طوفان الصور يكتسح منصات التواصل الاجتماعي

الملايين من الصور عبر المنصات الرقمية هي مرحلة تحول كبرى، غير مسبوقة حتى صار منتجو الصور في الكثير من الأحيان بمثابة مصورين صحافيين تستعين بهم صحافة اليوم.
الثلاثاء 2018/12/11
الصور علامة فارقة من علامات العصر الرقمي

بضعة ملايين من الصور تتدفق في اليوم الواحد عبر منصات التواصل الاجتماعي. لم تعد لتدفق الصور حدود ولا مواصفات محددة، العفوية والتدفق المستمر هما علامتان فارقتان للغة موازية تكمل الكلمات بل وتغني عنها في بعض الأحيان.

قد تبدو تلك الصور المليونية من المكملات التي يمكن الاستغناء عنها بوساطة الكلمات، لكن الولع الذي أنتجته الوسائط الاتصالية جعل من الصور علامة فارقة من علامات العصر الرقمي.

في فترة مبكرة من التفاعل مع الصور قدم رولان بارت توصيفا عميقا لدلالة الصورة ومنها الصور المتحركة، لكنه في ذلك الحين لم يكن يعلم شيئا عن منصة اتصالية تفاعلية مثل إنستغرام حيث الصور تعيش أقصى درجات انتعاشها.

هنا تتعايش الصور بكل أشكالها ومستويات وخبرات منتجيها، صور محترفين وهواة، صور حياة يومية وتذكارات في مقابل مشاريع بصرية رصينة وعالية الاحتراف. هنا يمكن أن تجد مناخا تفاعليا عميقا قوامه الصورة كما يمكن الانطلاق من الصورة لقراءة واقع ما وبلاد ما وحياة مجهولة.

السر في صناعة وإنتاج الصورة وما يطرأ عليها من تعديلات بوساطة البرمجيات، كل ذلك يتكـامل نوعيا مع التنوع والغزارة التي تنطوي عليها تلك الوسـائط فإلى أي حد يمكـن أن نمضـي معها في استقطابها جمهورا مليونيا وجد في الصور ضالته وأداته التعبيرية الأساسية؟

واقعيا نجد أن الصور في هذا العالم الرقمي الجديد قد غادرت وظيفتها الاتصالية المجردة في كونها تحمل معلومات إلى كونها أداة تداولية يومية ليس بالضرورة أن تكون بمستوى فني أو احترافي كما كانت في الماضي.

متعة الاكتشاف الذي تنطوي عليه الصور سوف تزيد من ذلك التدفق وتجعل من مهمة الشرح والتفصيل مهمة مؤجلة أو غير لازمة وتتعدى حدود الإجابة التقليدية عن متى وأين

هنالك في وسط هذا الواقع الرقمي الجديد بحث في شيفرات ومعان تنطوي عليها الصور، لكن قراءتها وتأويلها يحتاجان إلى المزيد من الوقت والصبر والتمحيص وتلك مهمة طويلة.

لم تعد الصورة هنا وفي ظل التدفق اللحظي والقدرة الفائقة على تخزين البيانات والمعلومات ثابتة ولا أسيرة زمنها وظروف إنتاجها، بل يمكن أن تنسخ الصورة ما لا يحصى من الصور اللحظية والآنية حتى صار هذا الوسط الرخو كافيا لصنع منظومة بصرية على درجة من العمق والتأثير. من خلال ما أثرناه في بداية المقال نجد مثلا أن ملامح الساسة وردود أفعالهم على سبيل المثال كافية لأن تتدفق إلى ذلك الوسيط الرقمي من خلال سلسلة ذات دلالات عميقة.

في قراءة موازية للمعنى الرقمي يشخص أمبرتو إيكو دلالات المعنى الصوري الذي تنطوي عليه كل تلك الصور وصولا إلى وظائفيتها المجردة.

بالطبع سوف تبرز هنا الوظيفة الصحافية للصور وضروراتها وبذلك سوف ننتقل إلى تراث وتاريخ ممتد لدلالات تلك الصور الساكنة والجامدة التي تحقق هامشا تفاعليا مع متن الخبر ومع شرح الصورة.

هنا سوف نبحث عن (مؤلف) أو صانع الكلام، سواء أكان محررا أو كاتبا في مقابل منتج الصور الذي يكون قد وصل بالصورة الصحافية إلى دلالاتها المؤثرة والمحملة بالمعنى. وبالنسبة لأمبرتو إيكو هنالك مرحلة فاصلة ما قبل شرح الصورة والوصول إلى معناها وبين الاكتفاء بالصورة في حد ذاتها.

لعل متعة الاكتشاف الذي تنطوي عليه الصور سوف تزيد من ذلك التدفق وتجعل من مهمة الشرح والتفصيل مهمة مؤجلة أو غير لازمة وتتعدى حدود الإجابة التقليدية عن متى وأين، أي تحديد الزمان والجغرافيا المكانية المرتبطة بالصورة والتي تعد جذرا تقليديا لها.

الملايين من الصور عبر المنصات الرقمية هي مرحلة تحول كبرى، غير مسبوقة حتى صار منتجو الصور في الكثير من الأحيان بمثابة مصورين صحافيين تستعين بهم صحافة اليوم ليسدوا فراغا مفاجئا ملأته تلك التجارب الصورية التي تتراوح ما بين العفوية في الالتقاط وبين مستويات الاحتراف المختلفة.

18
مقالات ذات صلة