طيف نزار و.. "الهوى أموي"

الخميس 2015/04/30
السوريون يفتقدون صوته في زمنهم التراجيدي الحاضر

لم يعرف الشارع العربي، بمعناه كشارع وأرصفة ومارة وعاشقين وعاشقات وباعة بسطات، اسم كاتبٍ مثلما عرف نزار قباني، ليس لأنه اختار كما قال النقاد، تيمة المرأة، وجعلها موضوعا وعنوانا عريضا لشعره، ولا لأن الحب كان بهار قصائده وزخارف دواوينه، ولكن لأن نزار قباني كان قد عرف كيف يدخل تلك القبة الفريدة المسماة دمشق، والتي خرج منها بحمولة نادرة، ليتمكن من صياغتها على طريقته حضورا ونصّا مذهلا يتفوّق على نفسه كل مرة، لم تكتشف بعد أسرار صنعته.

العائلة تركية الأصل، آق بيق، التي سكنت دمشق، ليعمل أحد أفرادها في الوزن والميزان، وما كان يُعرف في ذلك الزمان بـ “القبّان”، وليحمل أبناؤه من بعده تلك الكنية ـ المهنة، ككل أبناء المدن في العالم، الطحان والنحاس والصائغ وسواه، ليكون من أحفاده نزار الذي عرف الشام شبرا شبرا من لحظة ولادته في بيت اسرته في حي مئذنة الشحم، وحتى جنازته التي كانت آية شعبية لم تعرف دمشق مثلها، حين سرق الناس نعش نزار من مشيعيه الرسميين، وطافوا به وحدهم، بعد أن وصل جثمانه من لندن في مايو من العام 1998، كانت تلك أول مظاهرة عفوية أخرج نزار الناس بها، وهو ميت، بعد عقود من الصمت، إثر صلاة الجنازة عليه في جامع بدر في حي المالكي، أخذه الشعب الذي كتب له نزار القصائد، وكانت سوريا حافظ الأسد تفرض غماما أسودَ من التغييب المتعمّد لنزار حتى بعد وفاته، هتف المشيعون في دمشق “الشام شامنا ونزار نزارنا”. لم يكن الاستبداد وحده يغار من نزار قباني، وهو من قال مخاطبا بيروت “نعترف أمام الله الواحد، أنّا كنا منكِ نغارُ، وكان جمالكِ يؤذينا” بل إن شعراء العربية في العصر الحديث بأجمعهم كانت قد لسعتهم نيران تلك الغيرة، روادا ومخضرمين وشبابا، عرفوا كيف يقرؤون شعر نزار، وعرفوا عن كثب، أنهم لن يحصدوا شعبية نزار، ولن ينالوا قدرته على التصوير، والرسم بالكلمات.

لم يعش نزار في دمشق كما يبدو من شعره، ولكنه عرفها طفلا وشابا يافعا ليغادرها في ترحال طويل، ولم يعد إليها إلا زائرا، سافر إلى البعيد، في رحلة الدبلوماسية والاغتراب، بقي يراها من بعيد، ولكنه أكثر من غنّى لها، وتولّع بدسّ تفاصيلها في شعره، فـ”هذي دمشق، هذي الكأسُ والراح، إني أحبُّ وبعض الحب ذبّاحُ، أنا الدمشقي لو شرّحتمُ جسدي، لسال منه عناقيد وتفّاحُ، ولو فتحتم شراييني بمديتكم، سمعتم في دمي أصوات من راحوا، مآذن الشام تبكي إذ تعانقني، وللمآذن كالأشجار أرواحُ، هنا جذوري، هنا قلبي، هنا لغتي، فكيف أوضحُ؟ هل في العشق إيضاحُ؟ ما للعروبة تبدو مثل أرملة؟ أليس في كتبِ التاريخِ أفراحُ، والشعرُ ماذا سيبقى من أصالته؟ إذا تولّاه نصّابٌ ومدّاحُ؟ وكيف نكتبُ والأقفال في فَمِنا؟ وكل ثانيةٍ يأتيك سفّاحُ، حملتُ شعري على ظهري فأتعبني، ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟”.

كان قدر نزار الذي اختاره بنفسه، أن يختلف عن زمانه، محتفظا بالتصاقه المعرفي الأصيل بمكانه، مكانه الذي لم يكن ليفعل سوى فعل نزار، ليعيش قدره هو الآخر، يختاره ويختار قاطنيه، محوّلا إياهم إلى جوهرة فريدة في الوجود، ليقدمّهم ذات يوم كما نرى، صدم نزار القارئ والنخبة بديوانه “قالت لي السمراء” وواصل صدمته كلّ مرة، بالفكرة والشكل وطينة اللغة، لكن دمشق ظلّت درّة عقد قصائده، وقبلته التي يولّي وجهه صوبها بين القصيدة والقصيدة، “أتراها تحبّني ميسونُ؟ أم توهّمت والنساءُ ظنونُ؟ يا ابنة العمّ والهوى أمويٌ، كيف أخفي الهوى وكيف أُبيّن؟ هل مرايا دمشق تعرف وجهي؟ من جديدٍ أم غيّرتني السنينُ؟”.

الشاعر الظاهرة، الذي أطلق العرب اسمه على أطفالهم في بيوتٍ نائية من العراق إلى السودان واليمن والمغرب العربي، كان يقرأ في شعره ما لم تقرأه له “قارئة الفنجان”، فالحب عليه “هو المكتوب” وقد رضي أن يكون نصيبه بعد سبعة عقود عقود أن تقول له العرافة “بصّرتُ ونجّمتُ كثيرا، لكني لم أقرأ أبدا فنجانا يشبه فنجانكْ، بصّرتُ ونجّمتُ كثيرا، لكني لم أعرف أبدا، أحزانا تشبه أحزانكْ”، كان يرى أن الجمال الذي تصنعه تلك الثقافة التي يتحدّر منها مثل شجر الغوطة الذي كتب عنه في شعره، إذ “للحب رائحةٌ وليس بوسعها ألا تفوح مزارع الدرّاقِ”. طيف نزار قباني لا يكاد يفارق العرب، حتى يعود إليهم في أغنية أو نبوءة أو منمنمة أو مروحة أو كنز أحلام.

شاعر وكاتب من سوريا مقيم في ألمانيا

14