طوفان العنوسة يجتاح البلدان العربية

الخميس 2015/01/15
الإحصاءات والأرقام الصادرة عن العنوسة مزعجة ومؤرقة

لا تزال ظاهرة العنوسة تؤثر سلبيا في المجتمع المصري، ويأتي عزوف الشباب أو الفتيات عن الارتباط لأسباب كثيرة ومُتنوّعة، أبرزها ضيق ذات اليد والاختفاء التدريجي للتواصُل الاجتماعي بين الأسر بعضها ببعض، نظرا لنسق الحياة السريع والانشغال بالعمل، أضيفت لها وبشكل غير مسبوق الاختلافات السياسية، التي أحدثت تصدعات وشروخا شديدة في مُحيط الأسرة الواحدة.

منذ عشر سنوات، برزت مشروعات إنسانية في عدد من المناطق، بهدف مواجهة مُشكلة العنوسة، منها مشروعات بعض الداعيات في مناطق مُتعددة، نالت ثقة الشباب المقبلين على الزواج، لصدق نوايا أصحابها، وكانت تقوم هذه المشروعات على توزيع استمارات مجانية على الراغبين والراغبات في الزواج من النساء، والفتيات اللاتي يحضرن لقاءات هؤلاء الداعيات، والتي كانت تُقام عقب صلاة العشاء يوميا في بعض النوادي أو المساجد الشهيرة، حيث تقدّم استمارة تحمل رقما مُعيّنا تدوّن فيه الراغبة في الزواج بياناتها بدقة، مثل الاسم والطول والوزن والمؤهل الدراسي والسن، كما تُسجّل مواصفات الزوج الذي ترغب في الاقتران به، وبعد ذلك تقوم لجان مُتخصصة من النساء، بفرز وترتيب هذه الاستمارات وتفعيلها مجانا من خلال الاتصال بأصحابها، والبدء في تنفيذها بترتيب لقاءات بين الراغبين في الزواج، وبحضور ذويهم أحيانا وبسرية تامة.

ولكن هذه المشروعات توقفت، بعد أن اعترض عليها وزير الأوقاف الأسبق الدكتور حمدي زقزوق حينها، بدعوى أنه لم يقم أصحابها بالحصول على ترخيص لتنفيذها.

ويرى الشيخ علي عبدالمعطي من علماء الأزهر، أن مشروع الداعيات للترغيب والتوفيق والتعارُف في عمليات الزواج، كان هو النموذج الأنسب للذين يرغبون في الزواج بهذه الطريقة، والتي كانت تقوم على التيسير والترغيب في الزواج، وقال: إن أصحاب هذا المشروع لا يتقاضون عليه أجرا، فهم يطمعون في إصلاح الأحوال الاجتماعية، وفي تحصيل الأجر والثواب من عند الله تعالى، أما ما يُسمى بمكاتب الزواج التي أخذت على عاتقها القيام بهذا الدور، فتتقاضَى عن هذا الدور أجرا، ولا يهمها في الأمر سوى تحقيق الكسب المادي، ولا تعنيها المصلحة في شيء، وقد انطوت أعمالها على غش وتدليس كبيرين في الآونة الأخيرة.

زادت المكاتب التي افتتحت بتراخيص من وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية في مصر حتى الآن عن 180 مكتبا

ويضيف: هذه المشروعات الخيرية للتوفيق بين الراغبين في الزواج، كانت تحظى بمكانة رفيعة، وقد حقّقت نجاحا كبيرا، واجتذبت أعدادا هائلة من خريجات وخريجي الجامعات الأجنبية، الذين انخرطوا بعد ذلك في الحرص على الاستماع، وحضور الدروس الدينية التي كانت تلقيها الداعيات في المساجد والنوادي.

