعهم، كما تجسّد في بطل روايته الشيخ علّام الجيزاوي الأزهري، فهو شاب يبلغ الثامنة والعشرين من عمره، يستعد للتعيين في القضاء، أناني إلى أبعد حدٍّ، يبحث عن زوجة ثرية، وهو ما وجده في الآنسة أسماء المعلِّمة، ووالدها العسكري المتقاعد سيد رحمي، الذي يمتلك عددًا من الأفدنة، التي تضمن أن نصيب ابنته لن يقل عن ألف جنيه، كما جاء في رسائله إلى صديقه زهران فتح الباب، الذي كان يرفض هذه الانتهازية التي بدا عليها صديقه.

 

ظلّت علاقة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي بشيوخ الأزهر متوترة. والحقيقة أن الصراع بين الطرفين قديم يمتد إلى دراسة طه حسين في الأزهر، ورفضه لطريقة شرح شيوخ الأزهر، ولم يتوقف الصّدام بينهما، بل استمر الصراع بين الطرفين ووصل إلى ذروته في قضية كتاب “الشعر الجاهلي” عام 1926؛ حيث تقدَّم الشيخ خليل حسين الطالب بالقسم العالي بالأزهر، ببلاغ إلى النائب العام اتّهم فيه الدكتور طه حسين بأنّه يطعن في القرآن.

مفارقات الرواية

الرواية التي أصدرتها مؤخرًا دار الكتب والوثائق القومية وصدرت بتصدير لحلمي النمنم وتقديم الدكتور جابر عصفور، صغيرة الحجم لم تتجاوز 60 صفحة، احتوت على خمس عشرة رسالة متبادلة بين شخصيات الرواية الخمس التي هي أشبه بثنائيات متعارضة، تكشف فيما تكشف عن صراع الحداثة والأصالة في بدايات القرن العشرين. فإحسان الفتاة الثرية، التي يرغب في الزواج منها الشيخ علّام، تقابلها صديقتها أسماء، التي كانت ترفض فكرة الزواج تمامًا، وترى أن خير وسيلة للمرأة هي تعليمها، بعكس صديقتها إحسان. ويقع الشيخ علّام مقابل صديقه زهران فتح الباب.

لا تقف الرواية عبر الرسائل عند هذه الشخصيات الثنائية والمتقابلة، بل تُقدِّم ملمحًا للفترة الليبرالية التي كُتبت فيها. فالمعلوم أن الرواية كتبها طه حسين في عام 1913، وهو ما دفع البعض إلى اعتبارها أقدم من رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل التي صدرت عام 1914، وهو الأمر الذي رفضه الدكتور جابر عصفور قطعيًا بقوله “إن المختصين في تاريخ بواكير الرواية العربية يعلمون أن الرواية العربية بدأت
بمعناها الذي نعرفه مع منتصف القرن التاسع عشر، أي قبل عقود وعقود من رواية ‘زينب‘ التي جعلها المرحوم يحيى حقي بمثابة فجر الرواية العربية”. ثم يعود مرة ثانية في مقدمة الرواية ويقول “وإذا عدنا إلى هذه الرواية من الناحية الفنية فلن نجد أنفسنا إزاء رواية بالمعنى الذي كانت عليه رواية ‘زينب‘ التي كتبها هيكل صديق طه حسين، فى باريس 1912 ونشرها في مصر سنة 1914؛ ولذلك سنجد أن هذه الرواية رغم قيامها على شخصيات خمس، لا نرى لهذه الشخصيات وجودًا مستقلاً أو حضورًا متعدد الأصوات”.

 الرواية رغم انشغالها بمشروع خطوبة الشيخ، ودوافعه من ورائها، إلا أنها تنفتح من جانب آخر على طريقة تفكير الشخصيات وخاصة شخصيتي إحسان وأسماء، فهما نتاج دعوات تحرُّر قادها قاسم أمين لتحرير وتعليم المرأة، وإن كان الكثير من آرائهما تحوي في باطنها أفكار طه حسين على نحو ما أشار إليه الدكتور جابر عصفور في مقدمته الطويلة عن الرواية.

