"طوارئ" إسرائيلية… في منطقة تتغيّر

ليس قيام حكومة "الطوارئ" في إسرائيل حدثا عاديا، إذا أخذنا في الاعتبار كلّ هذه الأحداث التي تدور في الشرق الأوسط، في ظلّ انكفاء أميركي لا ترجمة له على أرض الواقع سوى الانحياز الكامل لإسرائيل.
الجمعة 2020/05/01
سنضمها قريبا

يصعب التكهن بالأسباب التي جعلت بنيامين نتانياهو ومنافسه السياسي بني غانتس يتفقان على تشكيل حكومة “طوارئ” في إسرائيل. هذا لا يمنع من ملاحظة أنّ زعيم تكتل ليكود الذي سيبقى رئيسا للوزراء لمدة 18 شهرا، على أن يخلفه زعيم حزب أزرق وأبيض لمدة 18 شهرا أخرى، يتفقان على استبعاد كلّي لأي تعاون أو تنسيق مع عرب إسرائيل، أي فلسطينيي 1948 الذين لديهم 15 عضوا من أصل 120 في الكنيست الإسرائيلية.

إذا وضعنا جانبا ذلك العداء المكشوف للأقلّية العربية في إسرائيل، يبدو مستغربا موقف حزب أزرق وأبيض، الذي يسمّي أيضا حزب الجنرالات، الذي كانت لديه علّة وجود واحدة هي التخلّص من “بيبي”. سيبقى زعيم ليكود في موقع رئيس الوزراء، علما أنّه يُفترض به المثول أمام المحكمة قريبا بعد توجيه القضاء الإسرائيلي اتهامات عدّة له. هذه الاتهامات مرتبطة أساسا بسلوكه “الفاسد” الذي يشمل الحصول على رشاوى. ليس معروفا هل سيحاكم “بيبي” قريبا. المعروف أنّه باق رئيسا للوزراء بفضل خصومه من الجنرالات. على رأس هؤلاء بني غانتس الذي سيكون وزيرا للدفاع في انتظار دوره على رأس الحكومة، وغابي اشكينازي الذي سيتولى الخارجية.

معروف أن قادة حزب أزرق وأبيض هم غانتس واشكينازي وموشي يعلون. انتمى الثلاثة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حيث شغل كلّ منهم، في مرحلة معيّنة، موقع رئيس الأركان. لم يعد سرّا أن إسرائيل تتوقّع أحداثا كبيرة في المنطقة. ستحاول استغلال هذه الأحداث قدر الإمكان، خصوصا في ظلّ الحاجة الملحّة لدى دونالد ترامب إلى أصوات اليهود الأميركيين.

ستحاول إسرائيل قبل كلّ شيء وضع يدها على قسم كبير من الضفّة الغربية وعلى وادي الأردن وذلك قبل نهاية ولاية ترامب الساعي إلى البقاء في البيت الأبيض لولاية ثانية بعد انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر المقبل التي سيواجه فيها الديمقراطي جو بايدن الذي شغل موقع نائب الرئيس في عهد باراك أوباما (ولايتان رئاسيتان). هل ستسمح الولايات المتحدة بضم إسرائيل لقسم كبير من الضفّة الغربية إضافة إلى وادي الأردن مع ما يشكله ذلك من إحراج للملكة الأردنية الهاشمية؟ في ظلّ التفاهم التام بين ترامب و”بيبي”، يبدو كلّ شيء واردا بما في ذلك طيّ صفحة خيار الدولتين الذي يعني قيام دولة فلسطينية “قابلة للحياة” نهائيا.

لن تقتصر مهمّة حكومة “الطوارئ” الإسرائيلية على ضمّ قسم من الضفة الغربية التي تعاني أصلا من سياسة الاستيطان المستمرّة منذ سنوات عدة، والتي أخذت بعدا جديدا مع تولي نتانياهو موقع رئيس الوزراء. لن تكتفي إسرائيل بخلق مشاكل وإحراجات للأردن الذي تربطها به معاهدة سلام ذات بنود واضحة. هناك وضع إقليمي غير مسبوق في ظلّ تفتت سوريا. ستسعى إسرائيل إلى تكريس ضمّها للجولان وجعل قضيّة الهضبة المحتلة قضيّة من الماضي. في النهاية إنّ تقاسم سوريا يسير على قدم وساق. ما شهده الشمال السوري خير دليل على ذلك. ما يمكن ملاحظته في الأشهر الأخيرة تعزيز تركيا وجودها في مناطق حدودية معيّنة تشمل محيط إدلب على طول نحو 120 كيلومترا وفي عمق يصل إلى 35 كيلومترا أحيانا، بما يضرب المشروع الكردي في سوريا نهائيا.