ولحل المشكلة أو للتربح المضمون، سارعت أعداد كبيرة من سماسرة الزواج، بطلب تراخيص افتتاح مكاتب للتعارُف وللتوفيق بين الراغبين في الزواج، حيث زادت أعداد المكاتب التي افتتحت بتراخيص من وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية لهذا الغرض في مصر حتى الآن عن 180 مكتبا، اعتمادا على الفتوى الشهيرة للدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق، بجواز قيام هذه المكاتب بدور الخاطبة والتوفيق بين الراغبين في الزواج.

وعن “بيزنس” الزواج، انتقد الشيخ عرفة السيد إمام وخطيب مسجد بمنطقة المعادي بالقاهرة هذا التوجه، مؤكدا أن هذه المشاريع تدر أرباحا مضمونة على أصحابها، وقال: إن ما تقوم به غالبية مكاتب الزواج المنتشرة في مصر الآن، ما هو إلا نصب واحتيال لتحقيق الكسب المادي فقط، بغض النظر عن نتائج اللقاءات التي تعقدها بين الراغبين في الزواج.

وأطلق الدكتور صفي الدين مهدي، الأستاذ بمعهد المصل واللقاح البيطري، مُبادرة لحل مُشكلة العنوسة في مصر، بإنشاء بنك يهدف إلى تقديم إعانة مالية مُباشرة للمقبلين على الزواج، شريطة أن يكون عقد القران قد تم بالفعل لضمان الجدية، ووفقا للمبادرة، فإن البنك يقوم بإقراض كل من الشاب والفتاة مبلغا قدره 60 ألف جنيه دون فائدة، بواقع 40 ألفا للشاب و20 ألفا للفتاة، ويتم تسديد نصف المبلغ فقط والباقي يتحمّله البنك، ويكون السداد بواقع 125 جنيها للزوجين شهريا، ولمدة 20 سنة أو 165 جنيها ولمدة 15 سنة.

المشروعات الخيرية للتوفيق بين الراغبين في الزواج، كانت تحظى بمكانة رفيعة، وقد حققت نجاحا كبيرا

وأكد مهدي أن بداية تفكيره في المشروع كانت منذ أواخر عام 2009، عندما استوقفه تقرير عن نسبة العنوسة المرعبة في مصر، نافيا أن تكون المبادرة نتيجة تجربة شخصية، وأكد أن مصر بعد الثورة يجب أن تكون مُختلفة، وأن يعمل الجميع على تقديم أفكار للنهوض بالمجتمع.

وقال: إن هذا القرض الحسن لن تقتصر آثاره على حل أزمة الزواج، وإنما سيُساهم في إنعاش الاقتصاد القومي، بعد حالة الرواج التي ستشهدها الأسواق، نتيجة ضخ كل هذه المبالغ لشراء مُستلزمات الزواج وخلافه، بالإضافة إلى إيجاد فرص عمل للشباب، عن طريق تأسيس مشروع حرفي أو تجاري أو خدمي صغير، من خلال ما يتبقَى من هذا القرض. ومن جانبه، قال الدكتور إبراهيم عيد أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس: إن طوفان العنوسة اجتاح البلدان العربية جميعا وبنسب مُتفاوتة، لافتاً إلى أن الإحصاءات والأرقام الصادرة عن العنوسة مُزعجة ومؤرقة، “ففي مصر تشير دراسة صادرة عن جهاز التعبئة والإحصاء – وهو جهاز حكومي – إلى وجود ما يزيد عن 6 ملايين من غير المتزوجين من الرجال، ونحو 4 ملايين عانس من النساء، وقد تخطوا جميعا سن الخامسة والثلاثين عاما دون زواج، وأن أكثر من أربعة ملايين فتاة في الجزائر، قد تجاوزن سن الأربعة والثلاثين عاما دون زواج”.

وأضاف: أن نسبة العنوسة في دول الخليج، مثل الكويت والبحرين والإمارات مُرتفعة، بسبب مُشكلة مُزمنة اسمها غلاء المهور، فإذا ما أضفنا فلسطين والسودان والصومال، وجدنا أن مُشكلة العنوسة تقريبا انتشرت في مُعظم الدول العربية.

21