طيف من الماضي يدغدغ أسود التيرانغا

بالأمس ترك المنتخب السنغالي بصمته في مونديال كوريا واليابان واليوم يبدو المرشح الأول لمسح الخيبات وحفظ ماء وجه القارة السمراء.
الخميس 2018/06/21
"أسود التيرانغا" آمنوا بقدراتهم

أخيرا كتب لأفريقيا أن تبتسم وتتذوق حلاوة الفوز في منافسات كأس العالم الحالية، لقد انتظر محبو الكرة في القارة السمراء الممثل الخامس لهم في الحفل الروسي كي ينعموا بانتصار نفض غبار الحزن والعثرات المتلاحقة طيلة الأيام الأولى في هذا الحدث.

لقد فعلها المنتخب السنغالي ونجح في كسب أولى نقاط الفوز بعد الإطاحة بالمنتخب البولندي بثنائية مقابل هدف وحيد، هو فوز سيجعل بلا شك حظوظ هذا المنتخب قائمة بقوة من أجل تخطي عتبة الدور الأول وتأمين حضور أفريقيا في دور الستة عشر.

لقد فعلها “أسود التيرانغا” وحقق المنتخب السنغالي ما عجزت عنه منتخبات مصر وتونس والمغرب وكذلك نيجيريا، لتكون بذلك صاحبة الريادة وحاملة لواء القارة السمراء القادرة أكثر من غيرها على منافسة “الكبار” وتحقيق المفاجآت.

بعد ظهور باهت ومخيب للآمال في الأيام الأولى جاء الدور في اليوم الأخير المخصص لمنافسات الجولات الأولى على المنتخب السنغالي، كانت مهمته نظريا صعبة نسبيا ضد منتخب أوروبي يضم في صفوفه لاعبا يعتبر من صفوة المهاجمين في العالم وهو نجم فريق بايرن ميونيخ روبيرت ليفاندوفسكي، بيد أن هذه المهمة لم تكن مستحيلة.

لقد آمن “أسود التيرانغا” بقدراتهم، وكسروا كل القواعد وحطموا عقدة الخوف المبالغ فيها والسذاجة وكذلك نزعة “تأليه” المنافسين، فلعبوا بكل ندية أمام منافسهم البولندي، لعبوا بروح انتصارية عالية وانضباط فني مميز، قدموا أفضل ما لديهم ولم يبخسوا بالمرة قدراتهم ولا هم خفضوا من حظوظهم عند مقارعة المنتخب البولندي.

كان الجزاء على قدر العطاء، وحصل لاعبو المنتخب السنغالي على مكافأتهم المجزية بعد الخروج بالعلامة الكاملة والحصول على ثلاث نقاط غالية سيكون لها وزن كبير في المباراتين القادمتين.

في مباراة شعارها الأول هو الواقعية والصمود الذهني والنجاعة، لم يكن أمام المنافس البولندي سوى الإذعان لمشيئة “الأسود” التي زأرت بقوة ولم تحد عن مسار الصواب، كان من المنطقي والبديهي أن يرقص هؤلاء “الأسود” طربا وفرحا بفوزهم في إطلالتهم المونديالية الأولى خلال هذه الدورة، تمهيدا لفرح أقوى واحتفال أكبر حال ضمان الحصول على بطاقة التأهل للدور الموالي.

من الآن سيبني هذا المنتخب الطموح والمتقد حماسة على هذا الإنجاز، سيعمل كل ما في وسعه كي يحقق نتائج طيبة في ما تبقى من منافسات الدور الأول، سيسعى بكل حماسة إلى إقناع العالم بأنه يستحق مكانا ضمن زمرة المارين إلى مرحلة الأدوار الإقصائية، لكن الأهم من ذلك أنه سيواصل رفع راية القارة الأفريقية بأسرها، حتى وإن كتب لبقية منتخبات هذه القارة تحقيق “المعجزات” وتمكنت من تجاوز عقدة المباريات الأولى.

سيكون أمام المنتخب السنغالي حاجزان لا يقلان خطورة عن الحاجز الذي تجاوزه في إطلالته الأولى، حيث سيواجه المنتخب الياباني المنتعش بدوره بعد فوزه الباهر في الجولة الأولى للمجموعة الثامنة قبل أن يلاقي في الجولة الأخيرة المنتخب الكولومبي الطامح إلى تجاوز أثار هزيمته في المباراة السابقة.

لكن كل من يتابع عن كثب هذا المنتخب السنغالي يدرك أنه قادر على صنع “المعجزات” والتقدم أكثر ما يمكن في هذه البطولة العالمية، كل من قرأ تاريخ “أسود التيرانغا” سيتطلع بكل تأكيد إلى ما حصل في مونديال كوريا واليابان الذي أقيم منذ 16 عاما وتحديدا سنة 2002.

ففي تلك البطولة أبهر المنتخب السنغالي الجميع في أول ظهور مونديالي له، لقد عاش الملحمة وغاص في تفاصيلها المبهرة، إذ سار على خطى المنتخب الكاميروني الذي تألق في مونديال 1990 عندما فاز على بطل العالم المنتخب الأرجنتيني، فقهر بدوره بطل العالم آنذاك أي المنتخب الفرنسي وهزمه في المباراة الافتتاحية بهدف كان كافيا لحصد النقاط الثلاث قبل أن يحافظ على سجله خاليا من الهزائم ضد الدانمارك والأوروغواي ليمر إلى دور الستة عشر.

لم تقف مسيرة منتخب السينغال حينها على هذا الدور، وكرر مرة أخرى ما فعله منتخب “الأسود غير المروضة”  خلال مونديال 1990 ببلوغ دور الثمانية، إذ قهر “أسود التيرانغا” المنتخب السويدي بفضل هدف ذهبي كان كافيا للذهاب بعيدا في المونديال الآسيوي، لتكون بذلك المشاركة السنغالية الأولى مبهرة وتاريخية إلى أبعد الحدود.

أما اليوم فإن كل المؤشرات والمعطيات توحي بأن هذا المنتخب المتقد حماسا يبدو أكثر المنتخبات الأفريقية حظا وقدرة على تشريف الكرة الأفريقية، فالمستوى الذي ظهر به ضد المنتخب البولندي في ظهوره المونديالي بعد غياب استمر طويلا كان مبشرا ومشجعا للغاية.

وبوجود نخبة من اللاعبين الرائعين مثل نجم ليفربول الإنكليزي ساديو ماني وهداف تورينو الإيطالي مباي نيانغ ومدافع نابولي كاليدو كوليبالي سيكون لهذا المنتخب السنغالي شأن كبير، سيكون قادرا على تحقيق نتائج رائعة في هذا المونديال وتكرار ما تحقق سنة 2002.

ربما هو قدر أفريقيا أن تقدم في كل نسخة مونديالية خلال السنوات الأربعين الماضية منتخبا يغطي على خطايا البقية ويحمل الراية عاليا، بالأمس ترك المنتخب السنغالي بصمته في مونديال كوريا واليابان واليوم يبدو المرشح الأول لمسح الخيبات وحفظ ماء وجه القارة السمراء.

22