ظاهرة التنمر عند الأطفال

الأحد 2016/05/01

تعتبر ظاهرة التنمر عند الأطفال ظاهرة خطيرة جدا وهي مُنتشرة بكثرة أكثر ممّا يتوقع الأهل والمُدرسون، وتعريف ظاهرة التنمر هي أن يمارس طفل أو مجموعة من الأطفال استعبادا نفسيا وأذى وتحقيرا لطفل آخر وأذيّته بشتى الطرق التي قد تصل حدّ الضرب والموت.

وخطورة تلك الظاهرة أن الأطفال الذين يخضعون لظاهرة التنمر غالبا ما يبقون صامتين ولا ينقلون معاناتهم لأهلهم أو لأساتذتهم. وللأسف عالم الكبار لا يتقاطع إلا سطحيا مع عالم الأطفال إذ يظن الأهل أن أولادهم بخير طالما أنهم يواظبون على المدرسة ويحصلون على علامات جيدة، هذه هي اللوحة التي يقيّم فيها الأهل والمدرسون أيضا نجاح الأولاد، بينما عالم الطفولة يعج بمختلف الأمراض النفسية حتى أن هنالك اختصاصا هو الطب النفسي عند الأطفال، وسُلطت الأضواء مؤخرا وبقوة على ظاهرة التنمر عند الأطفال، خاصة أن بعض الأطفال الخاضعين للتنمر قد انتحروا!

ثمة شر خام وعنف كامن في نفسية بعض الأطفال بسبب ظروفهم البيئية والاجتماعية، تجعلهم عنيفين ومؤذين فينتقون ضحية لهم يمارسون عليها هذا الابتزاز والأذى وغالبا ما يكون الطفل ضحية التنمر مُسالما وهشا لذا يسقط بسهولة في براثن الأطفال المُتنمّرين، وأذكر حالة طفلة كانت تخضع لابتزاز ثلاثة زميلات لها في صفها لتسرق أو لتطلب مالا باستمرار من أهلها، وكانت المسكينة تُحضر المال وهي تبتكر أكاذيب لأهلها، دون أن يخطر ببال الأهل أن طفلتهم قد تكون تعاني من مشكلة خطيرة وأذى نفسي بالغ، وأدى الأمر بهذه الطفلة الضحية التي لم تستطع الدفاع عن نفسها ولا أن تشكو زميلاتها المتنمّرات إلى المديرة أو تبوح بمعاناتها لأهلها، انتهى بها الأمر إلى الانتحار شنقا في غرفتها.

وأصبح التراكم العنفي في نفوس الأطفال من خلال سلسلة أفلام الرعب ونشرات الأخبار التي تؤدي -من غير أن يدرك المُشاهد- إلى ما يُسمى في الطب النفسي بظاهرة التراكم العنفي، أي يصبح الإنسان عنيفا رغما عنه ودون أن يعي مقدار عنفه، وغالبا ما يكون الأطفال ضحايا التراكم العنفي لأنهم لا يملكون الوسائل للدفاع عن أنفسهم، ولا أنسى حالة طفل في الصف الخامس الابتدائي راجع إسعاف المشفى الوطني، حيث أعمل، بنزف بولي شديد لأنه تعرض للضرب العنيف بالعصيّ على ظهره من قبل بعض زملائه في الصف.

هذا العنف عند الأطفال خطير جدا وتكمن خطورته في أن الكبار لا يلتفتون إليه ولا ينقّبون عنه إلا عندما تتفاقم الحالة ويُصبح الأذى فاضحا ولا يُمكن السكوت عنه، فكم من حالات لتلاميذ يتعرضون للسخرية والتحقير اللفظي والنبذ من قبل زملاء لهم في الصف، كما لو أنهم يستعبدونهم ويمارسون عليهم أبشع أنواع الاستعباد والتنمر، وكم يكون الطفل الضحية متألما ومذعورا وخائفا من تهديدات زملائه فيلزم الصمت ويُعاني بصمت وغالبا ما يعجز عن تحمّل معاناته لوحده دون وجود من يساعده فينهار أو يسقط ضحية مرض نفسي خطير، وقد يصل الأمر إلى الانتحار كما في حالة الصبية التي تحدثت عنها.

إن الصحة النفسية للطفل مهمة تماما مثل صحته الجسدية، وعلى عالم الكبار وخاصة الأهل أن ينتبهوا لسلوك أولادهم وأن يتقصّوا مظاهر العنف لديهم. إحدى الأمهات كانت تتحدث كما لو أنها تروي دعابة بأن ابنها لديه هواية حبس القطط الصغيرة في دورق زجاجي مُغلق والاستمتاع بمنظرها تموت مُختنقه! أليس هذا السلوك أكبر مؤشر على العنف الكامن في نفسية طفلها، هذا العنف الذي سينمو معه حين يصير شابا بعد سنوات وقد يكون بذرة مجرم.

كما على المدرسة أن تُخضع الأطفال لفحص عصبي نفسي كما يهتمون بفحص درجة الرؤية وفحص العينين، لأن معظم الأمراض النفسية هي تطور لانحرافات في الشخصية منذ الطفولة، تتفاقم مع الزمن. ولا يجب الاكتفاء بالعلامات والدوام المدرسي بل تجب مراقبة سلوك كل الأطفال في الباحة وأثناء اللعب، ويجب من حين إلى آخر أن يتحدث مُرشد نفسي مع التلاميذ الأطفال ويُنبّههم، ليس لظاهرة التنمر فقط وضرورة أن يبوح كل طفل لما يتعرض له من استعباد وإستغلال زميل أو زملاء له، بل ينبههم لخطر المخدرات والتحرش الجنسي، إلى ما هنالك من مخاطر تهدد الأطفال. وللأسف فإن نمط الحياة المُعاصرة، حيث يقضي الأهل معظم وقتهم في العمل ويعودون إلى البيت متعبين ولا يتبقى لهم من دور يلعبونه مع أولادهم سوى دور الشرطي ومن لغة سوى فعل الأمر “أُدرس، استحم، أُخلد إلى النوم”، يقلل من فرص البوح العميق بين الأطفال وأهلهم، فيعتقد الأهل أن أولادهم بخير، بينما يكون البعض منهم في أزمة تهدد كيانه كلية.

إن عبارة العقل السليم في الجسم السليم على بساطتها الظاهرية صحيحة تماما، إذ أن التعريف الدقيق للصحة لا يقتصر أبدا على صحة الجسد بل يهتم بالصحة النفسية، ولا يُمكن أن نقول عن إنسان إنه سوي إن لم يتمتع بصحة نفسية سليمة.

أخيرا أتمنى من المسؤولين في المدرسة من مدرسين ومدراء وكذلك الأهل أن ينتبهوا لظاهرة التنمّر والعنف الكامن في نفسية بعض الأطفال، كي يَقُوا زملاءهم من ظاهرة أصبحت شائعة بكثرة هي ظاهرة التنمر.

كاتبة من سوريا

21