طوكيو سيّئة الحظ

قد لا يستقيم الحديث عن هذه المدينة سيئة الحظ مع الألعاب الأولمبية دون الإشارة إلى رمزية هذه الدورة التي من المنتظر أن تُقام السنة المقبلة.
الأحد 2020/04/05
دورة شعارها استعادة الحياة

منذ أمد بعيد وتحديدا قبل ثمانين سنة من الآن، كانت اليابان تتأهب لتنظيم دورة الألعاب الأولمبية سنة 1940، كان الشعب الياباني سعيدا للغاية وهو ينتظر احتضان حدث كوني من شأنه أن يوجه الأضواء نحو بلاده ويؤكد التطور الذي عرفته اليابان في تلك الفترة.

لكن كل شيء تغيّر بسرعة، فتحول الحلم إلى مجرد أوهام. لقد تغيرت المعطيات العالمية وتبدّلت النظرة تجاه اليابان. وبعد أن كان هذا البلد يستعد لتنظيم الموعد الأولمبي بات قبلة لاتهامات من قبل المجتمع العالمي عشية الحرب العالمية الثانية.

وكان القرار التاريخي بسحب تنظيم الأولمبياد من طوكيو ردا على “تهور” السلطات اليابانية التي غزت جارتها الصين في تلك الحقبة “طمعا” في تحقيق أهدافها التوسعية.

طبعا انخرطت اليابان في تلك الحرب العالمية الدامية، كانت ضمن المحاور الهامة في تلك المعارك التي شملت أغلب أصقاع العالم، خرجت اليابان عن “الطوع” وتحولت إلى “عدو مبين”.

 وتحولت أراضيها التي كانت تستعد لاحتضان الحدث الأولمبي بكل ما فيه من أهداف وغايات إنسانية سامية، إلى ساحة وغى وحرب ضروس لم تنهها سوى “ضربتين” نوويتين.

انتهى الحلم الأولمبي إلى الأبد، وألغيت دورة سنة 1940، والأكثر من ذلك أن اليابان تعرضت بعد ذلك إلى عقوبة رياضية حيث تم حرمانها من المشاركة في دورة 1948 التي استضافتها العاصمة الإنجليزية لندن.

مرت السنوات متسارعة بعد ذلك، وعادت اليابان مجددا للانضمام إلى المجتمع الدولي، صبرت وكافحت ولم ينته حلمها الأولمبي، فنالت شرف تنظيم دورة 1964، لتكفّر بذلك عن “ذنبها” تجاه العالم، وتقدم نسخة مثالية حفظها التاريخ الأولمبي.

بيد أن الحلم الياباني بخصوص تنظيم الألعاب الأولمبية لم يتوقف، لتظفر طوكيو بشرف تنظيم هذا الحدث الكوني في نسخة 2020، لتكون بذلك من المدن القليلة للغاية التي تحظى بهذا الشرف مرتين على الأقل.

انطلقت منذ سنوات الاستعدادات حثيثة لتنظيم هذه الدورة، ووعدت لجنة التنظيم الياباني بأن تكون هذه النسخة الأفضل على مرّ التاريخ.

قبل أن يتغير الوضع فجأة ودون سابق إنذار، تبدلت كل المعطيات بعد أن أطل هذا “الوباء الخطير برأسه”، ليصيب كل شيء بالشلل على امتداد الأرض. لقد أصاب الوباء المستجد أغلب مفاصل الحياة في العالم، وحكم على النشاط الرياضي بالجمود والتوقف حتى وإن تعلق الأمر بحدث كوني بارز مثل الألعاب الأولمبية.

Thumbnail

اليوم حُسم الأمر، اليوم وقع اتخاذ قرار تاريخي لم يسبق أن تم اتخاذه على امتداد مسيرة دورات الألعاب الأولمبية، لقد وقع التأجيل أو لنقل ترحيل أولمبياد 2020 إلى سنة 2021.

هي صورة أعادت إلى أذهان المتابعين ما حصل منذ 80 سنة، رغم وجود فوارق في التفاصيل، ففي دورة 1940 تم سحب التنظيم من طوكيو ليسند إلى مدينة أخرى قبل أن يتقرر الإلغاء نهائيا، وفي دورة هذا العام جاء قرار التأجيل لعام كامل.

لقد بدت طوكيو سيئة الحظ. ففي المحطات الاستثنائية في تاريخ الألعاب الأولمبية المعاصرة، تكون هذه المدينة شاهدة على العصر. هذه المدينة التي استنفدت كل طاقاتها وجنّدت الآلاف من أجل إنجاح هذه الدورة، ستضطر إلى مسايرة الأحداث ومواكبة إملاءات هذا “الخطر الداهم”.

صحيح أن اللجنة المنظمة لدورة طوكيو رضخت للأمر الواقع واتفقت مع اللجنة الدولية الأولمبية على قرار التأجيل. وصحيح أن تبعات هذا التأجيل ستكون كبيرة للغاية خاصة من الناحية المالية بما أن إعادة برمجة موعد الدورة قد تكلف خسائر اقتصادية كبيرة للغاية، إلا أن ما يحصل الآن على المستوى الصحي عالميّا أقوى من كل التزام واتفاق ومواعيد.

هنا يمكن أن تكون الدورة الأولمبية المؤجلة حدثا كونيا قد يتخذ طابعا أكثر أهمية من كل الدورات السابقة، هنا يمكن القول إن دورة طوكيو بمسماها القديم، أي دورة 2020، ستكون أكثر شمولية وحساسية على المستوى العالمي؟ ربما يمكن القول أيضا إن التداخل بين سنتين بدا وكأنه تجاوز لما يحصل حاليا بسبب الوباء، لاح وكأنه تخطيط غير مقصود لتجاوز سنة استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى وضمّها لسنة 2021.

فالمعنى الأصلي من الإبقاء على تسميتها بأولمبياد 2020 هو أبلغ رد على عدم إلغاء التاريخ حتى وإن وقع تجميده أو إيقافه برهة من الزمن.

قد لا يستقيم الحديث عن هذه المدينة سيئة الحظ مع الألعاب الأولمبية دون الإشارة إلى رمزية هذه الدورة التي من المنتظر أن تُقام السنة المقبلة.

ستكون بلا شك دورة شعارها استعادة الحياة والنشاط، دورة التغلب على الوباء، دورة تجميع أكبر ما يمكن من الرياضيين من شتى أصقاع العالم.

23