طوفان القروض الدولية يرهن مستقبل الاقتصاد المصري

ارتفعت الأصوات المحذرة من عواقب فتح الحكومة المصرية أبواب الاقتراض بشكل غير مسبوق في الأشهر الأخيرة، خشية أن تؤدي إلى اختلال عميق في بنية الاقتصاد وتفاقم الأزمات الاقتصادية على المدى البعيد.
السبت 2016/10/22
الأزمة تمزق جيوب المصريين

القاهرة - انتقد خبراء مصريون سياسات الحكومة في تبديد أموال القروض والمنح الخارجية التي حصلت عليها مؤخرا، وقيامها بإنفاقها على الواردات الاستهلاكية بدل توجيهها للاستثمار في مشروعات تعزز النمو الاقتصادي.

ودفع ذلك الأمر إلى تدخل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتوجيه الوزراء، وتحديدا وزيرة التعاون الدولي سحر نصر، بوصفها المسؤولة عن تلك الاتفاقيات، بعدم الموافقة على أي قرض جديد، دون معرفة الجدوى الاقتصادية وطرق سداده.

وأظهرت بيانات وزارة المالية أن إجمالي القروض، التي حصلت عليها مصر خلال العام الماضي، بلغ نحو 20.29 مليار دولار.

ومعلوم أن أهمية الاقتراض تتوقف على كيفية استخدامه، فإما أن يتم في استثمارات تدر دخلا، وفي تلك الحالة لا توجد مشكلة في سداد أقساطه، وإما أن يجري إنفاقه على الاستهلاك، وهنا تكمن الكارثة.

ومنذ يناير 2011، حصلت مصر على منح وقروض من دول الخليج، تجاوزت 23 مليار دولار، خاصة من السعودية والإمارات والكويت، بالإضافة إلى قطر، والتي تم سداد كافة قروضها البالغة نحو 8 مليارات دولار.

عالية المهدي: صندوق النقد وضع شروطا لا بد أن تنفذها القاهرة للحصول على القرض

وقالت سحر نصر، وزيرة التعاون الدولي لـ”العرب”، إن “مصر استطاعت أن تجذب 15 مليار دولار من شركاء التنمية، خلال الفترة من سبتمبر 2015 حتى سبتمبر الماضي”.

وليس بخـاف أن التـوسع في الاقتراض يضع المقترض أمـام ضغوط الـذين أقرضـوه، خاصة إذا كان المقترض لا يضع سقفا محددا للاقتـراض. ومـع أن الاتفـاق الخاص مع شركة أرامكـو السعـوديـة، تجـاري بحت، إلا أنـه جاء بعد توجيه مـن العاهـل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعـزيز، خلال زيارته للقـاهرة في أبريـل المـاضي، لكـن توقـف شحناتها في أكتوبر الجـاري أثـار عـلامات استفهـام كثيـرة.

وخفتت أضواء المساعدات والاستثمارات التي أعلنت عنها الرياض، فيما حثت نصر صندوق الاستثمارات العامة السعودي على الإسراع في ضخ الاستثمارات التي تقدر بنحو 8 مليارات دولار للسوق المصرية.

وكان من المخطط أن يتم توجيه الاستثمارات في مجالات الطاقة والإسكان والسياحة، ووعد الصندوق حينها بالبدء فورا في دراسة وتقييم الفرص الاستثمارية، فور موافاته بدراسات الجدوى، والبيانات والمعلومات اللازمة عن الفرص الاستثمارية في هذه القطاعات.

وأكدت وزارة التعاون الدولي أن حجم المساعدات التنموية لمصر بلغ نحو 27.7 مليار دولار، من خلال 26 شريكا تنمويا من مختلف دول العالم.

وتلقت مصر تمويلات من عدد من الدول الأجنبية بخلاف دول الخليج العربي، منها بريطانيا واليابان والصين وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.

وحصلت على تمويل من بعض المؤسسات الدولية، منها البنك الأفريقي للتنمية، لدعم برنامج الحكومة الاقتصادي والتنموي، بقيمة 1.5 مليار دولار، إضافة إلى تمويلات أخرى من البنك الدولي، لدعم برنامج الصرف الصحي المتكامل بقيمة 550 مليون دولار. وتبلغ محفظة مصر في البنك حاليا نحو 8 مليارات دولار على مدار أربع سنوات.

وأمام هذا السيل من القروض، لم يكن أمام القاهرة من حل إلا تنويع مصادر الاقتراض بشكل أكثر مرونة، والحصول على شهادة من مؤسسة دولية، كبوابة للعبور إلى المزيد من الاقتراض وجذب استثمارات، علّها تساهم في حفز الاقتصاد المتباطئ.

سحر نصر: مصر استطاعت أن تجمع 15 مليار دولار من شركائها منذ سبتمبر 2015

ودخلت القاهرة في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على 12 مليار دولار، وبعد موافقته المشروطة لتمويل برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري ظهرت عراقيل بسبب إصرار الصندوق على تطبيق شروط ترى فيها الحكومة أنها قد تؤدي إلى مردودات سلبية.

وجاءت تصريحات كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، خلال اجتماعات الخريف للصندوق صادمة، فالقاهرة مطلوب منها تعويم سعر صرف الجنيه، وليس الاكتفاء بتحريكه أو تخفيضه، وتقليل الدعم على الوقود.

ويستهدف البرنامج تخفيض عجز الموازنة العامة، الذي يتزايد بشكل مقلق، وتخفيض الدين العام، بعد أن بلغت أعباء خدمته نحو 32 بالمئة من حجم الموازنة، المقدرة بـ110 مليارات دولار.

وربط الصندوق موافقته على تمويل برنامج الإصلاح، بضرورة سعي القاهرة للحصول على حزمة تمويل بقيمة 6 مليارات دولار، لإصلاح الخلل الهيكلي في مواردها المالية.

وقالت عالية المهدي، المدير التنفيذي لمركز استطلاع مصر، لـ”العرب” إن “صندوق النقد وضع شروطا لا بد أن تنفذها القاهرة للحصول على القرض”، موضحة أن عددا كبيرا من الدول لم تحصل على القروض من الصندوق بالكامل، بسبب سياسته الصارمة.

ووصلت فاتورة الاستيراد إلى نحو 38 مليار دولار، العام الماضي، منها 6.7 مليار دولار للغذاء والمحاصيل الزراعية. ومع شلل بعض مفاصل الاقتصاد، ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وسجلت 16.4 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ ثماني سنوات.

كما أغلقت الكثير من المصانع أبوابها أمام العمالة بعد أن باتت تعمل بطاقة إنتاجية انخفضت إلى 30 بالمئة في عدد من المدن الصناعية، ما زاد من العبء الاجتماعي لمشكلة البطالة، التي ارتفعت أيضاً إلى مستويات تقترب من 13 بالمئة.

وأرجأت القاهرة طرح سنداتها الدولارية في الأسواق العالمية، والتي تتراوح بين 2.5 مليار دولار وثلاثة مليارات، لحين موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد على قرض المساندة الذي طلبته.

10