ظاهرة العنوسة تنخر المجتمع الجزائري

الاثنين 2015/02/09
شبح العنوسة يطارد 11 مليون فتاة في الجزائر

الجزائر - تعرف ظاهرة العنوسة في الجزائر ارتفاعا كبيرا في السنوات الأخيرة، وقد أفرزت العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية التي تهدد بنية الأسرة والمجتمع، وحذّر خبراء اجتماعيون وسياسيون من خطورة تنامي الظاهرة على الأمن الاجتماعي للجزائريين، في ظل غياب خطة شاملة لتشجيع الشباب على الزواج.

ترجع ياسمينة سبب تأخر زواجها إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشباب الجزائري. فأزمتا البطالة والسكن اللتان تؤرقانهم، من الصعب تحقيق الزواج في ظلهما.

تقول ياسمينة، وهي موظفة تبلغ من العمر 42 عاما، بمرارة، إنها كانت مخطوبة لمدة 7 سنوات إلا أن خطيبها “فسخ الخطوبة وسافر إلى أوروبا”.

وعن السبب تضيف ياسمينة “لم يكن له سكن، ولم تكن أجرته كحارس بإحدى المؤسسات الخاصة تكفي لاستئجار بيت، فقررنا الانفصال بعد أن اشتدت علي الضغوط العائلية وانتقادات المحيطين بي”.

وباتت العنوسة، تشكل هاجسا لأكثر من 11 مليون فتاة، تجاوزن سن الـ 25 سنة، في الجزائر، من بينهن خمسة ملايين تجاوزن سن الخمس وثلاثين سنة، وبمعدل زيادة يقدر بـ 200 ألف عانس سنويا وذلك من مجموع عدد السكان الذي يقدر بـ 40 مليون نسمة، حسب إحصائيات سجلها الديوان الوطني للإحصاء (حكومي) في تقرير له خاص بعام 2013، نشر مطلع السنة الجارية.

وحسب الباحثة أمال عيسى من جامعة البليدة فإن “الأوضاع الاقتصادية السيئة التي عاشتها الجزائر خلال العشرية السوداء (صراع مسلح بين الدولة الجزائرية وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لـ “الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإسلام السياسي” منذ أواخر 1991 حتى بدايات 2001) تأتي في قائمة أسباب ارتفاع ظاهرة العنوسة”.

الظروف الاقتصادية الصعبة للشباب أدت إلى تأخر سن الزواج لبعضهم وهجرة البعض الآخر إلى أوروبا وأميرك

وأكدت أمال عيسى في بحثها المعنون “ظاهرة العنوسة في الجزائر”، قدمته لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع بجامعة البليدة العام الماضي، “أن الظروف الاقتصادية الصعبة للشباب أدت إلى تأخر سن الزواج لبعضهم وهجرة البعض الآخر إلى أوروبا وأميركا مما انعكس سلبا على تأخر سن زواج الفتيات”.

وتقدر نسبة البطالة العامة في الجزائر بقرابة 10 بالمئة وتصل إلى 30 بالمئة في أوساط الشباب، حسب أرقام رسمية.ا

وتابعت أمال “كما أن هناك تحولات اجتماعية وثقافية عرفها المجتمع الجزائري، وتبدل اهتمامات المرأة نفسها، حيث أصبح الاهتمام بالتعليم ورغبتها في الاستقلال المادي والمعنوي من الأسباب التي أدت إلى تفشي العنوسة، وهو ما جعل المرأة تبحث عن فارس الأحلام الذي يتوافق مع مستواها وطموحاتها المختلفة، فتصطدم مع مرور الوقت بشبح العنوسة وغياب النموذج المثالي الذي ترسمه المسلسلات الرومانسية”.

ويشكل الخوف من فشل العلاقة الزوجية سببا آخر للعنوسة بالجزائر، حيث ترفض نورة، أستاذة جامعية، الزواج خوفا من الطلاق، حيث تقول: “إن التنازل عن مبدأ التوافق بيني وبين شريك المستقبل هو انتحار مؤكد، والنماذج المحيطة بي تؤكد لي قناعتي بفشل العلاقات الزوجية التي يغيب فيها التوافق والاحترام بين الطرفين”.

