ظاهرة أفلام القراصنة تعود من جديد

يعيد ظهور فيلم “قراصنة الصومال” The Pirates of Somalia للمخرج الأميركي بريان باكلي، طرح موضوع قرصنة السفن مجددا على ساحة النقاش، ويدفع إلى التوقف لمعرفة كيف تعاملت السينما مع القضية، وما إذا كانت قد نجحت في تقديمها بشكل مقنع ومتوازن على الشاشة.
الجمعة 2018/01/19
بطل الفيلم بهادور مع مساعده عبدي

ظل انتشار القرصنة البحرية في منطقة القرن الأفريقي لسنوات، يسبب صداعا هائلا لشركات السفن العملاقة العابرة للقارات، خاصة سفن الشحن التجارية وناقلات النفط.

وقد تسببت عمليات القرصنة واحتجاز الرهائن في خسائر بلغت سبعة مليارات دولار سنويا. وكان يُعتقد أن تكون هذه الظاهرة التي برزت على الساحة العالمية للمرة الأولى في عام 2005 قد تلاشت، فلم تسجل أي حادثة اختطاف لسفينة تجارية منذ مايو 2012، ويرجع اختفاء الظاهرة إلى لجوء حوالي 80 دولة وشركة ومنظمة لتشكيل مجموعة اتصال ومتابعة وقوة بحرية مقيمة في المنطقة.

إلا أنه في مارس 2017 وقعت عملية جديدة لاختطاف ناقلة نفط عملاقة كانت في طريقها من جيبوتي إلى مقديشو، ولكن تم إطلاق سراح الناقلة بعد تبادل إطلاق للنار وبعد معرفة القراصنة بأن الناقلة مستأجرة من طرف أحد كبار رجال الأعمال الصوماليين ذوي النفوذ.

ظاهرة القراصنة تناولتها السينما في أفلام كثيرة بسبب ما تتضمنه من إثارة، وما تتمتع به المنطقة التي تقع فيها عمليات القرصنة من أجواء جذابة، وما توفره القصة نفسها من عوامل جذب. غالبية هذه الأفلام مأخوذة من قصص حقيقية، أشهرها فيلم “كابتن فيلبس”- 2013 (إخراج بول غرينغراس) وبطولة توم هانكس الذي يقوم بدور ريتشارد فيلبس، قبطان سفينة الشحن الأميركية العملاقة التي اختطفت قبالة سواحل الصومال. ويركز الفيلم على محنة البحارة الرهائن، ثم كيف قامت القوات الخاصة الأميركية بإنقاذهم من بين أيدي القراصنة باستخدام الخديعة والعنف.

ويتجاوز الفيلم الدنماركي “اختطاف” (2012) – إخراج توبياس ليندهولم- “كابتن فيلبس” في ما يتمتع به من توازن، وإن كان مثله، يصور محنة المحتجزين من طاقم سفينة دنماركية عملاقة، ولكن مع تركيز خاص على عملية التفاوض الشاقة التي تجري بين زعيم الخاطفين ومدير الشركة المالكة للسفينة في كوبنهاغن.

مغامرة بطل غربي في الصومال

وربما يكون الفيلم الأميركي المستقل “صيد من دون شباك” (2012) Fishing Without Nets -إخراج كاتر هوديرن- العمل الأكثر توازنا بين معظم أفلام القراصنة الصوماليين، فهو يُروى أساسا، من وجهة نظر شاب صومالي فقير يدعى عبدين، صياد سمك، يكافح من أجل إعالة أسرته الصغيرة، يريد أن يدخر ما يكفي من المال لكي ينتقل بها إلى اليمن هربا من جحيم الفقر والفوضى المسلحة، بعد أن أصبح الصيد شحيحا والبحر جافا.

وهو يرضخ للضغوط القاسية التي يتعرض لها فيقبل ما يعرضه عليه أحد أصدقائه للانضمام إلى جماعة من الصوماليين الذين يعتزمون اختطاف سفينة غربية، يريدونه أن يساعدهم في معرفة المسار الذي تتخذه عادة السفن الغربية العملاقة في تلك المنطقة بحكم خبرته في الصيد البحري.

