طيف من الماضي يحوم حول روني

الأحد 2017/09/24

كان في قديم الزمان، وتحديدا في سبعينات القرن الماضي لاعب فذّ لمع نجمه بسرعة البرق وحقق كل الإنجازات الممكنة مع فريقه مانشستر يونايتد الإنكليزي، هو لاعب لو كان ينشط في الزمن الحالي ربما لكان قادرا على مزاحمة ميسي ورونالدو وتوّج بالألقاب والكؤوس العالمية، إنه الأيرلندي جورج بيست.

اسمه لوحده يدل على مكانته وعلوّ كعبه وتفرّده، فقد كان بيست الأفضل في ذلك الزمن، كان لاعبا سريعا متميزا، لكنه كان أيضا مثيرا للجدل، إذ أصابته النجومية المطلقة بالغرور ودفعته إلى دخول عالم المجون وإدمان الكحول، ولم يتوقف عن هذه التصرفات الطائشة إلى أن انتهى به المطاف لاعتزال الكرة في سنّ مبكّرة نسبيا، فانتحى جانبا خفيا ليواصل معاقرة الخمر لسنوات طويلة، وبلغ به الأمر إلى التدرّج من علياء سلّم المجد إلى مكانة بين سقط المتاع، ليقسط ذات يوم من عام 2005 سقطته الأخيرة بعد أن وافته المنية بسبب إدمانه المفرط للكحول.

في تلك الحقبة التي انتبذ خلالها بيست مكانا قصيا بعد اعتزاله كرة القدم ليلتصق بـ”حبيبته” القاتلة، برز في سماء الكرة الإنكليزية لاعب آخر، قيل عنه الكثير وتحدث عنه الجميع بانبهار وإعجاب شديدين، حيث قدم عروضا رائعة وكان أحد أفضل اللاعبين في العالم خلال نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين، لاعب لفت انتباه الجميع بفضل مهاراته العالية وموهبته الفذة وأهدافه الجميلة للغاية، إنه بول غاسكوين الذي سحر قلوب محبي الساحرة المستديرة وقدم نفسه كأحد أفضل اللاعبين في العالم خلال تلك الفترة، وهو ما ساهم في تقصمه زيّ المنتخب الإنكليزي في عدد كبير من المباريات وشارك في بطولات كبيرة أبرزها بطولة أمم أوروبا سنة 1996، لكن فجأة ظهر غاسكوين بوجهه “الخفي” حيث كشفت آنذاك وسائل الإعلام الإنكليزية أن الرجل مدمن على استهلاك الكحول وارتياد العلب الليلية باستمرار..

ولئن حاول هذا النجم الخروج من الجب الذي سقط فيه إلاّ أنه لم ينجح فاستسلم لمصيره المحتوم، لتنتهي مسيرته سريعا، ويلتصق بـ”محبوبته” الفاتنة-القاتلة، لقد سار غاسكوين على منوال بيست، حيث واصل إدمان الكحول ليتحول مع مرور السنوات من لاعب عالمي إلى متسكّع ومتسوّل يقضي كافة ساعاته في حانات الجدران الخلفية في إنكلترا في انتظار مصيره المحتوم.

اليوم ربما قد يجود علينا القدر بضحية جديدة وقعت في شراك “القاتلة الشريرة” التي يبدو أنها اختارت الصيد في جدران البيت الكروي الإنكليزي، فالأخبار التي انتشرت منذ أيام تفيد بأن أحد أبرز أساطير مانشستر يونايتد والمنتخب الإنكليزي خلال الزمن المعاصر، أظهر بدوره “ولاء” كبيرا لهذه “العابثة” فبات بدوره مدمنا وفيّا للمشروبات الكحولية وحريفا دائما للحانات والعلب الليلية.

الحديث هنا يتعلق بـ”القولدن بوي” أو الفتى الذهبي لإنكلترا واين روني، حيث كشفت الشرطة الإنكليزية أن هذا اللاعب السابق لمانشستر قبل عودته في بداية الموسم الحالي إلى فريقه الأمّ إيفرتون، كان يقود سيارته وهو تحت تأثير الكحول، فتعرض لعقوبة مالية قاسية، ومنع من القيادة لمدة عامين، وألزم بالخدمة الاجتماعية لفترة محدودة.

ماذا أصابك يا روني؟ هل حلّق فوقك طيف من الماضي، ليقودك إلى الدرب الذي سلكه قبلك بيست ثم غاسكوين؟

ربما الأمر كذلك، فروني الذي أخفى بحرص شديد طيلة السنوات القليلة الماضية حبّه للسهرات الحمراء وهوسه بكل الأنواع الفاخرة للخمور، بدأ منذ الموسم الماضي يعيش حالة من التعاسة والحزن، والسبب في ذلك أنه كان يدرك جيدا أنه لم يعد مرغوبا فيه في فريق “الشياطين الحمر” بعد قدوم المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، فازداد تعلقه بالكحول علّه ينسى مستقبله الغامض الذي ينتظره بعد اقترابه من سن التعاقد الكروي الوجوبي، فسقط تبعا لذلك في الشراك، وكشفته وسائل الإعلام والشرطة الإنكليزية.

حاول روني بمساعدة عائلته أن يتجاوز هذا الأمر، فكان يقضي عدة أيام، بل أسابيع بعيدا عن الحانات والعلب الليلية، كان يسعى لنسيان “معشوقته” الجديدة، لكن في كل مرة ومع كل سقوط أو تراجع في المستوى يهرول سريعا ويرتمي في أحضان هذه “الفاتنة القوية”، فغدا اليوم من أكبر اللاعبين المتيّمين بعشق الكحوليات، فهو يستغل في كل مرة ابتعاده عن النشاط الرياضي حتى يعطي لهذه “الحبيبة القاتلة” حقها الكامل.

كل هذا الأمر ساهم في تراجع مستوى الهداف التاريخي للمنتخب الإنكليزي ومانشستر يونايتد، حيث لم يبرز بالشكل المطلوب مع إيفرتون ولم يتمكّن بعد من تقديم مستوى يؤكد جدارته بمواصلة اللعب في أعلى مستوى.

لقد تفطنت إدارة إيفرتون لهذا الأمر، وتفطنت له ربما بصفة متأخرة، فبعد صدور القرار القاضي بحرمانه من القيادة لسنتين سلطت عليه عقوبة وكأنها أرادت أن توجّه له رسالة مضمونة الوصول بضرورة الابتعاد عن هذا السلوك حتى لا يجد نفسه خارج الفريق بسرعة لم يتوقعها أحد.

في هذا الخضم تعالت عدة أصوات لتدافع عن اللاعب وتطالب بحمايته، والمبادرة جاءت من مانشستر يونايتد الذي أعلن أنه لن يتخلّى عن روني مهما كانت الظروف، والدليل على ذلك أن هذا اللاعب سيكون سفيرا للنادي حال اعتزاله اللعب نهائيا.

فالتجربة المريرة لبيست وغاسكوين ما زالت في الأذهان، وعلى روني نفسه أن ينجح في طرد هذا الطيف الذي بات يطارده بقوة أكثر من أيّ وقت مضى.

كاتب صحافي تونسي

23