طيب تيزيني يواجه أسئلة اللحظة العربية العاصفة

الأحد 2015/08/09
طيب تيزيني والسؤال حول اللحظة العربية المناسبة للتغيير

بيروت ـ طيب تيزيني اسم بارز لمفكر عرفت الثقافة العربية إسهاماته الفلسفية والفكرية لا سيما خلال الربع الأخير من القرن العشرين حيث تحول إلى اسم لافت من خلال كتبه ومحاضراته وطروحاته الفكرية انطلاقا من دمشق، ولكن ليس انتهاء بالقاهرة ولا بالدار البيضاء.

من مواليد مدينة حمص عام 1934 حاصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 والدكتوراه في العلوم الفلسفية عام 1973 من ألمانيا، تم اختياره عام 1998 من قبل مؤسسة concordia الألمانية –الفرنسية واحداً من مئة فيلسوف عالمي في القرن العشرين، تتالت مؤلفات تيزيني منذ السبعينات حتى الآن، متناولا فيها النهضة العربية والتاريخ العربي وقضايا التراث والقضايا الإسلامية وعلاقتها بالتاريخ.

عام 2011 شارك تيزيني في المظاهرات السلمية في دمشق أمام وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي. ولكن بعد انشقاقات الجيش رفضا لأوامر القيادة السياسية بقتل المتظاهرين السلميين، وظهور السلاح المدافع عن المظاهرات السلمية تراجع نشاطه على الأرض وتفرغ للكتابة، فماذا يكون في وسع الفيلسوف في لحظة الدم؟ هكذا تساءل تيزيني بينما هو يدخل في شرنقة المفكر بعيدا عن حريق الواقع. مجلة “الجديد” التقت الطيب تيزيني في حوار طويل وحديث عن التغيرات التي تمر بها المنطقة وسوريا خصوصا.

اللقاء مع طيب تيزيني جرى الاتفاق بشأنه معه في بيروت حيث التقيناه خلال زيارة عابرة في رحلة إلى أوروبا لحضور مؤتمر في الخارج.

تيزيني الذي يرفض مغادرة مدينته حمص بدا لي وهو يمشي في شارع الحمراء ببيروت حزيناً، كان ينظر حوله، بعينين يسابقهما الدمع لمرأى السوريين من المهجّرين على الأرصفة ثم يشرق وجهه حين يراه أحد ممّن يعرفونه، يهرول الشاب السوري نحو تيزيني ويغرقه بالسلام، ليعود المفكّر بعدها إلى حديث أشد حزنا عن الشتات السوري. محاورة تيزيني في هذا الوقت العصيب على السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين واليمنيين واللليبيين، والمصريين، بل وكل العرب تبدو مهمة صعبة. إذ نرى مفكراً لامعا بحجمه يبكي خلال حديثه، دموعه كانت تتسلل بين الكلمات، حزناً على ما آلت إليه سوريا والقتل الذي تشهده، في محيط عربي عاصف، كل هذا يجعل عاطفته تفيض.

يتحدث عن نساء سوريا اللاتي استبحن في بلدان العالم، مع ذلك نراه متفائلا، “السوريون انتشروا في كل بلاد العالم، هذا سيجعلنا شعباً أقوى، شعباً يعرف الكثير”، حين يرى الشبان السوريين يحزن أكثر، يطلب منهم أن يعودوا، ألاّ يتركوا الأرض، وقد انهار الكيان. لسان حاله يقول “ارجعوا إلى سوريا هي بحاجة إليكم”.

وعندما يطرق اسم حمص أسماعه تترقرق الدموع في عينيه. جارح حديث تيزيني عن مدينته حمص وعن المقهورين فيها من الشعب البسيط الذين فقدوا أحبتهم، تيزيني لم يغادر سوريا رغم الضغوط الذي تعرض لها من النظام، باقٍ في حمص يعيش مع أهلها ويتابع مشروعه البحثي ليل نهار.

