ظباء كيوجي

عدم قدرة البشر على توقع الحدث باتت، بعد فضيحة كورونا، غير مقبولة، فمن يصدّرون أنفسهم لقيادة العالم، سواء كانوا سياسيين أو علماء أو مفكرين أو مستقبليين، لا يجوز أن يواصلوا قول تلك العبارة الساذجة الخالية من المسؤولية "لم نكن نعلم".
الجمعة 2020/08/21
كيوجي كويكب يُحرج ناسا

كيوجي هذا تقول عنه ناسا الأميركية إنه كويكب عبر هذا الشهر قرب الأرض على مسافة تقل عن الكيلومترات التي تفصل ما بين بغداد وصنعاء. ولم يحدث شيء. لا الأرض تأثرت ولا الضيف العابر اهتّز له جفن.

ليس هذا هو الخبر. إنما الخبر في أن الكويكب تم رصده بعد عبوره بست ساعات بواسطة التلسكوب “زويكي ترانسيينت فاسيليتي”، ولم يكن أيٌّ من علماء أكبر المراكز الفلكية في العالم يدري عن أن كويكباً سيمرّ بنا قبل ذلك.

وقعت ناسا في الإحراج، فتذرّعت بأن مثل هذه الكويكبات كثيرة، وأنه أمرٌ عادي ألاّ يتم رصدها، إلا في حال كانت متوجّهة نحو الأرض مباشرة. وطبعاً هذا كلام فارغ، لأن المرصد ذاته الذي رصد الكويكب قال إن الأخير حرف مساره بدرجة 45 درجة واقترب منّا بفعل جاذبية الأرض. ما يعني أنه كاد يتوجه صوبنا كما حصل قبل سبعة أعوام في روسيا حين شرّفنا نيزك صغير طوله عشرون متراً فقط، فأصاب وجرح أكثر من ألف إنسان.

اللافت ليس في كل ما سلف، بل في شكل هذا الكويكب الذي اتخذ صورة خطية، ومن المعروف أن الكتل الفضائية تقوم العوامل والزمن بتكويرها ونحتها، لكن هذا الجسم لم يكن يبدو كروياً ولا قريباً من ذلك، بل بدا وكأنه صاروخ أو مركبة منتظمة الاستطالة، ما يشي بأنه قد لا يكون من صنع الطبيعة. من يدري!

الفكرة أن عدم قدرة البشر على توقع الحدث باتت، بعد فضيحة كورونا، غير مقبولة، فمن يصدّرون أنفسهم لقيادة العالم، سواء كانوا سياسيين أو علماء أو مفكرين أو مستقبليين، لا يجوز أن يواصلوا قول تلك العبارة الساذجة الخالية من المسؤولية “لم نكن نعلم”. إن لم تكونوا تعلمون فلماذا تجلسون على مقاعدكم؟

كان ابن كحلاء عرّافاً شهيراً في تاريخ العرب، ذكره العلامة جواد علي في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، كما ذكر الخطاط الأسدي وعروة بن زيد الأسدي. وكانت الحياة تمضي آنذاك بفعل خليط من العمارة اللغوية والخيال، ولم يكن أحد يقول “لم أكن أتوقّع”.

ومرّت غزالاتٌ ذات يوم أمام أحد أهل العرافة القدامى، فقال شعراً “ألم تدرِ ما قال الظباءُ السَّوانحُ، أطفن أمام الرّكبِ والرَّكبُ رائحُ. فكبّر من لم يعرف الزّجر منهمُ، وأيقن قلبي أنهنَّ نوائحُ“. ومن حركة الظباء عرف الرجل أن المكان تسكنه الأفاعي، فأخبر صحبه أن أمراً سيقع. وقد وقع فعلاً. ليس الأمر معقّداً إلى هذه الدرجة، التمسّك بعمود العلم الذهبي هو المخرج الوحيد من مفاجآت حصلت وقد تحصل. وقراءة اليوم والغد لا تصح من دون قراءة الماضي.

24