طواف عثماني في جزيرة العرب والمحيط الهندي

الأحد 2013/08/25
مجموعة جديدة من الاصدارات فازت بـ "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة"

يواصل "مشروع ارتياد الأفاق للأدب الجغرافي" في لندن وأبو ظبي والهادف إلى التعريف بأدب الرحلة والبحث فيه، إصدار مؤلفاته الجديدة لإغناء المكتبة العربية والتعريف بهذا الجنس الأدبي الذي تم تجاهل قيمته الأدبية والمعرفية من قبل الدارسين العرب.

ومن هذه المؤلفات مجموعة جديدة من الإصدارات التي سبق أن فازت بـ"جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة" في مجال تحقيق أمهات الرحلات العربية والشرقية، من هذه الأعمال كتاب الرحلات العثمانية الذي صدر في مجلدين إثنين، احتوى المجلد الأول منهما على الرحلات التي قام بها ضباط ومفتشون عثمانيون انطلقوا في رحلتهم من تركيا مرورا بسوريا حتى الجزيرة العربية والبحرين والعراق، في حين احتوى المجلد الثاني على رحلة امتدت من العراق وسوريا حتى بلاد الهند وأسيا الوسطى في الفترة ما بين القرنين السادس عشر والعشرين.

عمل الدكتور محمد حرب والدكتورة تسنيم محمد حرب على تحقيق هذه الرحلات التي تنبع أهميتها من الجغرافيا الواسعة من البلدان التي تغطيها تلك الرحلات وما واجهه فيها الرحالة من مخاطر وتحديات في مجاهل بلاد الهند وآسيا الوسطى وتقديمها، إضافة إلى ما يسجله هؤلاء الرحالة من مشاهدات وطقوس وعادات ومعالم تاريخية ومعلومات جغرافية وبشرية وسياسة هامة تغطي البلدان التي زارها الرحالة.

الرحلات العثمانية

يضم الكتاب الأول الرحلة التي قام بها البحار سيدي علي أحد أشهر رجال البحرية والأدب في عهد السلطان سليمان القانوني في منتصف القرن السادس عشر الميلادي بعد أن فقد هذا البحار جزءا كبيرا من الأسطول العثماني أثناء معركته في خليج البصرة مع الأسطول البرتغالي. فهي لم تكن رحلة على عادة الرحالة الذين يقومون بها بهدف الاكتشاف والمعرفة، بل اضطرته للقيام بها الظروف التي نجمت عن هزيمة أسطوله الحربي. وعندما عاد من تلك المغامرة أراد أن يدوّن تلك الرحلة الطويلة، التي كاد يفقد فيها ورفاقه حياتهم أكثر من مرة، مسجلا فيها ما شاهده وعرفه في مجاهل تلك البلدان الغريبة في أقاصي الهند وبلدان آسيا الوسطى، وما التقاه من شخصيات سياسية وتعرّف إليه من طوائف دينية وطقوس غريبة وحياة اقتصادية واجتماعية وسياسية، أو سمعه من أخبار وحكايات حتى باتت هذه الرحلة بمثابة وثيقة هامة عن تلك البلدان في تلك الحقبة.

وكعادة كتب الرحلة يفتتح الرحَّالة كتابه بتدوين تاريخ بدء الرحلة ومكان انطلاقها، وتحديد خط سيرها، حيث يظهر هنا التكثيف في الوصف، على خلاف ما سنجده في السرد والوصف لاحقا بدءا من لحظة إبحارهم في بحر العرب والمحيط الهندي الذي كان في أوج غضبه واندفاع أمواجه العاتية، ليعود بنا في ختام الرحلة إلى خليج عدن ومصر، ومنها إلى أسطنبول حيث انطلق من هناك.

يتضمن الكتاب الأول الرحلة التي قام بها البحار سيدي علي أحد أشهر رجال البحرية والأدب في عهد السلطان سليمان القانوني في منتصف القرن السادس عشر الميلادي بعد أن فقد هذا البحار جزءا كبيرا من الأسطول العثماني أثناء معركته في خليج البصرة مع الأسطول البرتغالي.