◄ الجديد: ركّزت في أبحاثك ومؤلفاتك د. طيب على مفهوم النهضة العربيّة وعواملها، وناقشت مفهوم اللحظة المناسبة، هل ترى أن ما شهدته المنطقة العربية خلال السنوات الخمس الماضية هو اللحظة المناسبة؟ وهل هي نهضة؟ إذ أن ما حصل لم يحقق قطيعة مع الماضي من جهة، كما لم تتعاون كل أطياف المجتمع وطبقاته في سبيل تحقيقها؟ وهل يمكن واقعيا اختيار لحظة مناسبة للبدء بالتغيير؟

* تيزيني: في الأحداث التاريخية، خصوصاً منها تلك التي قد تمثل منعطفات في التاريخ البشري، يمكن أن نضع يدنا على لحظات تظهر لنا فاعلة وحاسمة في ذلك التاريخ ضمن حقل من حقوله أو محور من محاوره، وهذا يظهر لنا، بحسب الرؤية المنهجية التي نمتلكها ونتمرس بها، أي التي نرى أنها تحقق شرائط البحث العلمي السوسيو-تاريخي.

المطالبة بإسقاط النظام ظهرت في المظاهرات الشبابية، بعد أن انتقل النظام السوري إلى استخدام السلاح الناري، الذي ظهر خصوصا في مجزرة \'ساحة الساعة\' في حمص

ومن شأن ذلك كله أن يمكننا من الإحاطة بالمسألة موضوع البحث في ثلاثة من أوجهه، بنيته البسيطة أو المركبة، وسياقه التاريخي المفتوح في سابقه ولاحقه، ووظائفه المنكشفة والخبيئة إضافة إلى ما يجعل من تلك الأوجه ركيزة أو ركائز من الغايات والأهداف والمعضلات وغيرها.

في ذلك كله وفي غيره من لواحق البحث، تتكون عناصر القراءة المستخدمة فيه، أو المطموح إلى اكتشافها وضبطها بصيغة اصطلاحية تسهم في اكتشاف (اللحظة المناسبة)، التي من المفترض أن تكون نقطة محورية في التساؤل والتفكيك والتركيب والاستكشاف وقد يقترن بذلك جهد آخر مفتوح، ويتمثل بمقارنات مع حالات أخرى سابقة وراهنة ومستقبلية وربما تضيء المشهد البحثي بكليّته، ووفق هذا المسار نستطيع التعرف على موضوع البحث في بنيته وسياقه وما يتصل بذلك كله.

إن تلك الثلاثية وما يتصل بها هي التي تكون موضوع البحث المعني والمجال الذي ينطوي على لحظة أو أخرى قد تجسد لحظة التخطي والانتقال إلى ما يشير إلى مرحلة جديدة، وهذه المرحلة الجديدة إذ تطرح نفسها على بساط البحث فإن حاملاً اجتماعياً جديداً بقدر أو بآخر قد أعلن عن نفسه وعن رسالته التي على المتلقي أن يكتشفها ويحفزّها على الإيضاح عن نفسها.

لا شك أن ما انطلق من تونس وسوريا منذ أكثر من أربعة أعوام، ظهر بمثابة (لحظة ما مناسبة) من تحولٍ ما لبثت رموزه وشعاراته وحيثياته تفصح عن نفسها، وتعلن أنها مُستقدمة من مستقبل ما، فالعمل والكرامة كلاهما ظهرا تعبيراً مأساوياً عن أن الإنسان المجرد من الكرامة والعمل إنما هو شمعة في حال النوسان والذبول، لكن في نمط من النوسان الذي يؤدي رسالة.

كان التراكم في مظاهر الاحتجاج على غياب الكرامة والعمل يقابله تعاظم في تراكم المزبلة، الذي ما اكتشفناه تحت مصطلح “قانون الاستبداد الرباعي” في المجتمعات العربيّة، أي الاستئثار بالسلطة والثروة وبالإعلام وبالمرجعية المجتمعية المتمثلة في أن الحزب الوحيد الحاكم يقود –مع قائده- الدولة والمجتمع، من هذا جاءت عملية التمرد على الواقع المعيشي أقل من أن تُحدث قطيعة مع الماضي المدجج بالمذلة والمهانة والإفقار والاغتراب، وأضعف من أن تواجه الحاضر بترسانته ذات الجذر المتمكن في قانون الاستبداد الرباعي ذاك.