تجربة ذاتية

أما أحدث هذه الأفلام، وربما أكثرها إنصافا للصوماليين وإخلاصا للحقيقة واقترابا من الواقع الموجود على الأرض، بعيدا عن الصور النمطية المسبقة المستقرة في الوعي الغربي، فهو دون شك، الفيلم الأميركي “قراصنة الصومال” The Pirates of Somalia، إخراج بريان باكلي الذي سبق أن أخرج الفيلم القصير “أسد” (2012) الذي كان يصور سعي صبي صومالي للإفلات من مصيره المأساوي وسط أعمال العنف والاشتباكات المسلحة التي تشهدها بلاده. أما “قراصنة الصومال” فيستند إلى وقائع وأحداث حقيقية سردها الصحافي الكندي جاي بهادور (وهو نصف هندي) في كتاب بالعنوان نفسه يروي فيه تجربته الذاتية.

بطل الفيلم، جاي بهادور، شاب يسعى للتحقق والإفلات من الوجود الهامشي واستهلاك طاقته في عمل لا طائل منه في أميركا حيث يقيم مع أسرته، يريد الالتحاق بعالم الصحافة لكن هذا الطموح يأتي في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت أسواق العالم في 2008 وأدت إلى انهيار البورصات العالمية فانهارت معها الصحافة الورقية، وأصبحت الصحف تحجم عن نشر ما لا يتمتع بالجاذبية للقارئ ويرتبط بالأحداث الجارية في العالم.

يقيم جاي في الطابق السفلي من منزل والديه، يعمل في الترويج لسلع يتشكك كثيرا في جدواها، يكتب مقالات تقابل بالرفض بانتظام من الصحف التي يراسلها، يتشاءم كثيرا كلما سمع أو قرأ كلمة “لسوء الحظ” التي يستخدمها كل من يعتذرون له عن عدم قبول مقالاته، ولكن طاقة النور تتبدى أمامه عندما يلتقي بصحافي عجوز مخضرم يدعى سيمور توبلين (يقوم بالدور آل باتشينو)، يمنحه الثقة والتفاؤل، ولكنه ينصحه بالعثور على مادة يصعب أن يحصل عليها صحافي غيره، وأن يلقي بنفسه في أتون المغامرة.

بهادور مع مرشده آل باتشينو في دور صغير

جاي بهادور يبدي اهتماما كبيرا بالصومال بعد أن يعرف كيف أجريت في “جمهورية أرض الصومال” انتخابات ديمقراطية ناجحة ارتضى بنتائجها الجميع دون وقوع أي تجاوزات أو أعمال عنف، لكن ما يلفت نظره الآن إلى الصومال هو ما يتردد في نشرات الأخبار في العالم، أي موضوع القراصنة الصوماليين، دون أن يجرؤ صحافي على التصدي بجدية للكشف عن حقيقتها ودوافع القائمين بها ومن يقفون وراءها، فيقرر التوجه بنفسه إلى الصومال آملا أن يخرج بكتاب مثير تقبل إحدى دور النشر بنشره، وأن ينشر سلسلة من المقالات في الصحف الأميركية الشهيرة.

الطريق إلى القراصنة

لم يكن مع جاي سوى قليل من المال، سينفقه كله بعد قليل في شراء كميات كبيرة من نبات “القات” المخدر، لكي يفتح الطريق لإجراء مقابلات صحافية مع بعض زعماء القراصنة، بعد أن يعلم أنهم لن يتكلموا سوى بعد العثور على تلك “الهدية”. يساعد جاي بهادور في مهمته شاب صومالي هو عبدي يعمل مترجما له، ويصحبه في جولاته خاصة بعد أن يستقبله رئيس الجمهورية ويوصي بمساعدته آملا أن يساهم عن طريق نشر مقالاته وكتابه، في دفع دول الغرب الكبرى إلى تقديم المساعدة للصومال للتغلب على مشاكله الاقتصادية وبالتالي مكافحة ظاهرة القرصنة.

