طوباوية الماضي

الخميس 2016/08/04

لا جدال في أن الذاكرة ضرورية لكل فعل إنساني، وأن الاستفادة مما اختزنته من تجارب، جمعا أم فرادى، يساعد الأجيال اللاحقة على تخطي العقبات وتذليل الصّعاب، فما من أمة تروم النهوض جرّت على ماضيها ذيل العَفاء. ولكن شتّان بين من يعود إلى الماضي ليستلهم منه أقباسا تفيده في مقاربة الواقع وتعينه على فهم الكون بشكل أفضل، وبين من يحنّ إليه كزمن مضى هيهات أن يعود كما يقول الموشّح الأندلسي، كمن يبكي ديارا ضاعت ونعمة زالت، ووجوها غابت، فيضفي عليه سمات لم تكن فيه، ليجعل منه زمنا طوباويا لا وجود له، على الشكل الذي يذكره على الأقل، إلا في ذهنه.

والمعروف أن من طبيعة البشر تجميل الماضي وتقديسه وأسطرته، ولا سيّما لدى المتقدمين في السّنّ، الذين عادة ما يذكرون ماضيهم في تحسّر بالغ، ليس على طريقة أبي العتاهية، بل على سبيل من يقارن الزمن الحاضر، الذي تردوا إليه رغما عنهم، بما قبل، حيث كان كل شيء في تقديرهم أحسن، الأكل والشرب والسكن والمعشر واللباس والكسب وكذا الأسمار والأخلاق والآداب والفنون، دون أن يكون ذلك الـ”ما قبل” محدّدا بتاريخ، بل يمتدّ بامتداد أعوام قائله.

والخطر لا يكمن في التغنّي بالماضي، لأن الماضي ضروريّ لبناء الحاضر كما أسلفنا، بل في جعل ذلك الماضي مقياسا يقاس به الحاضر، واتخاذ الندم على ما فات مبضعا يشرَّح على ضوئه الرّاهن، وهو أمر نلمسه في شتى مجالات الحياة في مجتمعاتنا العربية، ولا سيّما تلك المشدودة إلى الوراء. فئة محافظة تضفي على ماضيها بخاصة والماضي بعامة قُدسية، وتعيش الحاضر في شتى أوجهه كمرحلة انحطاط، تَراجع فيها كلّ شيء عَمّا كان عليه، من قبل. فئة تحولت النوستالجيا لديها إلى حالة مرضية، تنظر إلى الواقع المتغير انطلاقا من نقطة وهمية، تريدها ثابتة على الدوام، وتحذر من المستحدثات التي جاءت بها الثورة الإلكترونية تحذيرَ الغابرين في العصور القديمة من فقدان ملَكة اللسان يوم اختُرعت الأبجدية، ومن القدرة على الكتابة يوم ابتُكرت المطبعة، ومن موت الكتاب الورقي بظهور حضارة الشاشة التي غزت كل مكان.

هذه الظاهرة، التي لا تخلو منها حتى المجتمعات المتقدمة، يفسرها الفلاسفة بأن لعالم الأمس سحر الطوباوية الملموسة، فهو تصور مثاليّ لمعتقد يُعاش كتجربة. والسابق، بما أنه ولّى وانقضى بات منالُه مستحيلا. ولكن بما أنه وُجد، فهو يمنح الحالم الذي يأنف من الحاضر وهما بأن الأحسنَ وُجد فعلا، ومن ثَمّ يكونُ تعلّقه به وتفضيلهُ على الحاضر.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15