طه حسين يطل "من الشاطئ الآخر"

"الشاطئ الآخر" كتاب يجمع بين الدراسات والرسائل واللقاءات التي كان يلقيها طه حسين في مناسبات ثقافية عامة، وأيضا بعض الخواطر التي استرسل فيها وقدم آراءه في أعلام عصره.
السبت 2019/09/07
كاتب ألغى المسافات بين الشرق والغرب

كان الكاتب المصري طه حسين من أكثر المفكرين والكتاب إثارة للجدل في عصره لما أثاره من قضايا فكرية تسائل التراث وتضعه على محك النقد والتساؤل. ولم يتوقف الجدل عند حدود الثقافة العربية، بل قدم الكاتب آراءه ومواقفه الشجاعة التي تنتصر للحداثة العربية في الغرب من خلال كتاباته الفرنسية.

كان للصدفة الدور الأكبر في اكتشاف الكثير من النصوص التي كتبها الدكتور طه حسين بالفرنسية، فيحكي المترجم عبدالرشيد الصادق المحمودي، الذي قدم للمكتبة العربية الكثير من أعمال طه حسين بالفرنسية؛ أنه وقع بالمصادفة في طبعة نقدية جميلة لرواية أندريه جيد “السيمفونية الريفية” على إشارة إلى مقالة لطه حسين بالفرنسية ترجمها بـ”هبة الحديث والصداقة”. كانت هذه المقالة بداية رحلة تمزج بين السعادة والشقاء؛ رحلة قدرية لأن يكون مترجم طه حسين إلى العربية، خاصة بعد ما وجد الدليل في ما كتبه الباحث التونسي مفتاح طهر بالفرنسية عن “طه حسين: نقده ومصادره بالفرنسية”.

ينقسم الكتاب الصادر في طبعة جديدة عن المركز القومي للترجمة بعنوان “من الشاطئ الآخر: طه حسين، كتابات طه حسين الفرنسية” 2019، ترجمة عبدالرشيد الصادق محمودي، إلى ستة أقسام تجمع بين الدراسات والرسائل واللقاءات والكلمات، التي كان يلقيها طه حسين في مناسبات ثقافية عامة، وكذلك المحاضرات العامة، وأيضا بعض الخواطر التي استرسل فيها طه حسين وقدم آراءه في أعلام عصره كالشيخ الجليل محمد عبده، فجاءت كتاباته مغايرة عما كتبه عنه في الأيام وفي الصيف، هنا توقف عند منهج الإمام – الذي كان سيد الأزهر دون منازع – في التعليم.

في مرآة طه حسين

تناول طه حسين إسهام الإمام محمد عبده بالتقويم، فرأى أنه كان يمقت الثورات والانقلابات الضخمة وأي عمل يتّصف بالعنف، في حين لم يكن أقل كرها لجمود الفكر وللتوقف الذي هو أشبه بالتقهقر، فأدخل في الأزهر بعض المواد التي توقظ الفكر وتوسّع من آفاقه ولكن دون أن تفتح أبوابه للشك. كما ينتقد القيود التي تفرض على درسه، بسبب حارس الإمام والفزاعة التي كان يطلقها لمواجهة أي طالب عنيد.

وكتب عن مختار وفنه الذي وصفه بأنه كان يحدث ثورة خاصة به، ويشيد بدور مختار الذي جعل الفن مباحا ونشاطا يلقى التشجيع من السلطات، وعن صديقه أندريه جيد، وعلاقته به وبكتاباته وزيارته لمصر أيضا. وكذلك عن علاقته بأونجاريتي الإيطالي الذي تعرف إليه في البندقية، وهاله ما استرعاه من الجانب النبوي لديه.