عبدي يتصور في البداية- تماما كما يتصور الرئيس الصومالي وولده- أن بهادور صحافي “أميركي” مرموق، وأنه يملك التأثير في الإعلام الأميركي بتقاريره ومقالاته، لكن سيأتي وقت يعترف بهادور بأنه ليس صحافيا مرموقا بل مازال يبحث عن طريقه، مصرا دائما على أنه “كندي”، ولكن ما الفرق، إذا ما اقتبسنا تعليق عبدي على هذا؟

يخوض بهادور مغامرات يكاد يفقد خلالها حياته، خاصة بعد أن يصبح مغرما بفتاة صومالية حسناء تدعى ماريان، تبيع القات في سوق القرية التي يقيم فيها، ثم يكتشف أن ماريان إحدى زوجات غاراد الذي يتزعم مجموعة كبيرة من القراصنة الشباب، وعندما ينجح عبدي في ترتيب مقابلة له مع غاراد يراه مرتديا ثيابا فاخرة، ويلمح ميله إلى استخدام العنف.

الفيلم هو الأحدث، وربما الأكثر إنصافا للصوماليين بعيدا عن الصور النمطية المستقرة في الوعي الغربي

على العكس من بويا زعيم مجموعة أخرى من القراصنة يقابله بهادور أيضا ويسجل لقاء معه، وهو يشرح له بعد أن يحصل على حزمة كبيرة من القات، كيف أنه يعتبر الحصول على فدية مالية من أصحاب السفن، ضريبة مقابل دخولهم للصيد في المياه الصومالية، وأنه بدلا من أن تذهب هذه الضرائب للحكومة تذهب إليه وجماعته، وإلا كيف يمكنهم مواجهة مصاعب العيش.

الطابع الكوميدي

سيناريو الفيلم يقوم على تصوير الكثير من المفارقات والمبالغات الكوميدية العديدة، وعلى تصوير الشخصية الرئيسية في طابع كاريكاتوري، فهو شديد الحماس لما يقوم به، يريد أن يحقق المستحيل حتى لو غامر بفقدان حياته، وفي الوقت نفسه هو الغريب القادم من الخارج الذي نشاهد الأحداث والشخصيات المختلفة على أرض الواقع البائس في الصومال، من وجهة نظره، ولكنه يصبح تدريجيا أكثر إدراكا لخطورة الواقع الذي يتحرك فيه، خاصة بعد أن تذيع قصة ولعه الشخصي بـماريان.

وتصبح المفارقة أنه ذهب إلى الصومال من أجل هدف شخصي أناني، أي للحصول على قصة ترفع من شأنه وتحقق له حلمه في أن يصبح صحافيا ذا شأن، سرعان ما يجد نفسه هناك أكثر إدراكا وفهما لمشاكل الناس، ولرغبتهم في الحصول على أولويات الحياة، فهو يصبح شاهدا على حياة الفقر والفاقة والحرمان، وكيف يحرم الأطفال من التعليم والرعاية الصحية ومياه الشرب النقية. إنه يتعاطف معهم وبنفس الدرجة يتعاطف الجمهور معهم من خلاله، ولكن من دون أن يفقد الفيلم طابعه الكوميدي الخفيف مع خلوه تماما من مشاهد العنف.

يستعيض المخرج بذكاء شديد عن تصوير عمليات اختطاف السفن، وما يتعرض له أفراد طواقمها، وعمليات التفاوض بين الخاطفين وملاك السفن المخطوفة.. وغير ذلك، بالرسوم المتحركة البديعة التي تصور تصويرا دقيقا موجزا، كيف يعتلي القراصنة السفينة، ثم يهاجمون طاقمها، دون إطلاق النار، وصولا إلى تصوير إلقاء حقائب الدولارات أي الفدية، من الجو وتتعالى صيحات الفرح من الشباب الصوماليين البؤساء الذين سيتقاسمون المال لشراء ما يكفل لهم البقاء على قيد الحياة.