أولى أزمات الرواية كانت في مارس الماضي عندما أعلن رئيس هيئة دار الكتب المصرية السابق الدكتور محمود الضبع، عن اكتشاف رواية مجهولة للدكتور طه حسين، وهو ما أثار غضب الدكتور جابر عصفور، ورد منفعلاً بمقالة “عن ريادة الروايات العربية تسرُّع وعدم أمانة” وكانت المقالة بمثابة لوم وعتاب للتسرع في النشر، ردًّا على ما نشره الصحافي سيد محمود بعنوان “اكتشاف رواية مجهولة لطه حسين”، ولم يكتف باللوم بل واتهمهما بعدم الأمانة لأن هناك مَن أشار إلي هذا العمل غير المكتمل، والذي يُنسب إلى “الأدب الإنشائي” بتعبير طه حسين نفسه، مثل أنور مغيث الذي نشر مقالة في جريدة أردنية بعنوان “روايات السفور” وأشار إلى اكتشاف طه حسين في عام 2006 وغيرها من الروايات. لكن بعد فترة خرجت الرواية وبتقديم للدكتور جابر عصفور وهو ما سبّب مفارقة غريبة.

الرواية تحمل في طياتها هجوما شرسا على شيوخ الأزهر، وانتقادا لأفكارهم، وأيضًا أطماعهم، كما تجسّد في بطلها الشيخ علام
الرواية تحمل في طياتها هجوما شرسا على شيوخ الأزهر، وانتقادا لأفكارهم، وأيضًا أطماعهم، كما تجسّد في بطلها الشيخ علام

السخرية من الشيوخ

ربما فكرة التمثيل الكنائي التي وصف بها جابر عصفور الرواية في مقدمته، هي وصف دقيق لهذه الرواية، فالرواية كان غرضها الأساسي هو سخرية وهجوم طه حسين على شيوخ الأزهر، ومن ثمّ حمّل شخصياته كل الصفات المنبوذة، فالبطل انتهازي حقود على غيره، يبحث عن كل وسيلة مغرضة للوصول إلى المال، وصديقه زهران رغم رفضه لآرائه، إلا أنه هو أيضًا صورة سلبية عن شيوخ الأزهر الذينَ كان ينتقدهم طه حسين وكانوا سببًا في أزماته، فهو شخص جامد الفكر ورأيه في المرأة مجحف فلا يوافق على تعليم المرأة لأنه –من وجهة نظره- «يُبعد ما بين المرأة وبين الدين، لا سيما تعلّم اللغات الأجنبية، فلو أنّها تعلّمتِ اللغة العربية لحسن الأمر، ولكنها تتعلّم اللغة لتقرأ ما كتبه الأوروبيون من الطّعن في الديانات، ولا سيما في الإسلام» ومن ثم يرى أن الزواج بـ«المرأة الجاهلة لأسلم عاقبة من المرأة المتعلمة تعلمًا حديثًا».

لا يكف طه حسين عن تشويه شيوخ الأزهر ووصفهم بالتزمت وجمود الفكر، كما يُسَخِّرُ شخصياته لتقول على لسانه ما هو مقتنع به، إذ يقول على لسان إحسان في الرسالة الثالثة عشرة لأسماء «هذا النوع من الشيوخ المحدثين الذين نشأوا في الأزهر ومروا بمدرسة القضاء أو دار العلوم ليسوا بحيث تظنين من الدين والحرص على القديم، فهم لا يؤمنون بالله ولا بالشيطان، كما يقول الفرنسيون، وإنما يتخذون من الدين والقديم مسحة يتوسلون بها إلى مناصبهم». لا تتوقف الاتهامات عند هدا الحدّ فإحسان ترى أن شخصية الأزهري “لا تصلح إلا لتعيش في القرن الثالث أو الرابع للهجرة”.

مقابل حالة الجمود التي يراها طه حسين في رجال الأزهر ثمّة انفتاح ومرونة هما انبثاق لحركة التحديث والليبرالية التي كانت نِتاج دعوات التحرُّر آنذاك؛ فالأب سيد رحمي نموذج للأب المديني الذي يؤمن بتعليم ابنته، فحصلت على قدر من التعليم أهّلها لأن تكون مُعلِّمة. وبهذه الآراء المنفتحة كأنّه يُقدِّم الرد العملي على موقف رجال الأزهر من المرأة وتعليمها، وهو الرأي الذي ظهر بصورة واضحة في رأي صديق البطل زهران.

15