فرصة للتعرف على جوانب غير مألوفة من فكر طه حسين
فرصة للتعرف على جوانب غير مألوفة من فكر طه حسين

كما كتب عن علاقة غوته بالشرق، وإن كان استعرض فيها لحياة غوته العريضة التي عاشها كما أراد، وعن الأزمات التي واجهها وكذلك الصعوبات والآلام. وعن ولعه بالشرق منذ أن درس العبرية وتعلمها. ويرى طه حسين أن دراسة غوته لنص العهد القديم قد أتاح له أن يكوّن لنفسه فكرة عن بدء الحضارة ونمو الحياة الاجتماعية والسياسية، وأن يشكّل من ثمّ نزعته الإنسانيّة في صورتها الأولى، كما امتدّ تأثيرها على خياله. ويبقى لغوته أنه أول عبقري أوروبي، حاول أن يقيم بين الشرق والغرب شيئا من الألفة الوطيدة. وقد نجح في إلغاء المسافات والفوارق، وفي تحقيق الوحدة الكاملة للفكر البشري.

 ويتطرق طه حسين في مقالته إلى بدايات الأدب المسرحي في مصر، ولتوفيق الحكيم الذي يصفه بالفيلسوف الشاب، وإن كان حديثه ومظهره لا يوحيان بذلك، ويثني على مخطوطاته التي قَدِمَ بها من فرنسا؛ أهل الكهف، وعودة الروح، وشهرزاد، وإن كان يرى أنه كتب هذه المسرحيات التي تأثر فيها بما شاهده في مسارح فرنسا للقراءة وليست للعرض، فكان أولى به أن يُبسّطها.

تأتي هذه الكتابات بمثابة تطوير لمواقفه وآرائه وكثير منها كما يقول المترجم تَطْرُقُ موضوعات جديدة، وإضافة هامة إلى تراثه. كما أن هذه المقالات تتيح للباحثين فرصة التعرف على جوانب غير مألوفة من فكره، كما تكشف في بعض منها معارك طه حسين التي أشعلها بكتاباته. فلم تتوقف آراء طه حسين في إثارة العقليات المتجمدة عند كتابته في الشعر الجاهلي، بل واصل طه حسين تحريك المياه الراكدة، بالدعوة إلى البحث والتفكير لا الحفظ والتلقين، خاصة في مقالته عن “استخدام ضمير الغائب في القرآن كاسم إشارة” وهي الدراسة التي قدمها طه حسين إلى مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في أكسفورد سنة 1928، وكأنها امتداد لأزمة الشعر الجاهلي، أو تطبيق لها.

ودراسته عن ضمير الغائب بمثابة التطبيق القوي لهذا الرأي الذي جهر به، ونال ما نال من عقاب وتكدير، فقد لاحظ أن القاعدة النحوية الخاصة بضمائر الغائب لا تنطبق على كثير من آيات القرآن. فالقاعدة تنص على أن ضمير الغائب يجب أن يتقدمه اسم مذكور صراحة أو ضمنا ويطابقه من حيث العدد والجنس. غير أن هناك آيات عديدة يرد فيها الضمير دون أن يتقدمه مرجع أو دون أن يكون المرجع مطابقا للضمير من حيث العدد أو الجنس، وفي مثل هذه الحالات يلجأ النحويون إلى التقدير والتأويل ويتكلفون.

وقد ارتأى طه حسين بعد إحصاء للآيات أن الضمير في مثل هذه الحالات يؤدّي على نحو أو آخر وظيفة اسم الإشارة، وقد صنف هذه الحالات في تسع فئات. وكأن طه حسين في نظريّته يؤكد أن القرآن هو المرجع الأساسي في كل بحث لغوي أو تقعيد نحوي. لكن لم تمر هذه الدراسة مرور الكرام فقد نكأت جراحا لم تكن قد اندملت عند خصومه، فوقفوا له بالمرصاد. وصلت إلى إنذار رئيس الحكومة بألا يدعه يسافر حتى يؤلف لجنة تستوثق من أنه لن يعرّض الدين للخطر أمام المستشرقين في أكسفورد.