بعد أن اجتاز الرحالة منطقة بحر العرب يبدأ بوصف ما واجهوه من مخاطر في المحيط الهندي الذي يسميه البحر المحيط، حيث استمرت الرحلة أياما طويلة فاجأتهم فيها العواصف التي لم يألفوها من قبل، والتي كانت تجعل من الأمواج العاتية سلاسل من الجبال، هي أعلى أضعاف مضاعفة مما كانوا قد رأوه في البحر المتوسط، حتى إنهم لم يستطيعوا التفريق بين الليل والنهار ما اضطرهم لإلقاء أغلب أحمالهم في البحر لكي يتمكنوا من الوصول إلى البر. يتداخل في هذه الرحلة السرد مع الوصف مع الخبر، والشعر مع النثر بسبب ما كان يتمتع به الرحالة سيدي علي من موهبة شعرية وقدرة على ارتجال الشعر الأمر الذي ساعده كثيرا على النجاة من المآزق التي كان يواجهها، ودفع السلاطين والأمراء إلى تقديم العون المادي والمساندة بالرجال أو كتب التوصية التي أعانتهم كثيرا على تجاوز المخاطر التي كانت تواجههم في المناطق النائية.

أهمية الرحلة أنها تقدم تعريفا بأهم المدن التي كانت حواضر تلك البلدان وبالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية بكل تفاصيلها وأحوال الناس وتقاليدهم، حتى يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية عن طقوس حياة الناس ومعتقداتهم ولباسهم ولغاتهم، إضافة إلى جغرافياتها الصعبة التي لم يألفوها، وكان عليهم أن يجتازوها في رحلة العودة إلى ديارهم.

جزيرة العرب

يتضمن المجلد الثاني خمس مخطوطات لخمس رحلات قام بها رحالة عثمانيون إلى جزيرة العرب. المخطوطة الأولى كانت في البداية عبارة عن تقرير جغرافي أعده الرحالة محمد كامل بن نعمان الحمصي بينما كانت المخطوطات الأربع الباقية مثالا لأدب الرحلة، دوّنها مفتشون وضباط عثمانيون. وإذا كانت الرحلة الأولى بحكم الهدف منها ركزت على تقديم معلومات تاريخية وطبيعية واجتماعية وبشرية عن بلاد الحجاز والشام، فإن أهم هذه الرحلات، هي الرحلة الخامسة التي قام بها رئيس البحر القبطان العثماني سيدي علي في الخليج العربي والهند وآسيا الوسطى، نظرا للقيمة التي تنطوي عليها من الناحية الاجتماعية والسياسية والفكرية لتلك البلاد، ما دفع بالعلماء الأوروبيين إلى ترجمتها إلى لغات أوروبية عديدة. وبقدر ما تضيء هذه الرحلات على حقبة زمنية قديمة من عمر تلك البلاد، فإنها تقدم لنا معرفة بجوانب محددة من الطقوس والتقاليد السنوية، التي كانت متبعة من قبل السلطان العثماني، كما هو الحال في الرحلة الحجازية التي قام بها سليمان شفيق باشا برفقة والده علي كمال باشا بعد أن عين الأخير أمينا على الصرة الهمايونية التي كانت ملتقى اجتماع الحجاج، والتي كانت تخرج رسميا من القصر الهمايوني للسلطان العثماني في اسطنبول بموكب رسمي سالكة في البداية الطريق البحري ومن ثم الطريق البري حتى وصولها إلى مكة.

يتضمن المجلد الثاني خمس مخطوطات لخمس رحلات قام بها رحالة عثمانيون إلى جزيرة العرب. المخطوطة الأولى كانت في البداية عبارة عن تقرير جغرافي أعده الرحالة محمد كامل بن نعمان الحمصي بينما كانت المخطوطات الأربع الباقية مثالا لأدب الرحلة، دوّنها مفتشون وضباط عثمانيون.

