ظاهرة المحقق الافتراضي تعكس انتشار نظرية المؤامرة في مصر

مواقع التواصل تحاكي دور المحققين في البحث عن المتهمين الحقيقيين.
السبت 2018/09/15
لا ثقة بين المواطن وجهات تنفيذ القانون

أفرزت مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة جديدة يلعب فيها بعض النشطاء دور المحقق أو المحامي في قضايا أصبحت تشغل الرأي العام. وبدت الظاهرة خرقا جديدا لعمل الجهات القضائية في مصر بعد أن باتت تشكك في مصداقية الأحكام وإثارة الهواجس حول نوايا القضاة وتبرئة المتهمين بدعوى مظلوميتهم.

القاهرة - أفرزت جرائم مثيرة شغلت الرأي العام ظاهرة فريدة لم تعرفها مصر من قبل، تمثلت في ميلاد محامين ومحققين على مواقع التواصل الاجتماعي، مهمتهم التحقيق في القضايا المثيرة إعلاميا وتبرئة متهمين وإدانة آخرين، استنادا إلى افتراضات يرون أنها منطقية.

تعكس المسألة شعورا عاما لدى قطاع كبير من جمهور منصات التواصل بضعف الثقة في جهات التحقيق الرسمية، وتفشي نظرية المؤامرة الحاكمة للعقلية الجمعية للكثير من المواطنين. وهو ما فتح الباب لتفسيرات جديدة بشأن قانون مكافحة جرائم الإنترنت، الذي صدّق عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أغسطس الماضي.

ويرى البعض من المراقبين أن مثل هذه الظواهر تدخل ضمن إثارة الشائعات وبلبلة الرأي العام والتحريض ضد الدولة.

وجاء أبرز مثال في منتصف أغسطس الماضي عندما أبلغ شاب ثري، يُدعى محمود نظمي (33 عاما) من مدينة ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية (شمال شرق القاهرة)، الشرطة باختطاف ابنيه، وبعد سلسلة من التحقيقات اعترف بأنه قام بإلقائهما في ترعة “فارسكور” شمال القاهرة، تحت تأثير المخدر.

ورغم اعتراف المُتهم في مقطع مصور بثته وزارة الداخلية، إلا أن عشرات الشباب من قرية المتهم شككوا في ملابسات القضية، وبثوا لقطات مصورة على موقع يوتيوب استعرضوا فيها أدلة براءة نظمي زاعمين أنه تعرض لضغوط من مسؤولين كبار بسبب الاتّجار بالآثار.

وتم تصميم العشرات من الصفحات على موقع فيسبوك، وهاشتاغ على تويتر بعنوان #محمود_نظمي_بريء. وتضمنت الصفحات العشرات من الحكايات للتدليل على سلامة القوى العقلية للمُتهم ومحبته الطاغية لأبنائه، بينما حلل آخرون أقواله اعتمادا على لغة الجسد ووضعوا نظريات تؤكد استحالة تنفيذ الجريمة بالطريقة التي رواها المتهم في اعترافه.

وصل الأمر بأحد الأشخاص أن بث فيلما له، وهو يحاكي المتهم في إلقاء طفليه من موقع الجريمة بالطريقة ذاتها الواردة في الاعترافات الرسمية، ليؤكد استحالة أن يتم ذلك في وضح النهار دون أن يراه المارة، ما أثار غضب الأهالي وتظاهروا مطالبين بالإفراج عن المتهم والقبض على القتلة الحقيقيين.

وتعرضت قضية أخرى قبل ذلك للتشكيك من جانب نشطاء الإنترنت، عندما تم العثور على أسرة مكونة من أب وأم وثلاثة أبناء مقتولين بالرصاص في فيلا بحي الرحاب، شرق القاهرة.

ورغم حفظ القضية قضائيا نتيجة تفسير جهات التحقيق للقضية بقيام الأب بقتل زوجته وأبنائه قبل أن ينتحر، إلا أن مغامرين أنجزوا تحقيقات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي انتهوا فيها إلى تصفية الأسرة بواسطة أحد كبار رجال الأعمال بسبب ضلوع عائلها في تجارة غير مشروعة مع أحد أصحاب النفوذ.

لم يقدم المحامون أو المحققون المتطوعون على مواقع التواصل أي أوراق تثبت علاقتهم بالبحث الجنائي أو القانون، غير أنهم استطاعوا بلباقة وحجج تبدو منطقية إقناع عدد كبير من المتابعين لخلق حالة غضب عامة.

