ظاهرة الكتابة للغير

مهما كان وصف حالة الكتابة للغير، فهي تظل حالة مؤلمة حقاً، ولا لوم على وصفها في بعض الأوساط الغربية، بأنها كتابة سوداء، ووصف من يمارسها بالكتّاب العبيد.
السبت 2018/03/03
يزداد الألم حين يكون الذي يضطر إلى الكتابة للغير مبدعا عظيماً

لا أشك في أن بعض القراء سيعترضون على العنوان، إذ أن حالة الكتابة للغير معروفة وشائعة، في الماضي والحاضر، غير أنها لا يمكن أن تعد ظاهرة، إذْ ظلَّت في حدود ضيقة، وظل طرفاها في كثير من الحالات يتكتمان عليها، على مبدأ، إذا بُليتم فاستتروا، وقد سبق لي أن كتبت عنها منذ سنين، من دون أن أعدّها ظاهرة، لكنني وجدت جديداً في ما يتعلق بالكتابة للغير، وهذا الجديد هو الذي قادني إلى أن أعدّها ظاهرة، ولكنها ظاهرة سلبية بجميع المقاييس.
إذ قرأت مقالة في إحدى الصحف العربية، يتحدث كاتبها عن إعلانات صحافية، يكشف فيها المعلنون عن استعدادهم لكتابة قصائد للمناسبات الاجتماعية، مثل الزواج والختان والوفاة والنجاح المدرسي وغير ذلك من المناسبات الاجتماعية.
لو توقّف الأمر عند هذا الحد، لهانت القضية التي نحن بصددها، غير أن الكاتب قال “لقد اتصلت هاتفياً بإحدى الجهات المعلنة، وسألت، إنْ كانوا يكتبون لي قصيدة غزلية، فقيل لي: نعم، نحن على استعداد لكتابة ما تريد وليس عليك سوى تحديد ما هو مطلوب، من هذه القصيدة، ونحن لدينا شعراء بمواصفات جيدة جداً، سيلبون طلبك!”.
ومن ثمّ سألت أحد معارفي، وهو قريب من المحيط الذي تناوله الكاتب، عما ورد في المقالة المشار إليها آنفاً، فأجابني: نعم، ولا تتوقف مثل هذه الكتابة عند المناسبات الاجتماعية أو قصائد الغزل، بل يمكن تلبية طلبات تشمل قصائد الرثاء والمديح، والهجاء أيضاً، وهذه المعلومات هي التي دفعت بي إلى القول بأنها ظاهرة، فمثل هذا العمل المنظم والعلني والذي يمارس حسب العرض والطلب، ليس من المبالغة أو تجاوز الواقع حين نعدّه ظاهرة.
ومهما كان وصف حالة الكتابة للغير، فهي تظل حالة مؤلمة حقاً، ولا لوم على وصفها في بعض الأوساط الغربية، بأنها كتابة سوداء، ووصف من يمارسها بالكتّاب العبيد.
ويزداد الألم حين يكون الذي يضطر إلى الكتابة للغير مبدعا عظيماً، تدفعه الحاجة إلى هذه الممارسة، كما عرفنا ذلك عن عبقري النثر العربي أبي حيان التوحيدي أو كما قرأنا عن عبقري الرواية ميغيل سرفانتس، الذي كتب للغير، سونيتات شعرية حيناً، أو كان يكتب للنساء الميسورات نصوصاً قصصية.
ومما أذكره على صعيد الكتابة للغير، وقد ضمنا في القاهرة مجلس أدبي، وكان بين الحاضرين شاعر معروف، وفاجأنا الشاعر الكويتي أحمد السقاف حين قال لذلك الشاعر المعروف: أنت شاعر كبير، كيف تُقْدِمْ على كتابة قصائد لامرأة لا تعرف كتابة اسمها؟ فلم يجب ذلك الشاعر عن هذا السؤال، ولم ينكر فعل الكتابة للغير واقتصرت إجابته على الصمت.
أما أكثر من عرفت في حياتي الأدبية، كتابة للغير، فهو الشاعر عبدالأمير الحصيري، أيام كنا نجالسه في مقهى عارف أغا، في شارع الرشيد ببغداد، وكان له زبائن يترددون عليه، فيكتب لهذا ديوان شعر، ويكتب لآخر كتاباً ذا موضوع ديني، يترزق منه، ويكتب لثالث قصيدة غزل، مقابل أقل القليل من المال، وقد شهدت خلال جلساتنا تلك، خصامه مع شخصين ممن يكتب لهما، كان يكتب لأحدهما خمسة أبيات من الشعر يومياً وللآخر وهو صاحب كشك لبيع الكتب، كتاباً ذا موضوع ديني، وكان الخصام معهما بسبب قلة ما يدفع له من المال.
وإذا كنّا نعرف دافع الكاتب الذي يكتب للغير، وهو دافع مادي في معظم هذه الحالات، حيث الفقر والحاجة، لكنني أجد الدافع عند الطرف الآخر حالة جد معقدة، ربما هي نتاج اختلال نفسي وشعور بالنقص وما إلى ذلك من عوامل سيكولوجية.
لقد توفرت لي من الحالات وأنا أتابع هذا الموضوع، بالقراءة أو بالمعايشة أو بالسماع، ما يحُيِّر فعلاً، ويصعب إدراك أسبابه ودوافعه.

14