أمّا ما مثله الوضع التونسي من انفلات نسبي من أحابيل الرباعية المذكورة، فهو استثناء نسبي صبّ في خدمة معارضة وضعت يدها على ما يسوّغه، وكذلك على ما يجعله محاصراً في الداخل والخارج، خصوصاً إذا غابت أعين الداخل التونسي عن الحذر الهائل تجاه ما قد يندلع هنا أو هناك من مخاطر ومطبات.

الإنسان الوحش.. العودة إلى ما قبل التاريخ

حقاً، جاء الحدث العربي الراهن دونما إنذارٍ مباشرٍ غالباً، أما الإنذارات غير المباشرة فقد تتالت، خصوصاً منذ دخول الولايات المتحدة إلى بغداد عام 2003، أو قد نأخذ سوريا نموذجاً لما جاء في السؤال الأول عن غياب التعاون بين مكونات المجتمع السوري في مواجهة الأحداث، التي بدأت في الشهر الثالث من عام 2011، ذلك أن النظام السلطوي في سوريا حقق حضوراً كثيفاً على أرض الواقع، ووضوحاً بارزاً على صعيد الإفصاح عن نفسه، فقد أوصل هذا النظام (الدولة الأمنية)، ربما إلى غاياتها الأكثر وضوحاً عملياً ونظرياً، حيث تحولت عملية الفساد والإفساد إلى أخطبوط شمل الجميع، إلا من رحمه ربه.

في تلك الحال، تفككت الطبقة أو الفئات الوسطى وتشظّت تحت قبضة قانون تلك الدول الأمنية المُطالب بوجوب أن يُفسد من لم يَفسد بعد، حيث يصبح الجميع ملوثين ومدانين تحت الطلب، وفي مرحلة مبكرة من نشوء هذه الدولة أطلقت مجلة دير شبيغل، الألمانية عليها اسم دولة “الملفات الأمنية”، يضاف إلى ذلك ما ظهر في المجتمع السوري من غياب بارز للطبقة البرجوازية العليا، التي فُتِتت وتحللت في مجموعات من المافيات المالية من طرف، وأُسقطت أخرى منها في منتصف المجتمع كما في قائمة من طرف آخر، فكان ذلك بمثابة ابتلاع لما كان يدعى (البرجوازية الوطنية).

من طرف آخر، كان ذلك كفيلاً بتفكيك طبقات المجتمع وفئاته الأخرى على نحو منسق ومُتدرج، حيث أفضى ذلك إلى إغلاق المجتمع على ذاته ومن ثمة غياب النوافذ الكبيرة والصغيرة القادرة على التنفيس، ولو بحدود أوّلية، وهنا جاء الانفجار السلمي، الذي ظل هكذا ستة أشهر، دونما محاولة لقراءة ما يحدث من قبل المرجعية المعنية، وبذلك، دلل الأمر على غياب أو تغييب الحكمة والعقلانية والسياسة، مع ممكنها أو ممكناتها: لقد أصبح الوضع الواقعي أقوى من كل الجهود على قلتها، والتي بُذلت تفادياً للكارثة، وأصبحت الكلمة للسلاح وأًصحابه، لا السياسيين المتمرسين.

تتضح الآن خمس نتائج محورية:

غابت الكتلة التاريخية التي كانت ملاحقة ومدانة على ضعفها ومحدوديتها.

ثم كانت في البدء انتفاضة حُرمت من السياسة والفكر السياسي الليبرالي. ومن ثمة، كان الحامل الاجتماعي مبعثراً ومنهكاً وعاجزاً أمام حضرة فئة اليافعين والشباب ومن فلول من الآخر.

ضبابية مطلب القطيعة مع الماضي وعدم راهنيته في البدء.

ضخامة مواجهة النظام للمنتفضين بعد الإسراع بعقد تحالفات مع دول منها إيران.

أصبح التغيير محاصراً بحالتين: العنف غير المسوق وتسويق الانتفاضة المشروعة بوصفها مؤامرة كونية، ما أدّى إلى تدخل عسكري من قبل إيران وصنيعتها حزب الله وروسيا وآخرين.