بدأت حداثة الظاهرة وغرابتها تضاعف صعوبة جدوى تفسيرها. وربط خبراء بين فكرة اللجان الإلكترونية التابعة لجهات معارضة تسعى لتحريك الرأي العام لصالحها ورغبة البعض في فرض ضغوط على الهيئات المختصة لتبرئة متهمين.

ومثلت قضية جمال عبدالعظيم رئيس مصلحة الجمارك السابق، المتهم بتلقي رشوة من أحد رجال الأعمال منذ شهرين، أحد تلك النماذج لأن المتهم قبض عليه متلبسا، وعملت وسائل التواصل على تبرئته دون أدلة، بزعم أنه شخص نظيف أراد بعض المسؤولين التخلص منه.

اتخذت الظاهرة بعدا أوسع عبر محاولة رواد الإنترنت مزج الخيال بالواقع عن طريق الربط بين ما يشاهدونه في أفلام ومسلسلات تحكي عن جرائم قتل تشويقية مليئة بالفجوات والدوائر المعقدة، وبين الواقع المرتبط بالأدلة القانونية والبراهين.

ويريد هؤلاء أن يحققوا أحلامهم عبر مواقع التواصل بممارسة دور المحقق الخبير، وذلك من خلال ملء حياتهم بالإثارة عن طريق خلق قصص لا تستند إلى حقائق وتصديقها.

دعاء سليط: هناك أياد خفية قد تدفع إلى التشكيك في الكثير من القضايا
دعاء سليط: هناك أياد خفية قد تدفع إلى التشكيك في الكثير من القضايا

وأكدت دعاء سليط، الخبيرة في تقنية المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك أيادي خفية قد تدفع جمهور العالم الافتراضي إلى التشكيك في الكثير من القضايا.

وقالت لـ”العرب” “أي متابع لمنصات التواصل يعرف كيفية تأثير كتائب مسيسة، مثل لجان الإخوان الإلكترونية، في الرأي العام وقدرتها على قلب الحقائق وتزييف الأدلة والتشكيك في الروايات الرسمية بهدف إثارة الحنق والغضب”.

وشرحت كيف تابعت حسابات تروّج لآراء عكسية في قضايا تهم الرأي العام واكتشفت أنها حسابات وهمية، “نحن نعرف ذلك من خلال إغلاق الخصوصية وحداثة إنشاء الحسابات وعدم وجود متابعين أو معلقين”.

وأشارت سليط إلى أن ضعف الوعي العام، ووجود رغبة في تتبع الموضوعات المثيرة للرأي العام يساهمان في تفشي الأخبار الكاذبة وانتشار الشائعات.

كما أن هناك فئات من الجمهور غير المسيس تسعى للحصول على عدد أكبر من المعجبين والمعلقين، وتحاول تقديم قصص مختلفة تعتمد في الغالب على تحويل مجرم ما إلى ضحية أو العكس.

وفسر بعض الخبراء الظاهرة بارتباطها بحالة الغضب الكامن داخل النفوس ضد الحكومة، ما يجعل رواد منصات التواصل يصدقون أي تأويلات في قضية من القضايا، خاصة إذا كانت تُظهر الجهات الرسمية بمظهر الملفق والكاذب.

ويبدو المزاج الشعبي في مصر أقرب إلى الانتصار للخارجين على القانون والتماس الأعذار لهم، بل تحويلهم إلى أبطال، لأن هناك حالة سيولة على مواقع التواصل تتجاوز فكرة التعبير عن الرأي إلى التحريض ونشر الشائعات.

وأكد محمد ناصف، الخبير القانوني في قضايا الإنترنت، أن المواقع الإلكترونية أداة للتواصل الاجتماعي، والمفترض ألا تتعرض للقضايا المنظورة أمام القضاء، لأنه يمكن شراء جمهور افتراضي للإيحاء بوجود نزعة إلى تبرئة متهم أو إدانة بريء.

وأشار لـ”العرب” إلى أن تطبيق قانون مكافحة جرائم الإنترنت، من شأنه مواجهة سوء استغلال البعض لمواقع التواصل لخدمة أهداف بعينها، ودحر محاولات نشر
الشائعات التي تؤدي إلى عدم استقرار المجتمع.

19