"طيور العتمة" رواية أشبه بفيلم رعب

السبت 2014/12/06
سليمان اختبر خياله وقدرته على توصيف العذابات في الرواية

دمشق- عشرة فصول، أو كرّاسات، كما يسميها الكاتب السعودي ماجد سليمان، تكوّن روايته الصادرة حديثا عن دار الساقي (2014) بعنوان “طيور العتمة”، حيث يروي قصة ثلاثة عشر سجينا سياسيا والعذابات التي يشهدونها في سراديب السجون، ماجد سليمان يتابع في هذه الرواية مسيرته في الكتابة والتأليف، بعد أن صدر له في الرواية “عين حمئة” و”دم يترقرق بين العمائم و اللحى”.

تبدأ الرواية بدخول المساجين الثلاثة عشر في سجون سرّية ليتحولوا إلى كائنات مجرّدة من الإنسانية بفعل قسوة السجان، حيث نتعرف على أسمائهم وأعمارهم والتهمة التي لفقت إليهم، بوصفهم متهمين بالانضمام إلى خليّة صغيرة كادت أن تَنفذ مخططا انقلابيا في قاعدة للجيش.


معالم ضائعة


يلاقينا في الرواية الراوي “برهان” الذي يسرد العذابات والتهم التي ألصقت به وبرفاقه، وأساليب القسوة التي تمتلكها مؤسسة السجن والتي تؤدي إلى وفاتهم واحدا تلو الآخر، لينتهي الأمر بالمنيّة وهي تَدفق لعابها على روحه، الرواية لا تحدّد مكانا أو زمانا لسير الأحداث، بل تركز بصورة كبيرة على التعذيب وأساليبه المختلفة، وكأنها تختبر حدود الكتابة في التعبير عن القسوة واغتيال الجسد، فنراها تبتعد عن الصيغة الروائية العميقة المتماسكة، لتبدو كأنها الأقرب لاختبار خيال الكاتب وقدرته على توصيف العذابات.

الرواية لا تحدد خط سير الأحداث، بل ترصد التعذيب، وكأنها تختبر حدود الكتابة في التعبير عن القسوة


اللغة الشعرية


يستخدم الكاتب لغة أدبيّة، هي أقرب إلى الشعر في وصف معالم المكان المظلم الذي يحيط ببرهان ورفاقه، بالرغم من أنها في البداية تبدو مناسبة للوصف إلا أنها ما تلبث أن تتحول إلى صورة مناقضة لما يدور من أحداث في الداخل، بحيث تتخلل العبارات الرقيقة والرومانسيّة أهوال السجن، والعذابات التي يمرّ بها المساجين.

بالإضافة إلى الكلمات القليلة التي تنطق بها الشخصيات، وقد لا تبدو متآلفة مع الصيغة الجسدية المشوّهة، التي يتحوّلون إليها والحالات النفسية التي تمرّ بهم، فأصواتهم متشابهة وأغلبهم ينطقون بشذرات شعريّة أو صرخات استغاثة أشبه بتلك التي نسمعها في القصائد.

حدود الجسد البشري

هناك نوع من اللامعقول يحكم سير الرواية، فالعذابات الجسدية التي يتعرض لها المساجين والراوي برهان تتجاوز حدود المنطق، لا لصيغتها التي من الممكن أن نجدها في السجون والسراديب السرّية من جلد وصلب وخصاء، وغيرها من الأساليب الوحشيّة، بل تكمن المفارقة في قدرة الجسد البشري على الاحتمال.

فبرهان يبقى حيا حتى النهاية في حين يموت أصدقاؤه تباعا بعضهم تحت التعذيب أو وفق أهواء السجانين، أو على يد زملائهم المساجين الذين يجبرهم الجلادون على قتل زملائهم كما فعل برهان مع أحد الذين اعتقلوا معه، حوادث الموت هذه قد تبدو أحيانا مخالفة السياق المنطقي للحبكة، بحيث نراها محكومة أحيانا بالمصادفة، كأن ينتحر أحد المساجين بقطعة حديدية، وآخر يشنق نفسه، أو أحدهم يلدغه عقرب فيموت، قد تبدو هذه الأساليب تعبيرا عن الصيغ المجانية للموت التي تحاول الرواية سبر معالمه، إلا أنها ليست دائما محكمة الحضور ضمن سياق الأحداث أو تسلسله.