وقد أطاح ذلك بما تكوّن على أيدي مثقفين وقلة من السياسيين ظهروا في السنوات المنصرمة، من فلول اليسار الشيوعي والبعثي وفلول التنظيمات القوميّة العربيّة، أما التيارات والتنظيمات الإسلامية بمختلف مستوياتها ودرجاتها في القوة والضعف، فقد كان عليها أن تعيش أزمات في مواقفها الإسلامية المعتدلة والمتشددة وما أتى بعد ذلك من ظاهرات دينية في غاية التشدد والوحشية وفي مقدمتها داعش.

لقد تعقد الموقف هنا، واستثمرت دول بعينها ذلك كله، وجعلت المسألة السورية ورقة مساومة على الكرامة السورية في حالات غير قليلة، وفي هذا كله برزت لحظات حاسمة متعددة، أخفقت جميعها في أن تكون حافزاً على إيجاد مثل تلك “اللحظة الحاسمة”.

وقد تركت مواقعها لمزيد من التعقيدات، خصوصاً بعد أن أصبحت المسألة المذكورة مدوّلة وقاسماً مشتركاً بين الفرقاء المتعددين، حيث راح كل منهم يبحث عن مصالحه بعناد، وظل الحدث السوري كرة تتقاذفها الأطراف المتعددة باستثناء معظم القوى السورية في الداخل.

تيزيني: غابت الكتلة التاريخية التي كانت ملاحقة ومدانة على ضعفها ومحدوديتها

الخطاب الغائب

◄ الجديد: الثورات/التغييرات التي تحدث الآن كانت في بدايتها وما زلت قائمة (نسبيا) على رؤى الشباب وتطلعاتهم، لكن من عمل على التنظير لها وتحقيق خطابها ينتمي إلى جيل مغاير لجيل الآن، ألا يعتبر هذا نوعا من ممارسة السلطة على الحراك الذي لم ينتج خطابه (الشاب) الخاص حتى الآن، بل ويورطه بصورة ما في إعادة إنتاج الأفكار التي تنتمي لأجيال سابقة دون أن يكون قد خاضها ممارسةً وتفكيرا؟

* تيزيني: كنا في ما قدمناه في الإجابة عن السؤال الأول قد نوّهنا بأن الحامل المجتمعي في الكيان السوري، قد أصابته اختراقات كبيرة وذات مفاعيل عميقة في البنية وشبه شاملة في الكيان السوري، وبيّنا أن ذلك أتى تحت تأثير “الدولة الأمنية” ذات الشعار الكاسح: يجب أن يُفسد ما لم يفسد بعد، حيث يصبح الجميع ملوثين ومدانين تحت الطلب، وينبغي الآن أن نضيف بأن مفعولها انبسط على كل الخريطة السورية أولاً، وأتى في العمق عبر زمن مديد طويل، يستمر منذ عام 1963، وهو العام الذي تأسس فيه قانون الطوارئ، أما ثانياً فقد امتد لمدة أطول من نصف قرن إذ تخربطت الخريطة الطبقية، وظهرت إلى السطح حالات جديدة مع كامل هذه الخريطة، وكان من نتائج ذلك كما أشرنا، تفكك القوى المجتمعية، عبر إضعاف كل عناصرها ومكوّناتها، فمات من مات من اليسار واليمين والوسط، مع بقاء هياكله الرثة، وظلت التوجهات والحركات الإسلامية تبحث عن أماكن لها، وقد توازى ذلك مع تصاعد الفساد والإفساد والإفقار، مع مظاهر أولية من البحث عن حلول خارج الخريطة السورية الوطنية، كالطائفية والتقسيمية على أساس المذهب الديني والأصول الإثنية والعرقية والقومية وغيرها.

وظهرت جموع اليافعين والشباب من الجنسين لتفصح عن طاقات نفسية شبابية وأخرى ثقافية بألوان شبه سياسية رغم أن هذه الجموع تخرجت من منظمات أنتجها النظام الأمني مثل الشبيبة والنقابات المختلفة.