لا تختلف هذه الرحلات الخمس من حيث الأسلوب المتبع عادة في أدب الرحلة، والسرد التتابعي الذي يبدأ من تحديد الدوافع والأسباب التي استدعت القيام بهذه الرحلة، ومن ثم تحديد زمان انطلاق الرحلة ومكانها ووصف الطريق الذي سارت فيه حتى وصولها إلى المكان المنشود. لا تختلف هذه الرحلات الخمس إلا من حيث الإضافة أو الهدف من الرحلة كما هو الحال في الرحلة الأولى التي كانت بهدف إعداد تقرير للسلطان العثماني عن منطقة الحجاز، ولذلك فقد أفرد صاحبها فصلين خاصين للتعريف بتاريخ الوهابية وتاريخ جبل شمر وآل رشيد، إلى جانب التركيز على تاريخ الحرب عند البدو والعادات والتقاليد الاجتماعية المتّبعة لديهم. ولدى بعض العشائر المنتشرة في الجزيرة العربية كزبيد والدواسر وشمر ودليم.

في ضوء ذلك نلاحظ التباين في القيمة الأدبية لتلك الرحلات فالرحلة الثانية التي قام بها المفتش العثماني علي سعاد في الخليج والجزيرة العربية تعتبر أنموذجا لهذا النوع من أدب الرحلة.

وبينما اختصت الرحلة الأولى والثانية والثالثــة بالجزيرة العربية والأقاليــم الواقعة على أطرافها أو على طريق الحج كسوريا والأردن، فـإن الرحلة الرابعة التي قام بها عالي بك كان مجالها الجغرافي والثقافي مختلفا، امتد من العراق وحتى بلاد الهنــــد وكذلك الرحلــة الخامســـة لسيدي علي قبطان البحر العثماني التي امتدت من الخليج العربي إلى الهند وآسيا الوسطى.

العراق والهند

تتوزع القيمة الجغرافية والمعرفية والتاريخية للرحلة وفقا للطريق الذي كانت تسلكه، وهو ما يجعل هذه الرحلات تغطي مساحات واسعة من البلدان والشعوب والثقافات، وبالتالـــي تقدم لنا معرفــــــة وافية بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتلك البلدان إلى جانـــب الحوادث والمشاهــــدات التي كانت تقع عليها عيون الرحالة أثناء طوافهم في تلك البلاد.

ففي حين تذهب الرحلة الرابعة والخامسة في اتجاه العراق وبلاد الهند وآسيا الوسطى نجد الرحلة الأولى والثانية والثالثة تتخذ من بلاد الشام والجزيرة العربية مجالا لطوافها ومشاهداتها.

إن أهمية ما تقدمه الرحلة الأولى وهــي رحلة إلى الحجاز تكمن في أنها تقدم وصفا وافيا لجوانب الحياة الاجتماعية والعمرانية والتجارية لقبرص وبيروت التي يخصص لها الرحالة مساحة واسعة للدور الحضاري والزراعي والتجاري الذي لعبه الفينيقيون في تاريخ هذه المدينة، إلى جانب وصف أزيائهم وتقاليدهم وتوزع مذاهب سكانها من حيث أعدادها.

وينطبق الحال على ولاية سوريا التي يقدم إحصاءات دقيقة عن مدارسها ومكتبتها الظاهرية والحياة الاقتصادية والزراعية والطقوس التي كانت تتبع عادة في الشام عند خروج موكب الحج منها (المحمل الشامي) إلى الديار المقدسة، وسط طقس احتفالي مثير.

تتجاوز القيمة الخاصة لهذه الرحلات بعدها الأدبي إلى ما تقدمه من توثيق للمدن والقرى على طول خط سير الرحلة إضافة إلى التعريف بطبيعة السكان وعاداتهم وتقاليدم والأوابد التاريخية التي اندثر العديد منها لاسيما في بلاد جزيرة العرب، إلى جانب التعريف بتوزع القبائل والاختلافات في العادات والتقاليد واللهجات بين بدو الصحراء وبدو المناطق القريبة من الحواضر.

12