وتضيف “الكثير من المتزوجات يعشن الجحيم يوميا في صمت، وهذا ما لا أرضاه لنفسي، فأنا أفضل وصف العانس على أن يشار إلي بالمطلقة، في المجتمع الجزائري”.

ويؤكد عزالدين حديدي، إمام مسجد “التوبة” بالعاصمة، أن السبب الحقيقي لظاهرة العنوسة “هو العادات والتقاليد التي أصبحت حاجزا منيعا أمام إقدام الشباب على الزواج، ورغم نداءات الأئمة بكل مساجد الجمهورية إلى تخفيف المهور وتمكين الشباب من الزواج وحماية أولادهم من الانحلال والفساد، لكن يبدو أن العادات أصبحت أكثر تأثيرا من المواعظ والنصوص الدينية”.

ظاهرة العنوسة في المجتمع الجزائري وراء الكثير من الظواهر السلبية التي تنخر المجتمع كالتحرش وتعاطي المخدرات والأمهات العازبات

ويروي في هذا السياق عبدالجليل، وهو موظف بشركة جزائرية يبلغ من العمر 32 عاما، كيف تم رفضه من طرف عائلة اتفق مع ابنتها على الزواج، والسبب عدم امتلاكه لسيارة وبيت مستقل عن العائلة، وأشياء أخرى فوق طاقته المادية.

“لا لغلاء المهور في الجزائر”، “الشعب يريد الزواج”، “معا لتيسير الزواج”، صفحات لشباب أقعدهم غلاء المهور عن الزواج على شبكة فيسبوك، أرادوا من خلالها توجيه رسالة إلى الأولياء بعدم المغالاة في مهور بناتهم، وأن يحرص الولي على اختيار شريك حياة لابنته من الشباب الذي يقدرها، ويقدس الحياة الزوجية بحلوها ومرها، لا من يملكها كبضاعة ثم يرميها بعد أن تستنفد صلاحيتها.

وأمام استفحال ظاهرة الغلو في مهور الزواج بادر عدد من الجمعيات الدينية إلى تحديد المهور لتيسير الزواج على الشباب، مثال ذلك ما أقدم عليه أئمة مدينة بريكة (شرق العاصمة) الذين أطلقوا مبادرة للقضاء على العنوسة بتحديد المهر بـ60 ألف دينار جزائري (600 دولار)، وهي المبادرة التي لقيت استحسان الجميع. إلا أن مثل هذه المبادرات يقول عبدالمجيد، وهو عامل يبلغ من العمر 52 سنة، “سرعان ما يتم التحايل على أصحابها، وذلك بالالتزام بالقيمة المحددة للمهر، لكنهم يطالبون بهدايا أخرى ثمينة”.

ويضيف عبدالمجيد “كانت لنا تجربة بمسجد حي بلكور بالعاصمة، لكن مع الوقت أفرغ الاتفاق من الهدف الذي تم من أجله”.

وترى نعيمة صالحي، رئيسة حزب العدل والبيان، وصاحبة “مبادرة تعدد الزوجات للقضاء على العنوسة والآفات الاجتماعية” الناتجة عنها، أن مبادرتها لإلغاء شرط موافقة الزوجة الأولى للزواج بالثانية، لا يمكننا من خلالها القضاء على العنوسة، وإنما “يجب على الدولة أن تشجع الشباب على الزواج عن طريق إنشاء صندوق وطني لمساعدة المعسّرين الراغبين في الزواج، وتمكين الشباب من حقه في العمل والسكن، العائقين الرئيسيين اللذين يقفان حائلا دون زواج الشباب في الجزائر”.

وبرأي علي شبيطة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة سطيف شرقي الجزائر، فإن “العنوسة ستقضي على الأسرة الجزائرية إذا لم يتم وضع خطة متكاملة بين جميع القطاعات لتفادي تناميها، خاصة وأن المؤشرات الإقتصادية بعد انهيار سعر البترول تنذر بزيادة ارتفاع معدلاتها”.

وأضاف شبيطة أن “ظاهرة العنوسة في المجتمع الجزائري وراء الكثير من الظواهر السلبية التي تنخر المجتمع، منها خاصة التحرش وتعاطي المخدرات والأمهات العازبات وحتى الأمراض، مثل الإيدز.

21