ظاهرة النجومية في طريقها إلى الاختفاء

بوجود البصريات الأخرى التي يوفرها عالَم الاتصالات الجديد لم يعد النجم والبطل هو مَن يشغل المتلقي العام.
الخميس 2019/07/25
انتهى زمن التفرد والأحادية (لوحة للفنان سعد يكن)

حتى وقتٍ قريب، وقبل شيوع السوشيال ميديا وتفوق ظاهرة الصورة والبصريات وانفتاح العالم على ثورة الإلكترونيات الواسعة ومسمياتها الكثيرة، كانت “النجومية” أحد المظاهر البارزة في المشهد الثقافي والفني العربي، كأحد الموجّهات التي تستقطب المشاهِد والقارئ والمتابع في الفن والأدب والسينما وفي عموم المرافق الثقافية. وحتى قبل زمنٍ ليس بعيدا كنّا نتابع “النجوم” ونتسقط أخبارهم ونشاطاتهم المختلفة بصورة أحادية. بما يعني أن المساحة التي كانوا يشغلونها، فنًّا وأدبا، هي مساحة واسعة جدا في الاستقطاب الفردي الذي درجنا عليه عقودا طويلة. وهذا يشير إلى حجم التأثير الذي يشكله هؤلاء النجوم في الحياة العامة.

غير أن ظاهرة “النجومية” تكاد تختفي فعلاً مع العصر الإلكتروني الذي قضى على ظاهرة التفرد وأحادية البطولة، لاسيما في المجالات الفنية التي تخاطب الجمهور مباشرة وتعوّل على استجاباته في تَقصّيه الدائم للجديد من المشاركات المقبلة.

وحتى في المجالات الأدبية وبالرغم من اتساع رقعة الإشهار بواسطة تطبيقات إلكترونية كثيرة، فإن مفهوم “النجم الأول” يكاد يتوارى في زحمة الكتابات الكثيرة التي نطالعها في كل الوقت. وهذا من ملاحظات الحياة الثقافية العربية العامة التي يمكن أن نتلمسها بوضوح. على أن هذا التشخيص ليس كافيًا لتوثيق المتغيرات الكبيرة التي تسببت بها ثورة الإلكترونيات المباشرة، لكن بالإجمال وحينما نتقصى الوقائع سنجد مثل هذا قد حصل فعلاً وأن “النجومية” التي كنا نلاحقها ونستقصي أثرها قد أخذت تضمحل بالتدريج مع الوقت. وأن “النجم” الواحد قد يضيع في زحمة النشاطات العالمية المتعددة ذات العلاقة المباشرة والسهلة مع المتلقي العام.

قد تكون السينما العربية هي الأكثر بروزًا في هذا التشخيص بغياب النجم – البطل الذي يستحوذ على نسبة عالية من المشاهدة، ومثل هذا فإن الأدب العربي افتقد الشاعر “الأوحد”، الذي يشكّل مهيمنة أساسية في الوجدان الشعري، ولعل الفن التشكيلي لا يتخلص من هذه العقدة التي فرضت جوهرها على مثل هذا الصعيد الذي نبحث فيه.

ولا تشذ قاعدة الغناء عن هذا التحول السريع في منظومة الطرب العربي المشتتة هذا اليوم، بعدما ضاع الكثير من أصالة هذا الفن في سهولة التعاطي الغنائي وشيوع البرامج الشبابية ذات الصلة والحفلات الوهمية وعدم الضبط في صفحات التواصل الاجتماعي واستسهال الفن الى أبعد الحدود من دون توجيهات ودراسات علمية وفنية، بما يقترب من تشكيل جمهور سطحي ابتعد عن القراءة العميقة والتجأ إلى سهولة العلاقة في هذا الإطار.

في الغناء لن تتكرر أم كلثوم وفيروز وعبدالحليم ونجاة الصغيرة وفائزة أحمد وناظم الغزالي وسيد مكاوي. فهذا جيل خُلق لمرحلته بمواصفاتها الفنية والذوقية المعروفة، وفي التمثيل يستحيل أن يعود ممثل يشبه أحمد زكي وفريد شوقي ورشدي أباظة ومحمود المليجي وأحمد رمزي ونادية لطفي ونور الشريف ويسرا وعادل إمام وبوسي وليلى علوي، وفي الرواية لا يمكن استنساخ نجيب محفوظ. وفي القصة يبقى يوسف إدريس علَمَها الكبير، وفي الشعر لن يعود بدر شاكر السياب ولا الجواهري. وفي المعرفة العامة ليس هناك طه حسين آخر أو علي الوردي.. والأمثلة العربية وفيرة جدًّا.

فهل فعلاً أن الثورة الإلكترونية قضت على ظاهرة “النجومية”؟

نعتقد أن هذا صحيح إلى حد مسموح به أن نقول إن المتغيرات الإلكترونية في الحياة اليومية أظهرت مزايا رئيسية في التعامل اليومي، وألقت بظلالها على الحياة الثقافية التي امتدت فقراتها في هذا العالم الحيوي، وبالتالي لا بد أن تستجيب وتتعامل وفق هذه المزايا، فالنجم السينمائي الآن ظاهرة جماعية وليست فردية كما كان يحصل سابقا، فزمن السوشيال ميديا زمن مباشر يقتنص الوقت ويمضي معه إلى آفاقٍ أكثر رحابة وتوصيلاً، ولم يعد النجم والبطل هو من يشغل المتلقي العام بوجود البصريات الأخرى التي يوفرها عالَم الاتصالات الجديد (التلفزيون الفضائي – اليوتيوب مثلاً) لذا لم نعد نشهد تدفقًا فيلميّا كالسابق، ولم يُفرز نجوم عرب ما بعد الإلكترونيات؛ ويبدو أن الصناعة السينمائية العربية في طريقها إلى الكساد، فالأفلام العالمية بحساسيتها الجديدة كثيرة وبالإمكان مشاهدتها في أي وقت، يقابل هذا انحسار بَصَري عربي، بمعنى قلّ الإنتاج السينمائي، ومع هذه القلة انحسر النجم – البطل.

صارت المنافذ الإلكترونية وسائط سريعة للشعراء من الذين كانوا يشعرون بالتهميش في ظروف انتشار الصحف الورقية، وباتت جوائز الرواية العربية أكثر صلة بالمؤلفين الجدد أيضا من دور النشر التي تحاول أن تستحوذ على الغنيمة بالنشر والدخول في هذا الميدان المفتوح للجميع على حسابات فنية كثيرة أُشير إليها أكثر من مرة، بمعنى غياب النجم الروائي الذي تعرفنا عليه سابقا أمام هذا الزحف السردي الكبير، وهذا يحيلنا إلى الشاعر الذي كنا نرى قامته الشعرية الطويلة، بينما انحسر مثل التوصيف في الوقت الحاضر، فالشعر “المسفوح” الآن في الفيسبوك وتويتر والإنستغرام وغيرها يحجب حقيقة الشعراء وحقيقة الشعر.

14