بالإضافة إلى الدموية التي يخضع لها المساجين، والتي قد يستغرب القارئ كيف صمد برهان أثناء أحداث وفترات الرواية ولم يمت من الفصل الثاني بأحد هذه المصادفات أو تحت التعذيب، بالرغم من أنه كحال جميع الشخصيات يتعرّض إلى أقسى أنواع التعذيب والإهانات بل ويتمنى الموت في كل لحظة.

الرواية ترسم عوالم شبيهة بتلك التي في أفلام الرعب

بين فصول الرواية نرى برهان قد بدأ بالهلوسة، مستذكرا زوجته كاتلين التي تحضر إليه دائما، سواء بصوتها أو عبقها، أو حتى وهو تحت التعذيب، فتختلط آثار قبلاتها مع آثار السياط، بالإضافة إلى أن هلوساته تمتدّ ليرى كائنات أسطوريّة، كنسر بثلاثة رؤوس يأكل صديقه، أو نراه يسمع رفاقه يكلمونه من بعد أن قضوا، ويردّدون كلمات ما بعد الموت، برهان لا ينهار جسديا فقط، بل نستطيع معرفة حالته العقلية المترديّة التي قد تبدو متناقضة مع لغته، مع ذلك تنسحب هذه التخيلات على من حوله، مع بدء إدراكه جنون بعض النزلاء من حوله، وفقدانه لبصره تدريجيا.

معضلة الضوء


الوقت في السجن لا يقاس إلا بالوجبات أو بمواعيد بزوغ الشمس، ونرى أن سليمان في بداية كل كرّاس، يتغنّى بالضوء الذي يشرق، وبالأخص الشمس، تلك التي تضبط الساعة البيولوجية للسجناء، بعد أن فقدوا قدرتهم على التمييز، فالظلام دامس يغرق كل شيء، ولا يمكن تفاديه، وهذا ما نشهده في النهاية، حيث نرى برهان يضرب رأسه على الجدار لينزف، وتتشقق جمجمته، مما يتسبب في فقدانه التدريجي للبصر، وكأنه لم يعد يريد أن يرى ما حوله من أهوال، فالمجّانيّة التي تحكم على الجسد بالموت لم يعد بإمكان برهان أن يشهدها.

جلادون متشابهون

الرواية ترسم عوالم شبيهة بتلك التي نراها في أفلام الرعب، فالقارئ يغرق في القسوة والدموية اللتين تنضح بهما كلمات الرواية، بالإضافة إلى الوصف القاسي للأماكن والسجناء، وحالتهم وأساليب التعذيب التي لا تخطر على بال، ولكن بالرغم من اختلاف السجناء ومشاربهم، والأساليب التي ماتوا بها بوصفها القاسم المشترك بينهم، نرى أننا نقف أمام جلاّد واحد، فكل السجّانين ومنفذي أحكام الإعدام، وإن اختلفت أشكالهم، يتميّزون بذات الخصائص، القدرة على ارتجال الموت دون اعتبار لأيّ شيء، حتى أن المرء يستغرب من تلك التهمة التي أدّت إلى هذا النوع من العذابات، لكن هذه التهمة تتكشف منذ البداية، وعبر السرد من خلال النعوت التي يوصف بها السجناء. هي تهمة سياسية فهم جميعا رفضوا التغنّي بأمجاد السلطان والانصياع إلى رغبات أيّ وزير، وهؤلاء السجانون هم دمى بيده لتنفيذ بطشه، إذ تشوّهت عقولهم لتتحوّل إلى كائنات ترى في القتل فعلا عاديا، بل تراه عابرا لا حاجة لها لتبريره.

17
مقالات ذات صلة