ظاهرة الإسلام السياسي تستدعي بحثا يقرأ خصوصية كل تجربة

موضوع الإسلاميين والحكم، هو من المواضيع التي تثار بشدة مع صعود تيار الإسلام السياسي وتزايد التأييد الشعبي له خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وكان هذا السؤال حول طبيعة النظام السياسي ونظام الحكم لدى الإسلاميين، يثار غالبا في شكل ثنائيات نظرية عن الإسلاميين والديمقراطية، الإسلاميين والحرية، وغيرها من الثنائيات التي كان يراد باستحضارها، البحث في مدى إمكانية احترام الإسلاميين لمبادئ الديمقراطية والحرية في حال وصولهم للحكم، وتسلمهم لزمام السلطة.
الأربعاء 2016/07/13
حركة النهضة تحاول مجاراة الخصوصية التونسية

هبوب رياح التغيير السياسي القادمة من تونس، جعل النقاش يعود مجددا حول طبيعة تصور الإسلاميين للنظام السياسي ليطفو على السطح، وبمنحى أكثر جدية، بعد أن أصبحت التنظيمات الإسلامية في دول الربيع الديمقراطي، هي المرشحة الأولى للفوز بالانتخابات، وتسلم السلطة السياسية في هذه البلدان، خاصة وأنها قد أظهرت قدرة تنظيمية وتأييدا شعبيا، افتقدت إليه بقية التيارات السياسية القومية واليسارية والاشتراكية.

إن تتبع مسار هذه الحركات الإسلامية من موقع السلطة، يجعلنا نخلص إلى القول إن حركات الإسلام السياسي، وعلى الرغم من أنها تنطلق من مرجعية فكرية مشتركة قائمة على استحضار معين للموروث الديني، فإن ذلك لا يستلزم بالضرورة أن الفعل السياسي لمختلف هذه الحركات سيكون واحدا، حيث أن اعتبار وحدة المرجعية لا يعني حتمية تطابق الأداء والممارسة.

ظاهرة الإسلام السياسي ليست واحدة، بل فيها تعدد في المكونات، وفي التجارب، فهي متنوعة حسب الظروف التاريخية وخصوصيات الجغرافيا، وطبيعة النظام السياسي لكل بلد على حدة، وبالتالي فإن أي كتابة تسعى إلى تناول ظاهرة الإسلام السياسي كظاهرة واحدة، نظرا لوحدة المرجعية الفكرية، ولا تستحضر تعدد مكوناتها، لا يعني بالضرورة إلا الوقوع في مأزق التعميمات الجائرة، والتي تفقد أي قراءة قيمتها العلمية وقدرتها التفسيرية، وبالتالي فإن إصدار أحكام مسبقة ونهائية حول أي تجربة مستقبلية، في مدى إمكانية تعاطي التيار الإسلامي مع قضية السلطة والحكم، لن يكون إلا مجحفا، لأن الممارسة العملية وحدها هي الكفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.

الإطار النظري الذي يقدم عادة على أنه يمثل نظرية السلطة عند الإسلام السياسي، أثبت عجزه على الفهم والتفسير والتنبؤ

ممّا لا شك فيه أن وراء هذا التباين في نهايات كل من التجربتين المصرية والتونسية تقبع تساؤلات وإشكالات، وستدفع نحو إعادة ترتيب المكتبة العربية في ما يخص ما ألف حول التيارات الدينية وحركات الإسلام السياسي، فبالرغم من أن ظاهرة الإسلام السياسي ظاهرة قديمة لكونها ترجع إلى بدايات القرن العشرين، إلا أن ما ألف حولها يبقى ذا طبيعة سجالية، مدفوعة غالبا بهاجس أيديولوجي أكبر مما هي محكومة بغايات فكرية أو علمية، حيث أنه لم يؤلف إلاّ القليل في فهم الظاهرة بمعناها السوسيولوجي.

الإطار النظري الذي يقدم عادة على أنه يمثل نظرية السلطة عند الإسلام السياسي، أثبت عجزه في الفهم والتفسير والتنبؤ، كما أنه لم يستطع تجاوز مأزق التعميمات، فإحدى ثغراته المنهجية هنا، هي تعامله مع الإسلام السياسي كظاهرة واحدة ليس فيها تعدد بالمكونات، فتم إصدار أحكام نهائية حولها دون اعتبار الواقع الاجتماعي المتغير، والذي من المفترض أنه سيدفع هذه الحركات نحو التكيف والتأقلم معه.

