طيف بوتفليقة يخيّم على المشهد الجزائري الجديد

تحالف حزبي في الأفق يستنسخ التجربة السابقة.
السبت 2021/06/19
النظام يعيد تدوير نفسه

الجزائر - عاد طيف الرئيس الجزائري الأسبق عبدالعزيز بوتفليقة ليخيم مجدّدا على البلاد، في ظل مؤشرات توحي باستنساخ التجربة من طرف السلطة الجديدة على المشهد السياسي، حيث تتأهب الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة لتشكيل تحالف موسع يدعم رئيس الجمهورية كما يسارع نواب مستقلون للإعلان عن الولاء السياسي له.

ولم يستغرب كمال عيسات القيادي في حزب العمال الاشتراكي المعارض في حديثه لـ”العرب”، ما بات يعرف “بالعودة المرتقبة لطيف بوتفليقة ليخيم على المشهد السياسي في البلاد”،  مشددا على أن “نظام بوتفليقة لم يرحل حتى نقول إنه عاد”.

وأضاف أن “النظام السياسي ناور وتلاعب بثورة الشارع السلمية، ومن يعتقد أن التغيير هو غايته فهو واهم، والدليل إفرازات الانتخابات التشريعية التي أنتجت نفس القوى السياسية التي ثار الجزائريون ضدها في فبراير 2019، والتطورات أكدت مخاوف ومطالب الثورة السلمية لرحيل النظام برمّته”.

وتوحي المؤشرات المتسارعة في الجزائر بعودة مفاجئة لأدوات وأذرع النظام السابق بعد الانتخابات التشريعية التي جرت السبت الماضي، مما طرح مبرّر حل الرئيس عبدالمجيد تبون للبرلمان أصلا، بعدما عادت نفس الأحزاب والقوى التي كانت تهيمن عليه مع تغيير طفيف في الموازين.

كمال عيسات: النظام السياسي ناور الثورة السلمية للشارع وتلاعب بها

واستحوذت جبهة التحرير الوطني على البرلمان الجديد بأغلبية بسيطة بعد حصولها على 105 مقاعد، وجاء بعدها كل من المستقلين وحركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني وجبهة المستقبل، بينما سجل التيار الديمقراطي انتكاسة غير مسبوقة تطرح محدودية وعائه الاجتماعي كما يردد خصومه.

ولم يتأخر نواب مستقلون في إعلان الولاء السياسي للرئيس تبون حتى قبل ترسيم النتائج من قبل المجلس الدستوري (أعلى هيئة قضائية في البلاد)، وهو ما يرشح المشهد لتشكيل أحادية جديدة لا تختلف عن الاحتكار الذي مارسه التحالف الحزبي السابق طيلة العقدين الماضيين.

ويذهب ناشطون معارضون إلى أن النظام السياسي في الجزائر يعيد إنتاج نفسه بنفس الآليات والأذرع، ولم يوفق حتى في تغيير الوجوه، وأن الرئيس السابق الذي لا يزال في الإقامة الرئاسية بضاحية زرالدة في غرب العاصمة، بينما الرئيس الفعلي يقيم في إقامة أخرى، يكرس ثبات النواة الصلبة للنظام، وما يروّج له حول التغيير ما هو إلا ذرّ للرماد في العيون.

وأعربت قيادات الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات في تصريحاتها الأولية عن وضع أحزابها في خدمة برنامج الرئيس، وانخراطها في المسار القائم، مما يجسد بقاء نفس النمط السياسي الذي يكون على وشك تجاوز مأزق انتفاضة الشارع، بفرض أمر واقع يقوم على خنق أنفاس الاحتجاجات السياسية، وتطبيق قبضة أمنية غير مسبوقة.

وفيما ألمح رئيس أكبر الأحزاب الإخوانية حركة مجتمع السلم إلى شروط فضفاضة للمشاركة في الحكومة القادمة، في خطوة تجسّد براغماتية الإخوان في التعاطي مع المستجدات، فإن باقي الأحزاب التقليدية كانت صريحة في التماهي مع توجهات تبون، خاصة في ما يتعلق بتشكيلة وهوية الحكومة المذكورة.

وذكر الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني أبوالفضل بعجي أن “حزبه يضع نفسه في خدمة مشروع رئيس الجمهورية، وأنه سيكون داعما له في مشروع التغيير وبناء دولة المؤسسات الشرعية والحق والعدل والقانون”، وهو الطرح الذي ذهب فيه رئيس حركة البناء الوطني (إخوانية) عبدالقادر بن قرينة، الذي صرّح بدوره بدعم الرئيس.

ولا يستبعد أن يكون ذلك أرضية جديدة لوضع أسس تحالف سياسي جديد يضم القوى الفائزة بالانتخابات، وهو التحالف الذي يرتقب أن يضم غالبية مقاعد البرلمان، مما يزيح الصوت المعارض تماما من الهيئة التشريعية، على اعتبار أن البقية الأخرى ليس بوسعها حتى تشكيل كتلة نيابية.

المؤشرات المتسارعة في الجزائر توحي بعودة مفاجئة لأدوات وأذرع النظام السابق بعد الانتخابات التشريعية التي جرت السبت الماضي

غير أن السيناريوهات المرتقبة لا يمكنها احتواء أزمة شرعية المؤسسة الجديدة، بحسب عيسات.

واستدل على ذلك بما أسماه “غياب تمثيل منطقة القبائل في البرلمان الجديد، مما يعتبر إقصاء خطيرا ينطوي على تهديد مبطن للوحدة الوطنية”.

وأكد المتحدث أن “نسبة المشاركة في ولايتي تيزي وزو وبجاية لم تصل إلى واحد في المئة، فكيف تلجأ السلطة إلى إفراز نواب لا علاقة لهم بسكان الولايتين ولا يعرفونهم ولا نسمع بهم، وكيف لهؤلاء أن يتحدثوا باسم هؤلاء؟”.

وأفرزت النتائج غير النهائية فوز كل من جبهة التحرير الوطني ولوائح مستقلة بمقاعد الولايتين، في ظل تسجيل أقل نسبة مشاركة شعبية على المستوى الوطني، ومقاطعة الأحزاب التقليدية في المنطقة، على غرار الحزب الاشتراكي للعمال، والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية.

ونقلت أصداء من منطقة القبائل أن “بعض الفائزين بالمقاعد النيابية للولايتين لم يصوتوا هم أنفسهم، وأن وعاء المقعد الواحد لم يتجاوز العشرات من الأصوات فقط”، في إشارة إلى المأزق الذي تورطت فيه السلطة في المنطقة، خاصة وأنه يصب في وعاء الأصوات الانفصالية، التي تترصّد فرص عزل المنطقة عن المنظومة الوطنية.

ووفق المعطيات المستجدة، فإن الرئيس الجزائري سيكون في وضع مريح، بعدما لم يفرز الاستحقاق أغلبية للمعارضة، وتوزّع المقاعد بين القوى الموالية للسلطة، إذ تتجه التوقعات إلى توزيع كعك الحكومة على هذه الأطراف والاحتفاظ بنفسه  بتعيين رئيس للوزراء ينفذ برنامجه الانتخابي.

7