طوباوية الردّة أو زمن النوستالجيا

الحداثة التي كانت فيما مضى متوجهة نحو المستقبل، مدفوعة بالتقدم، صارت اليوم منجذبة إلى الماضي، لتعيش عصر النوستالجيا.
الخميس 2019/05/30
باومان يحلل تصاعد العنف بشتى أنواعه والشعور العام بعدم الأمان الذي يسكن زمننا كأعراض دالة على تراجع سلطة الدولة

ما الذي يجمع بين الأصوليين الإسلاميين الذين يحنّون إلى ماض مؤسطر يَسِمونه بما لم يكن فيه، وبين الشعبويين الذين يحنّون هم أيضا إلى ماض موهوم يسوده الأمان والسعادة؟ لا شيء تقريبا سوى أن كليهما فقد الثقة في المستقبل، فصار يحلم بالعودة إلى الوراء. أولئك يدّعون أن الأسلاف كانوا يعيشون في مجتمع الطهر والكفاية والعدل، وهؤلاء يزعمون أن العالم فيما مضى كان أكثر استقرارا، والناس أفضل توازنا وأريحية، والحدود أمنع حراسة، والمجتمع أحسن تكافلا وحماية. وما ذلك في الواقع سوى صورة ملفّقة، أثبت المؤرخون في الحالين أنها مختلَقة، وأن الماضي لم يكن قط بتلك الملامح التي يُسقطونها عليه. ورغم ذلك هم يؤثرون الماضي على المستقبل، والنكوص على التقدم، والارتداد إلى عالم مفقود على التطلع إلى المستقبل.

هذه الظاهرة التي عمّت العالم أطلق عليها عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (1925-2017) مصطلح “ريتروتوبيا” (Retrotopia) أي طوباوية الردّة، وهو عنوان كتاب صدر له بُعيد وفاته. في هذا الكتاب، يبيّن مبتكر مصطلح “المجتمع السائل” أن الارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا هذا الذي استشرى فيه وباء النوستالجيا، فقد راج في كل مكان من الأرض تقريبا نوع من التطلع الرجعي، والرغبة في العودة إلى ماض تغلّفه الأساطير في معظمه، كوسيلة مثلى لتجنب مواجهة الأسئلة الحارقة.

ويفسر باومان هذه الردة بكونها ناجمة عن العودة إلى النزعة القبلية التي تتغذى من هشاشة الدولة وتفككها، وتزدهر بفضل التكنولوجيات الحديثة كنِحَل صغيرة تتنازع فيما بينها، ولا تهتم بإقناع الآخر أو جلبه إلى حظيرتها، لأنها تقوم على مبدأ التناظر بين “هم” و”نحن”، فخلقت بذلك إنسانا ذا وجهين مثل الإله يانوس في الميثولوجيا الرومانية، وجه ينظر إلى الأمام ووجه ينظر إلى الوراء، وجه باسم ضاحك ينظر إلى الداخل، ووجه كريه مهدِّد بادٍ للعيان. وفي حركة تراجع عام، بات الفرد منكفئا على ذاته، فشكل ما أسماه باومان “الإنسان السيكولوجي”، كآخر إنتاج للفردانية البورجوازية، مثل مونادة (كائن أحادي الخلية) مرتابة، تضع نفسها بين أيدي علماء النفس ودكاترة “العيش السعيد.”

لارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا
الارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا

يحلل باومان تصاعد العنف بشتى أنواعه والشعور العام بعدم الأمان الذي يسكن زمننا كأعراض دالة على تراجع سلطة الدولة التي أضعفت العولمةُ صورتها فتهشمت شظايا، وعلى انبعاث الحالة الطبيعية الأولى للمجتمعات كما فسرها توماس هوبز (1588-1679) أي حرب الجميع على الجميع، حين يكون كل فرد مسكونا بهاجس البقاء، والخوف من أن يتربص به الآخر، فيلجأ إلى استعمال العنف، دفاعا عن نفسه، ثم إشباعا لغرائزه ومطامعه، فتعم الفوضى وينعدم الأمان.