كان لا بد لهذه الوضعية المجتمعية الجديدة أن تفرض وجودها على الجميع، وبمزيد من التدقيق يمكن القول إن الأفكار التي قادت إلى الحراك السوري في بداياته، جسّدت تغلّب ما كانت تحمله أجيال من الأفكار الإصلاحية والثورية والقومة العربية والوطنية السورية. مع ملاحظة أن القليل من ممثلي الأفكار الثورية الماركسية والأخرى القومية العربية كان ذا حضور في الخطاب الشبابي الذي طرحته جموع كبيرة من الشباب تحديداً، وربما اختلط الخطاب الإصلاحي بمجموعة من الشعارات الثورية، التي تحولت لاحقاً إلى مطالبة بإسقاط النظام، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المطالبة ظهرت في المظاهرات الشبابية، بعد أن انتقل النظام السوري إلى استخدام السلاح الناري، الذي ظهر خصوصا في مجزرة “ساحة الساعة” في حمص.

من هنا لا نرى أن ما طرحه خطاب الشباب في البدايات انتمى إلى منظمة الخطاب المسيّس، الذي أطلقته أجيال أخرى سابقة تنتمي إلى الماركسية الطبقية والقومية العربية والثالثة الناصرية والوطنية السورية غداة الاستقلال السوري عن فرنسا المستعمرة. نعم، لم يكن الخطاب الشبابي في البدء ناضجاً، بالاعتبار الإصلاحي الوطني، ولكنه كان حذراً وأحياناً قلقاً، وهو الآن يحقق نمواً مترافقاً مع الانتصارات والانكسارات.

لقد كانت تجربة أولية بعد استئصال الخطاب السياسي في سوريا منذ بواكير الوحدة السورية المصرية، وبموافقة عبدالناصر، لقد كلف ذلك الكثير، ويكلف الآن أكثر مع اختيار أصحاب الثراء والمصالح الكبرى السير في طريق العنف، لأن هذا الطريق يحفظ لهم ما راكموه من ثروات طوال ثلاثة أو أربعة من العقود، وأخفقت اللقاءات والمشاريع لتحقيق ما يقترب من الحل السياسي والسلمي، وظهر أن لبعض أطراف المساحة الدولية مصالح ورغبات لا تنمو برأيهم إلا عن طريق الحروب والأزمات والخصومات القاتلة.

وثمة ملاحظة تتمثل في أن ما يقال عن تورط الخطاب الشبابي الراهن في إعادة إنتاج أفكار الأجيال السابقة بدلاً من إنتاج خطاب شبابي معاصر، أمر قد لا يصح إلا جزئياً، فثمة حراك جديد يتبين في عمق الأحداث السورية، ليبعُد عما يمكن أن ننظر إليه بمثابته جهوداً غير متسقة تماماً، ولكن جدية باتجاه إنتاج خطاب شبابي جديد، يظلّ مع ذلك متواطئاً مع الخطاب السابق عليه.

وفي سبيل ضبط هذه العملية الواردة تاريخياً، يصح القول إن الأسباب التي أطاحت بنشأة الخطاب الشبابي منذ سنوات قد تصل إلى العشر كانت معقدة ومحشوّة بمنتجات “الدولة الأمنية” في وظائفها الكابحة والمفككة لوحدة سوريا القائمة على نحو ثماني عشرة طائفة.

الدين والثورة

◄ الجديد: شهدت التغيرات في المنطقة إعادة إنتاج وتكريس لنموذج العنف والقراءة الأصولية للنص الديني المتمثلة بـ(دولة الإسلام)، فالقراءة الأصوليّة للنص هي التي طغت، وكأنها الأكثر تماسكا، إلا أن هذا الخطاب لم يكن مشابها للشكل المعروف سابقا المتمثل في القاعدة التي كانت تسعى لمواجهة الخارج الغربي، بل كان هدفه الإطاحة بـ(القوى العلمانية والطواغيت الداخلية) كيف تفسر هذا التغير في أهداف القوى الأصوليّة؟ وهل ما زال بالإمكان الاعتماد على الحامل الديني الإسلامي في التغيير على اعتبار أن المنطقة يغلب عليها الطابع الإسلامي ثقافة وتقاليد؟ وهل يمكن إيجاد قراءة للنص الديني قادرة على مواكبة الظروف التاريخية والاجتماعية (الآن وهنا)؟

* تيزيني: يلاحظ أن المسألة السورية الآن تقف أمام الجميع من الداخل والخارج، باحثة عن حلّ ديمقراطي جدير بالسوريين، لكن هذه العملية تواجه صعوبات هائلة، مع اتساع التدخلات الخارجية فيها، سواء تحدرت من روسيا وأميركا أو حزب الله وإيران.. الخ. وبدلاً من أن يمارس ذلك دوراً تحضيرياً وإيجابياً مثمراً، تحول إلى كوابح في وجه المسألة إياها. أما أخطر هذه الكوابح فربما يتجسد في تحويل تلك الأخيرة إلى جيوب من مصالح الدول المتصارعة، وإلى حوافز لإشعال النار حيثما كان.

