ظاهرة "التكريم" بالجملة في المهرجانات العربية

الأربعاء 2014/11/05

هناك داء قديم يستعصي على العلاج، يتمثل في ولع مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي بالاحتفال بالأشخاص، بدلا من الاحتفال بالإنجاز الحقيقي في سينما العالم.

فهناك تنافس على تكريم الكثير من “أهل السينما” من العرب والمشتغلين فيها من ممثلين ومخرجين وأحيانا أيضا، مطربين، بل إننا نشاهد انتقال تكريم لشخصية معينة من مهرجان إلى آخر، كأنما المهرجانات تستنسخ الأفكار من بعضها البعض.

والحقيقة أن الأصل في فكرة “التكريم” أو الاحتفاء بشخصية سينمائية ما، أن تكون هذه الشخصية قدمت إنجازا فنيا مرموقا، ليس فقط على الصعيد الداخلي المحلي، بل على المستوى العالمي.

ويكون درع التكريم الذي يقدّم له، عن مجمل أعماله، وليس جائزة على دوره في فيلم محدد، وعادة ما يتمّ تكريم شخصية واحدة أو اثنتين، واحدة قريبة من ثقافة الدولة التي تقيم المهرجان، والثانية من العالم، أي من خارج النطاق المحلي والإقليمي.

وكلما كانت الشخصية المكرمة ذات قيمة وسمعة دولية طيبة وإنجاز مرموق، كلما اكتسب المهرجان الذي يكرمها ويحتفي بها مصداقية أعلى.

أما التكريم “بالجملة” لكل من نريد أن نجاملهم -يصل العدد أحيانا إلى عشر شخصيات-، فهو أمر غير مقبول، بل ومستهجن ويجعل من المهرجان “الدولي” الذي يفعل ذلك أضحوكة ويفقده مصداقيته، خصوصا في حضور ضيوف أجانب لا يعلمون شيئا عادة عن تلك الشخصيات المحلية المكرمة.

والواضح أن هذا الإسراف في الاحتفاء والتكريم لكل من هبّ ودبّ، يرجع أساسا إلى الحرص على أن يقبل الضيف “المكرم” دعوة المهرجان، خاصة إذا كان من المشاهير الذين يتصور القائمون على المهرجانات في العالم العربي أنهم يمكن أن يضفوا رونقا على المهرجان، أمام أجهزة الإعلام التي تهتم كثيرا بوجود النجوم على حساب مستوى الأفلام ومخرجيها أو الاكتشافات الجديدة التي يمكن أن يقدمها المهرجان.

قبل سنوات قال لي صديق يتولى حتى اليوم إدارة مهرجان سينمائي معروف، إن الجهات الرسمية الداعمة لمهرجانه، تشترط عليه دعوة أسماء محددة، كلها من مشاهير العالم العربي في التمثيل الذين لا يعرف عنهم العالم الخارجي شيئا، ضمانا لحصول مهرجانه على الدعم المخصص له من الدولة.

ولكن تظل المشكلة في تلك العقلية التي تدير المهرجانات والتي هي أقرب إلى الصحافة السائدة. صحافة الاهتمام بالنجوم وأخبار النجوم، وماذا يرتدي النجوم، أكثر بكثير من الاهتمام بمستوى الأفلام التي يشارك فيها هؤلاء النجوم وقيمتها الفنية ومغزاها الاجتماعي والثقافي والإنساني.. وهذه هي المحنة الحقيقية.


ناقد سينمائي من مصر

16