ما يميز الفيلم رغم استناده على فكرة البطل الغربي القادم من الخارج والذي يصبح شاهدا ثم متعاطفا، يشاهد الجمهور ما يحدث من وجهة نظره ويمكنه التماثل معه، إلا أن الصوماليين في الفيلم ليسوا مجرد ديكور أو شخصيات ثانوية هامشية بل شخصيات أساسية لها حضورها ووجودها الأساسي في الحبكة ومسار تطور الأحداث.

ولا يخلو الفيلم من مشاهد خارجية كثيرة تحمل الطابع التسجيلي المباشر على الرغم من أن تصويرها جرى في ضواحي مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا. هنا نشاهد الأطفال يلعبون في الشوارع ونلمح بوجه خاص الفتيات الصغيرات المحجبات، والأفريقيات اللاتي يغشين السوق بالحجاب، والبيئة مشابهة تماما للبيئة الصومالية.

ويتميز الفيلم بايقاع لاهث سريع، رغم ما يعتريه من بطء في ثلثه الأخير، كما يكشف السيناريو عن مواقف ومآزق جديدة مع تطور الحبكة، ومن ناحية الصورة يتميز الفيلم بجمال تصويره للبيئة في الصومال وكأنه يخلق تناقضا بين الطبيعة الساحرة وبين حياة الفقر التي يعيشها الصوماليون. وعلى حين يبدأ الفيلم كما لو كان مشروع مغامرة عابثة قد تبوء بالفشل، ينتهي وقد حقق بهادور حلمه، وأصدر كتابه الذي يلفت الأنظار إلى أهمية فهم ما يجري في الصومال، وأنه ليس مجرد أرض للقتل والقتال والفوضى.

اقتراب البطل من ماريان كان محفوفا بالمخاطر

وفي حوار بين بهادور وماريان قبل أن تودعه تقول له إنها تأمل أن تكون أفلام هوليوود عن الصومال أكثر مصداقية، وأن تصور الصوماليين على حقيقتهم، وليس كما جاء في فيلم “سقوط البلاك هوك” Black Hawk Down. وربما تكون هذه أهم رسالة يرسلها الفيلم بعد أن يضعها على لسان فتاة صومالية.

عن التمثيل

في المشهد الأخير نشاهد بهادور جالسا أمام أعضاء لجنة الأمن القومي الأميركي يقدم لهم نفسه باعتباره مواطنا كنديا يقيم حاليا (في مارس 2012) في نيروبي عاصمة كينيا وأنه يرأس تحرير “التقرير الصومالي”، الموقع الوحيد باللغة الإنكليزية عن الصومال. وعندما يطلبون نصيحته من أجل حماية السفن ومكافحة القرصنة، يخبرهم بضرورة احترام ثقافة الصوماليين والتعامل معهم باحترام كأنداد.

لا شك في نجاح الممثل الأميركي إيفان بيترز (30 سنة) في القيام بدور بهادور، فهو ينجح في تجسيده في نزقه وحماسه ورعونته وغضبه، وما يتمتع به من روح المرح والقدرة على الإنجاز في كل الظروف، ثم كيف ينضج على نار التجربة مع تعاقب الزمن، فالفيلم يمتد من 2008 إلى 2012، وتتغير سحنة البطل فيطلق شعره ولحيته، ثم يصبح في النهاية بعد عودته إلى الوطن وتحققه، أكثر رزانة وقدرة على المناورة حتى مع أستاذه باتشينو.

ينتهي الفيلم بقائمة للصوماليين الذين ظهروا فيه سواء من الممثلين المحترفين مثل باركاد عبدي (في دور عبدي)، أو الممثلين الثانويين من المحترفين وغير المحترفين الذين هاجروا من بلادهم وأصبحوا من اللاجئين، وتظهر أمام أسمائهم تواريخ لجوئهم إلى الغرب. وإلى هؤلاء جميعا أهدى المخرج فيلمه.

ناقد سينمائي مصري

16