تخطيط: ساي سرحان

وربما كان هذا من العناصر الهامة في تركيب المجتمع السوري، فالتوازن والتواطن المرتكز على تاريخ سوريا عريق، بالإضافة إلى الإرث الحضاري متعدد الأطياف وجغرافية طبيعية وجيوسياسية ذات أهمية بالغة.

في ذلك الوضع المعقد والمفعم بالمخاطر والمفاجآت، جاءت الانتفاضة السورية، لتمر في مرحلة يُتم، وأخرى قائمة على الاضطراب والتشويش، وثالثة، هي المعيشة الآن والمحفوفة بمخاطر التقسيم والطائفية. ورابعة تجسدها التدخلات الأجنبية في سوريا واليمن وليبيا، وخامسة وهي ليست الأخيرة تمثلت في تباطؤ الإسلاميين -إلا القليلين منهم- من أجل الوصول إلي قراءة عصرية متصاعدة ونابتة في قلب (العالم المعيش) ومن ثمة في رفض معظم رؤية العلمانية في جذرها اللغوي والمعجمي، وإصرارهم على رؤيتها مستمدة من “العلم”، مما أوقعها في فخ القصور الأيديولوجي، وأدخلها في سجالات باهتة عقيمة مع مختلف الاتجاهات الأيديولوجية والنظرية في سوريا والعالمين العربي والإسلامي.

وبسبب ذلك وغيره، طرأ تحول على الخطاب الإسلامي في سوريا، فالعمليات القاسية التي واجهت الإسلاميين في الداخل حولت النظر باتجاه الداخل السوري، بعد أن كانت المقاربة الإسلامية تقوم على ثنائية الغرب (في الخارج) والمجتمعات الإسلامية العربية (في الداخل)، وقد توغّل العنف الداخلي من قبل النظام ليس باتجاه الإسلاميين فحسب، بل تخطى ذلك إلى مواجهة الداخل السوري بطريقة عزّزت مفهوم (الحُطام العربي)، هذا الحطام الذي يتحول شيئاً فشيئاً إلى هدف أقصى، لقد تعاظمت هذه الحال، بعد أن أصبح الغرب طرفاً مباشراً من أطراف الصراع، للاستقواء به أو لمواجهته، ليس لداع أيديولوجي بالدرجة الأولى بل سياسي وعسكري كذلك.

أما إمكانية إنتاج قراء للنص الديني الإسلامي تكون قادرة على مواكبة الظروف التاريخية والاجتماعية في العالم العربي، فهذا أمر ممكن ومحتمل، وقد طُرحت هذه المسألة في أوقات مبكرة من القرن التاسع عشر وحتى قبل هزيمة 1967، فكان النتاج احتمالات إيجابية، لكن دون إنجاز ثمار بصيغة مشروع أو مشاريع ظلت ناقصة، لأن منتجيها ولّوا، دون احتضانهم من قبل حاضنة مجتمعية شاملة تنجز انتصارات على أرض الواقع، يأتي ذلك بسبب هيمنة الآخر (السلطوي) على نتائج ما تحقق إيجاباً وسلباً منذ عام 1948 وعام 1958، وفشل الوحدة المصرية السورية ثم مع هزيمة 1976، وبعدها مع سقوط بغداد واستشراء الدول الأمنية في معظم العالم العربي حتى الآن.

إن الأصولية ما زالت بارزة حتى الآن، ولكن بعد إعادة تشذيبها على نحو يظل خارج الأعماق، وخصوصاً في المراحل الأولى من الحراك المذكور، وربما نضيف إلى هذا أن المرحلة الأولى من ذلك الأخير (الحراك)، قد تخطّت زمنياً ستة أشهر قضتها في رفع شعارات سلمية تطالب بتحقيق حد من حدود الإصلاحية السياسية والاقتصادية والتعليمية خصوصاً.