مع المتنبي

في هذه الكتابات عاد طه حسين إلى المتنبي مرة ثانية بعد أن أفرد له كتابا مهما بعنوان “مع المتنبي”، وقد خصه بمقالة بعنوان “مسيرة الشاعر الكبرى” لم يكتف فيها بتتبع سيرته كما فعل سابقا، بل ألقى نظرة إجمالية يحدد فيها أهمية المتنبي في تاريخ الأدب العربي والوعي القومي، ويبرز القيم الباقية في شعره. فهو رمز لسخط الشعوب العربية وآمالها، وإمام لأبي العلاء وكل أصحاب التشاؤم الفلسفي في المشرق والمغرب. وتكاد تكون هذه المقالة تلخيصا موجزا قدمه للغرب عن حياة الشاعر الذي “ملأ الدنيا، وشغل الناس”.

وتطرق في إحدى دراساته إلى دراسة “الكاتب في المجتمع المعاصر” يتناول فيها على نحو منظم وفي خطوات منطقية مرتبة وضع الكاتب في المجتمع المعاصر من مختلف الزوايا.

أما مقالته عن “الاتجاهات الدينية في الأدب العربي المعاصر” فتعتبر كما يقول المترجم النص الوحيد الذي ألّفه طه حسين في تفسير وتقويم ظاهرة الكتابات الدينية التي شاعت في الثلاثينات، وهو يتصدى لمسألة شغلت وما زالت تشغل الباحثين في الشرق والغرب، وهي تتعلّق بما إذا كانت عودة أعلام الحداثة إلى التراث الديني ليس مردّها موقف المحافظة، بل هي انتصار للكفاح من أجل حرية الفكر ومن أجل استمرار ذلك الماضي الذي يسعى العرب إلى صونه لكي يواجهوا المستقبل واثقين مستبشرين.

مقالات تبرز موقف طه حسين من القضايا العالمية ورأيه في العلاقات بين الشرق والغرب وثقافة البحر المتوسط

فيتحدث عن الإصلاح الديني الذي تبناه جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، حيث كانت ترمي حركتهما الإصلاحية إلى إخراج الفكر الإسلامي من أسر نزعة المحافظة العقيم التي أصابته بالجمود منذ عهد السيطرة التركية. أما الإصلاح الاجتماعي، فقد تبناه قاسم أمين وكان الغرض منه تحرر المرأة المسلمة وأن تردّ إليها الحرية التي كانت تتمتع بها في الماضي. لكن المؤسف أن هذين المفكرين الجسورين سرعان ما اتهما بأنهما يناهضان التحرر الوطني! ووصمت إصلاحاتهما بأنها بدع خطيرة.

ويرى أنه على الرغم من حركات التحرر من الإصلاحيين والليبراليين على العقائدية الجامدة والطغيان السياسي، إلا أن هذا لا يعني أن ثمة قطيعة بين الحداثة والإسلام، بل كان هناك احتجاج على التعصب.

ومن أقسام الكتاب ما جاء تحت باب البيانات والتصريحات، وهي كلمات ألقيت في مناسبات عارضة لتحقيق أعراض عارضة، كما تبرز موقفه من القضايا العالمية الكبرى، ورأيه في العلاقات بين الشرق والغرب وثقافة البحر المتوسط. فثقافة البحر المتوسط كما رآها طه حسين كانت حوارا وتفاعلا عريق الجذور بين مجموعة من الثقافات، وبخاصة بين ثقافتين رئيسيتين ممتازتين إحداهما في مصر بينما تمركزت الأخرى في أوروبا.

إضافة إلى إشادته بالأساتذة الأجانب الذين أوكل لهم أمر التدريس مع بداية فتح الجامعة المصرية، كجودي وناللينو وسنتلانا. علاوة على الدروس التي تركها هؤلاء الأساتذة في نفوس الطلاب، كالتواضع الذي أرساه جودي. أو إدراك الصلات التي تربط التراث الفلسفي الإسلامي بالثقافة والفكر اليونانيين كما فعل دافيد سنتلانا. وتعلمهم تأريخ الأدب وكيفية تقييم الأسلوب والتصنيف إلى مدرسة أدبية على نحو ما فعل ناللينو. فقد أنشأ هؤلاء الثلاثة بداية من 1908 جيلا تحركه روح جديدة. وفي هذا يظهر جانب مهم من شخصية طه حسين، حيث حرصه وهو يخاطب الغربيين على استقلال مصر، وإشادته بدورها الحضاري

15