وفي رأيه أن الفردانية المفرطة أردت الطوباويات المشتركة إلى الحضيض، وبتنا نعيش حربا تغذيها خشية العجز التي تستبد بالأفراد المعاصرين، الذين تحرروا من الوصاية ثم بقوا معزولين. فالمستقبل، الذي كان البيئة الطبيعية للآمال والانتظارات المشروعة، صار وعاء تلقى فيه كل المخاوف، ولاسيما الخوف من البطالة والانحدار الاجتماعي للفرد ولأبنائه من بعده، بسبب اقتصاد يقوم على المنافسة الشرسة ويضع العمل ورأس المال في يد واحدة، راميا بمن لا يملك هذا أو ذاك في درك وضيع. ما يعيد البشر إلى الوضع الذي صوّره هوبز في “ليفياتان”، حين تغدو الأرض مسرح حرب دون قوة عليا تحد من تنافس البشر. وذلك لأن العولمة أحدثت فصلا بين القوة والسياسي، جعل الدول “أشبه بجاليات متجاورة داخل حدود مثقوبة”.

قد تنطبق هذه القراءة على عدد من البلدان الغربية التي سحقت سياساتها الليبرالية الفرد، فارتد إلى القبيلة والعشيرة ينشد ملاذا، وإلى الماضي يعزز هويته، ولكنها لا تنطبق تماما على الأصولية الإسلامية إلا من جهة ارتدادها إلى الوراء، وتعلقها بالماضي تعلقا أقرب إلى التقديس. فالردّة هنا أعمق، وأسبابها لا تُردّ إلى حداثة لم تدخلها، ولا إلى عولمة ليست فيها إلا الطرف السالب، بل إلى يأس عام من كل التجارب السياسية التي لم تأت وعودها إلا بما يعزز الاستبداد وتوابعه، وإلى أنظمة تربوية لم تفلح في الحدّ من الأمية المستفحلة، ما أنتج أجيالا ضرب الجهل على عقولها، فصارت لقمة سائغة يوجّهها الوعاظ والفقهاء كيفما يشاؤون، خصوصا بعد انتشار الفضائيات واقتحام الدعاة البيوت بغير استئذان.
ومن الطبيعي أن من يشرب كلامهم شربا وهو خاوي الوفاض سيعمل بما يقولون، ويقتني من المطبوعات ما به ينصحون، حتى تنغلق عليه الدائرة، فيكفر مثلهم بالحاضر وبدعه، وبالمستقبل وآفاقه، ويرتدّ إلى الماضي، لا ليستلهم منه ما يفيد، بل ليقيم فيه، قلبا وقالبا. وخلافا للرجل الغربي الذي لا يحمل غيرَه قهرا على الارتداد مثله إلى ماض مشترك، يجهد الأصولي المسلم في فرض رؤيته وفهمه ونمط عيشه ونوع ألبسته على الآخرين، ولو بالعنف، إن لم ينفع التأنيب والتأثيم. ولما صار ذلك الماضي ماثلا في شوارعنا حتى فاضت به مدننا صدّروه إلى الخارج، من بلدان تستورد في العادة كل شيء، ودفعوا الأجانب إلى اعتناقه بوصفه الأنصع والأبهى. وما ذلك إلا ضرب من التصورات الشوفينية، التي قد تخلق أوهاما خطيرة.

يقول باومان “الحداثة التي كانت فيما مضى متوجهة نحو المستقبل، مدفوعة بالتقدم، صارت اليوم منجذبة إلى الماضي، لتعيش عصر النوستالجيا، وهذا ليس بالأمر الحسن، لأن العودة إلى الماضي خيالية إلى حدّ بعيد. هي شعور بالفقدان والانتقال من زمن إلى زمن، وهي أيضا قصة حب يعقدها المرء مع مخياله، ما يخلق آفاقا وهمية خطيرة.”

وصفوة القول إن الماضي لا يمكن أن يقدم حلول الأمس لمواجهة رهانات اليوم، رهانات مجتمع معولم مترابط، دون امتلاك روافع سياسية تسيّره. وليس أمامنا إلا أن نأخذ بأسباب الحداثة، و”نعمّقها عن طريق تكملة التصور الكوسموبوليتي الذي نحن عليه بوعي كوسموبوليتي حقيقي” بعبارة الفيلسوف البولندي، ينظر بفضله الإنسان نظرة شاملة إلى مستقبل البشرية قاطبة، ويسعى لتحقيق حتى ما يبدو الآن من الطوباويات، بدل الارتداد إلى ماض غابر. أليس غريبا أن نشهد طوباوية ردّة بعد خمسة قرون من “يوتوبيا” توماس مور؟

16