هل سيحاكم "بيبي" قريبا
هل سيحاكم "بيبي" قريبا

يحصل ذلك كلّه في ظلّ تفاهم واضح بين تركيا والروس والأميركيين الذين باتوا موافقين بدورهم على شريط تركي داخل الأراضي السورية. ما عجزت تركيا عن عمله بعد العام 2011، أي بعد اندلاع الثورة السورية، تفعله في 2020. هناك مزيد من التعزيزات العسكرية التركية داخل الأراضي السوريّة. لا تدخل تركيا بجيشها مكانا وتخلّيه. التجربة القبرصية واضحة. اجتاح الجيش التركي جزيرة قبرص صيف العام 1974. كانت لديه حجة قويّة تتمثل في حماية الأقليّة التركية في الجزيرة بعد الانقلاب الذي شنته مجموعة قبرصية يمينية بزعامة نيكولاس سيمبسون بدعم من الحكم العسكري الذي كان قائما في اليونان. تغيّر كلّ شيء في قبرص التي صارت عضوا في الاتحاد الأوروبي وتتمتع بنظام ديمقراطي حقيقي. ما لم يتغيّر هو الوجود العسكري التركي الذي تكرّس مع إعلان “جمهورية شمال قبرص التركية” التي لا تعترف بها سوى تركيا. تركيا في قبرص منذ 46 عاما. ليس ما يوحي بأنها ستخرج منها قريبا. ثمّة منطقة في شمال سوريا مرشحة لأن تصبح تحت الحكم التركي بمباركة أميركية وروسية في وقت يتراجع المشروع التوسّعي الإيراني يوما بعد يوم في ضوء الصعوبات الداخلية الناجمة عن نظام فاشل على كلّ صعيد داخلي من جهة، والعقوبات الأميركية من جهة أخرى.

قبل مئة عام بالتمام جرى تقسيم المنطقة بموجب اتفاق سان ريمو الذي باركته جمعية الأمم، وهي المنظمة الدولية التي كانت قائمة قبل الأمم المتحدة. ولد من رحم سان ريمو لبنان الكبير الذي عاش مئة سنة، والذي ليس ما يبشّر بأنه سيتجاوز هذه السنّ بسهولة من دون تغييرات جدّية تطرأ على طبيعة نظامه… وعلى دوره التقليدي في المنطقة وعلى نظامه الاقتصادي. نبّه تحقيق نشرته صحيفة “لو موند” قبل أيّام في مناسبة مئوية سان ريمو إلى أنّ هذا الاتفاق الذي جاء بعد انهيار الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى أهمّ بكثير من اتفاق سايكس – بيكو للعام 1916 نظرا إلى أنّه جعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني كذلك العراق، وسوريا ولبنان تحت الانتداب أو الحكم المباشر الفرنسي بموافقة جمعية الأمم التي كانت تمثّل وقتذاك الشرعية الدولية.

ليس قيام حكومة “الطوارئ” في إسرائيل حدثا عاديا، إذا أخذنا في الاعتبار كلّ هذه الأحداث التي تدور في الشرق الأوسط، في ظلّ انكفاء أميركي لا ترجمة له على أرض الواقع سوى الانحياز الكامل لإسرائيل…

لا يشبه هذا الانكفاء سوى ذلك الذي مارسه الرئيس الأميركي وودرو ولسن الذي كان يدعو بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى ترك شعوب المنطقة “تمارس حقّ مصيرها”، وهو ما رفضه الفرنسيون والبريطانيون الذين كان طموحهم وراثة الدولة العثمانية في العراق وسوريا ولبنان. انتصرت وجهة النظر البريطانية والفرنسية. أي وجهة نظر ستنتصر في السنة 2020 بعدما أصبحت بريطانيا وفرنسا غائبتين، فيما لم يعد الروسي يدري ما الذي عليه عمله في سوريا أو العراق، وكيف التعامل مع إيران الذي يتبيّن يوما بعد يوم عمق الحلف القائم بينها وبين الصين. نعم الصين. هناك بكل بساطة حكومة “طوارئ” إسرائيلية في منطقة تتغيّر. يتغيّر فيها كلّ شيء، بما في ذلك حدود الدول!

9