وبالتالي فإن الإطار النظري الجاهز الذي ينطلق منه البعض من الباحثين عادة في تأطير قضية علاقة الإسلاميين والسلطة، لا يعبّر بالضرورة عن النظرية السياسية لحركات الإسلام السياسي في واقع الأمر، لأن النظرية لم تتشكل بعد، كما أنه من المحتمل أنه ليست هناك نظرية واحدة، بل نظريات حسب كل تجربة.

هذا الأمر، يعني أن النزوع إلى تحليل الممارسة السياسية للحركات الإسلامية على معطى الخطاب الأيديولوجي لها، والذي ينبني أساسا على استحضار رمزي لعنصر التراث الديني والتجربة السياسية التاريخية، قد أثبت عجزه عن تفسير الفعل السياسي لحركة النهضة الذي كانت مواقفه مناقضة لأدبيات الحركات الإسلامية.

الخطاب الأيديولوجي في هذه الحالة، والمتمثل في أدبيات حركة النهضة، لا يمكن اعتماده كآلية وحيدة لفهم السلوك السياسي لها. وهذا الأمر ينطبق على كل حركات الإسلام السياسي، فالعنصر المتحكم والفاعل في سلوك وفعل التيار الإسلامي ليس أطروحاتها النظرية والأيديولوجية، أي ليس مستوى وبنية الخطاب الذي هو في جزء كبير منه، متأثر بالتراث الديني ومنطلق منه في معالجة إشكالات الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

بل العنصر الفاعل، ـ بشكل شبه حاسم ـ هو الجدل مع الواقع الاجتماعي والسياسي، الذي تتحرك هذه الحركات ضمنه، والتي من المفروض عليها أن تسايره، لا أن تفرض عليه خطابها وتصوراتها.
حركة النهضة قدمت تنازلات على المستوى الأيديولوجي، كان أبرزها التخلي عن التنصيص الحرفي على الشريعة في الدستور الجديد

وكما أثبتت النهاية المأساوية لتجربة الإخوان المسلمين بمصر الفكرة القائلة إن الحركة الإسلامية لا تملك مشروعا سياسيا جاهزا لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية للناس، بقدر ما تملك خطابا دعويا صلبا وغير متغير، وهو ما يحتم عليها ضرورة التفكير في مرحلة “ما بعد الإسلامية”. تجربة حركة النهضة التونسية أثبتت أن التفكير في مرحلة “ما بعد الإسلامية” سابق لأوانه، لأن ظاهرة الإسلام السياسي لا تزال تتشكل ولم تكتمل بعد، حيث من المحتمل أن تتطور وتأخذ أشكالا أخرى، مع العلم أنها بدأت منذ بدايات القرن الماضي.

إن تجربة حركة النهضة التونسية، أظهرت بعض النضج السياسي والفكري، من خلال تجاوزها للفهم الآلي للديمقراطية باعتبارها آلية انتخابية فقط، والنظر إلى معركة الدستور باعتبارها موضوعا توافقيا بين جميع أركان المجتمع التونسي، ولا يمكن حسمها فقط بالأغلبية العددية.

قدمت حركة النهضة تنازلات على المستوى الأيديولوجي، كان أبرزها التخلي عن التنصيص الحرفي على الشريعة في الدستور الجديد، مقابل التوافق مع المكونات العلمانية في المجتمع على دستور ديمقراطي، وهو تنازل كبير جدا، مقارنة بأهمية موضوع الشريعة في أدبيات خطاب الإسلام السياسي.

إنه من اللازم أن تدفع الأحداث الجارية بالمثقفين والمتابعين لظاهرة الإسلام السياسي، إلى ضرورة تجاوز الإطار النظري السائد والجاهز في تناولها، والذي يقدم لنا على أنه الإطار النظري الوحيد والممكن في حين أن الظاهرة أكبر من أن تفهم عبر نموذج تفسيري واحد.

13