طيران ورقي

الأحد 2016/10/02

عزيزي القارئ، نرحب بك على طاقم الرحلة المتجهة نحو النسيان، في حالة السأم والملل، لديك عدة مخارج للطوارئ، أوّلها أن تمزّق الورق الذي بين يديك وتشتم الكابتن الكاتب، وتلعن الساعة التي سافرت فيها على متن سطوره وبرفقة طاقمه من المدققين والمنضدين في شركة الملاحة الصحافيّة أو الأدبيّة التي يعمل فيها.

عزيزي القارئ، لديك تحت الكرسي سترة نجاة اسمها التجاهل، وأمامك كيس لتقيء كل ما قرأته في حالة الغثيان. أمّا في حالة الاختناق، فسينزل ـوبشكل آلي- قناع لتستنشق من خلاله الهواء النظيف من روائع الموسيقى، وفي حالة تعذر نزوله، اضغط على الزرّ الأيمن فستنزل فوق رأسك مكتبة من المجلّدات التراثيّة والمخطوطات السلفية، تصيبك بالشلل النصفي كما حدث مع الجاحظ، ولكن لا بأس فالفالج أهون من الأميّة الثقافية. إذا كبست على الزرّ الأيسر فستنزل فوق رأسك ـ وبشكل آلي- مكتبة حمراء، تنظر إلى العالم بعين واحدة، تصيبك بالحول، لكنّها قد تتحفك بروائع تشيخوف وغوركي وتولستوي ودوستويفسكي.

عزيزي الراكب فوق الكلمات، لا تنس أن تربط حزام التركيز على مقعد القراءة، وتضع النظّارات فوق أرنبة أنفك في حالتي الإقلاع والنزول وكذلك المطبّات الهوائيّة التي تسبّبها عواصف الصمت كأعلى درجات الكلام. نتمنّى لكم رحلة شاقّة فوق سحاب السطور، ولدينا وجبات شهيّة من الكلمات المتقاطعة، وما طاب لكم من قصّ ولصق وصحافة صفراء. إن كان برفقتكم أطفال فيسرّ طاقم الرحلة أن يقدّم لهم بعض الألعاب المفزعة لتحريضهم على العنف، ومواكبة لغة العصر.

أعزّائي ركّاب السطور والمواقف، لدينا سوق حرّة طائرة، تبيع كلّ شيء من الإيزو الثقافي.

عزيزي القارئ، ستقلع طائرة الكتابيّة الورقيّة بعد قليل، الرجاء شدّ الأحزمة.. ومن ليس له حزام من مرتدي الجلاّبيات فليشدّ على بطنه، لأنّ البطون الجائعة لا تقرأ، لا تفهم ولا تعي. الشرود ممنوع أثناء رحلة القراءة، كما يمنع منعا باتّا التفكير المسبق والحكم المسبق والإعجاب المسبق، ورمي الأوراق في دورات المياه.

أعزّائي ركّاب الورق، إليكم كلمة الكابتن الكاتب، قائد طاقم الرحلة المتّجهة نحو النسيان “أرحّب بكم على متن الرحلة رقم (سفر)، أقلعنا الآن، وبعد أن أخليت المدارج وجفّت الأقلام والصحف. نحلّق على ارتفاع آلاف الأقدام عن سطح الجهل والأميّة، سنمرّ بمطبّات كتابيّة، فلا تقلقوا، أرجو التزام الهدوء في حالات الاختطاف وتحويل الوجهات، عفوا، هل قلت “تحويل الوجهات” آسف، أنا لا أعرف إلى أيّ وجهة أتّجه.. إنّها حالة الكتابة على أيّ حال.

يبدو أننا فقدنا الاتّصال مع أبراج الرقابة.. لا تخافوا، هذا أمر جيّد في الطيران الورقي ما دام كل قارئ يملك بوصلته الخاصّة.

آسف، عطب حلّ على متن طائرتنا الورقية، انقطع المدّ الكهربائي عن الكمبيوتر، لا أستطيع إتمام الرحلة، لكم أن تتخيلوا بقية السطور.

24