لقد غابت الحكمة الاجتماعية وتصدعت السياسة بصفتها فن الممكن، ليظهر الموقف عارياً دونما رتوش، هاهنا، لاحظنا انتقالاً في الخطاب الشبابي من مرجعية أو مرجعيات أجيال سابقة إلى (ضبط النظر) في الواقع المجتمعي والسياسي والنظري، إلى حد من الحدود (مثلاً الدعوة إلى مجتمع مدني ديمقراطي ورفض حل تقسيمي أو طائفي أو آخر يقوم على الثأريّة).

لم يكن الخطاب الشبابي في البدء ناضجا، بالاعتبار الإصلاحي الوطني، ولكنه كان حذرا وأحيانا قلقا، وهو الآن يحقق نموا مترافقا مع الانتصارات والانكسارات

المجتمع المدني

◄ الجديد: التدخلات الخارجية التي شهدتها المنطقة العربية حتى الآن، خصوصاً في ظل الحروب والنزاعات العربية العربية، وسيطرة الأنظمة القمعية زعزعت مفاهيم العروبة وأكدت حضور الخطاب الإسلامي المتشدد، هل ترى أن من الممكن أن تعود ثقة (العربي) بمفهوم دولة القانون والمواطنة في ظل فشل الأشكال الحاليّة؟ وهل يمكن تجاوز الانتماءات العشائرية المذهبية علماً أنها توفر الوضعية الأكثر أماناً للفرد في ظل الخذلان الذي يشهده سواء من قبل الأنظمة السابقة والحاليّة أو الأشكال الخارجية للمعارضة؟

* تيزيني: نعم، وفي ظل توغل الأنظمة القمعية والأمنية في العالم العربي، اتسعت رقعة الحطام في العالم المذكور، فمصر وسوريا والعراق ثم في ليبيا وتونس واليمن وغيرها، بدأت في التصدع والتآكل ضمن خط تصاعدي من الانهيارات الشاملة، وكان ذلك بمثابة الإفصاح عن الأيديولوجيا الماضوية التعزوية (الإسلامية والعروبية خصوصاً)، لتقدم نفسها بديلاً عن الخراب، عودوا إلى الإسلام النقي وإلى العروبة الصافية، إذ لا تصلح حال إلا بما يصلح جذرها وأصلها! ولم يكن أكثر من ذلك محتملاً مُحاطاً على هذا النحو بالسياقات التاريخية والبنيوية والوظيفية للأحداث التاريخية الكبرى والصغرى، وقد دلل ذلك على أن الحدث ومنهج النظر فيه، أُخرجا من التاريخ، ليتحولا إلى رقمين لا مجال لاستمرارهما. بل ينبغي القول إن منهج البحث (وهو ذو نسق ماضوي هاهنا) أطاح بالحدث، حين لفّ عليه وأخرجه من زمانه ودلالاته ومكانه، بذلك فإن ما كان محتملاً وممكناً من تناول الموضوعين الكبيرين، العروبة والإسلام، بصيغة أو صيغ جدلية (تاريخية مثلاً) غاب عن الأنظار، بالرغم من أن الثقافة الماركسية والأخرى العروبية، كانتا تملآن الأفق العربي، وإن بكثير أو قليل من الميكانيكية واللاتاريخية.

وقد ننطلق من هنا بالضبط، لنكتشف أن الممكنات العروبية والإسلامية قابلة للتحاور والتقابل والتقارب، إذا ما هيمنت دولة أو دول عربية في مجتمعات مدنية يهيمن فيها القانون والتعددية الحزبية والفكرية، جنباً إلى جنب مع منظومة التداول السلمي للسلطة واستقلال السلطات مع حراك مجتمعي مفتوح، وفي مثل هذه المجتمعات المدنية، ينبغي ألا يتحقق الأمان والحرية فحسب، بل كذلك أن تنجز ذلك عبر عناصر شتى لا تمثلها الانتماءات العشائرية، إنّما عبر قانون مدني وضمن مجتمع تهيمن فيه ديمقراطية متحركة فاعلة.

جهة العولمة

◄ الجديد: نشهد الآن مجتمع العولمة والانفتاح الهائل على البنى والسرديات المتنوعة إلا أنها لم تنتقل إلى مستوى الممارسة الفعليّة، هل ستتمكن المؤسسات المختلفة من أن تعيد تشكيل خطاب المواطنة والسيادة القانون أم أن هذه المؤسسات ستتفكك في ظل المورث الفكري (القمعي والديني) للمنطقة من جهة وأمام العولمة من جهة أخرى؟

*تيزيني: جاءت العولمة في سياق تحولات عظمى تمّت في صلب المجتمعات الرأسمالية، ومن ضمن ذلك تبرز الدعوة إلى المابعديات- ما بعد التاريخ والحضارة والوطن والفلسفة… الخ- تلك الدعوة التي اقترنت بتأكيد أن خطاب التاريخ يتحول إلى خطاب في المطلق، فإذا كان التاريخ قد أوصل الولايات المتحدة فإنه إذ ذاك سيتماهى بها، ومن ثم، فإن من يرغب في الخطو نحو التقدم والحضارة، عليه أن يدرك ويتعلم كيف يصل إلى (القطار الأميركي) ويبدأ عالمه الجديد فيه، وخارج ذلك القرار العالمي لا تبقى إلا ملحقات طواها الزمن.

داعش يريد أن يصل إلى الغرب (أوروبا وأميركا خصوصاً) عبر قوارب صيد، حيث قد يشكل ذلك، بعد زمن، حالة قد تتوافر فيها شروط البقاء هناك والاتساع والتعمق واكتساح المجتمعات الغربية

وإذا كان الأمر على ذلك النحو فإن من يفوته القطار المذكور، يخرج من التاريخ عموماً وخصوصاً، في هذه الزاوية وانطلاقاً منها، يصبح التعريف بالعولمة جوهر الموقف والمسألة، إذ حين ذاك يمكن ضبط العولمة على النحو التالي: إنها النظام الاجتماعي والمالي والعسكري، الذي يبتلع الطبيعة والبشر، ويخرجهما سلعاً ومالاً، وهذا ما يدعو إلى وضع اليد على جوهر ذلك كله، فإذا كان ماركس قد وضع يده على ما يجعل من العولمة نظاماً من إنتاج الأشياء عبر تحويل الإنسان إلى حالة مشيّأة، فإن الوصول إلى المقولة التالية عبر ماركس يغدو أمراً منطقياً، كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان، ويأتي بوغنون في كتابه أميركا التوتاليارية، ليمنح الراهن بعداً ودلالة هائلين، في هذا الكتاب يعرف الباحث العولمة ما هي أولاً بأول، بأنها (السوق المطلقة) وعلى ذلك النحو فإن بوغنون يضع يدنا على عكس ما يأتي في السؤال من أن مجتمع العولمة إنما هو على العكس من ذلك، ما يجعلنا نشهد الآن معه الانفتاح الهائل على البنى والسرديات المتنوعة” لكن دون الانتقال إلى مستوى الممارسة الفعلية، من ثمة “هل ستتمكن المؤسسات المختلفة من أن تعيد تشكيل خطاب المواطنة وسيادة القانون” ونتابع السؤال “أم أن هذه المؤسسات ستتفكك في ظل الموروث الفكري القمعي والديني من جهة وأمام العولمة من جهة أخرى”؟

ما نراه هو أنه في ظل العولمة، يصبح كل العالم مهيأً لأن يتحول إلى أشياء وسلع ومال، وخصوصاً منها ما تراه العولمة عائقاً في وجه هيمنتها الكونية مثل مفاهيم المواطنة والقانون والهوية الإنسانية والوطنية الخ، ويبدو أن المسألة تستقيم أو يمكن أن تستقيم إذا ما طرح السؤال التالي وأجيب عنه بصيغة مفتوحة: هل ما يفتقده الحال العربي من خطاب مواطنة وسيادة للقانون وغيرها قابل لإعادة التشكيل في ظل النظام العولمي، وكذلك في ظل الموروث الفكري الديني والقمعي للمنطقة؟

ينشر الحوار بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12