ظروف الأسر الصعبة رابط مشترك بين مندوبات المبيعات

صار من المعتاد وأنت تجلس في مقاه وسط البلد في العاصمة المصرية القاهرة أن تتقدم إليك على استحياء فتيات صغيرات السن يحملن حقائب ضخمة على ظهورهن وتهمسن لك بأنهن مندوبات مبيعات لشركات محلية ودولية، وبحوزتهن بضائع ذات خصومات مغرية تبدأ من العطور وحتى الأحذية، وتتوسل بك عيونهن “أرجوك اشترِ منّا”.
الأحد 2017/11/05
فتيات فشلن في الحصول على فرص عمل أخرى

القاهرة - في العاصمة المصرية تطاردك القاهرة في أماكن كثيرة إعلانات “مطلوب مندوبات بيع”، وتجدها معلقة على حوائط الشوارع وأبواب المحلات ومداخل ومخارج مترو الأنفاق وممراته، ودائمًا ما تتبعها عبارة “رواتب مجزية ومكافآت سخية”، ويعرف الجميع أن تلك الإعلانات لا تجتذب سوى فتيات الأسر الفقيرة اللاتي يحتجن إلى الإنفاق على عائلاتهن لفشلهن في الحصول على فرص عمل أخرى.

فبمجرد تقدم الفتاة للعمل بشركات الدعاية تلتقطها الشركة وتسلّمها العمل في نفس اليوم دون أن ترتّب لها تأمينات وعقودا وضمانات لأيّ شيء، فتنزل إلى الشارع فورًا لترويج بضائع تكون في الغالب مجهولة المصدر، وتدخل المقاهي والشوارع والأزقة والحارات التي يصعب الخروج منها دون التعرض لأضرار نفسية وربما جسدية.

تواجه الفتيات العاملات كمندوبات مبيعات تهكمًا وسخرية من الزبائن، بل وأحيانًا يتعرضن للتحرش اللفظي فيجبرن أنفسهن على التحمل من أجل بيع البضاعة، لأن رواتبهن لن تكون سوى نسبة من حصيلة المبيعات، وليست هناك بدلات انتقال ومواصلات، وعليهن التجول لعدة كيلومترات يوميًا على أمل البيع.

زينب مجدي، (25 عامًا) مندوبة مبيعات، قالت إنها اضطرت لمزاولة المهنة منذ سنّ مبكّرة للإنفاق على نفسها ووالدتها بعد أن هجرهما والدها وتزوّج بأخرى.

وأوضحت لـ”العرب” أن الظروف الاقتصادية الصعبة كانت وراء دخولها تلك المهنة وهي طالبة واستمرت في مزاولتها بعد التخرج بسبب القيود والمشكلات التي تواجه عمل المرأة بشكل عام.

والملاحظ أن كثيرين يتعاملون بازدواجية مع مندوبات المبيعات، ففي حين يرحّبون ويمدحون الصينيات اللاتي ينتشرن في طرقات وشوارع وسط القاهرة باعتبارهنّ نشيطات ويحاولن كسب رزقهن بأيّ وسيلة، إلا أنهم يرفضون عمل البنت المصرية بالمهنة ذاتها ويعتبرون ذلك جرأة غير مستحبة.

وأضافت زينب أنها عملت في البداية في المدارس المختلفة وبين الأصدقاء كمندوبة لمستحضرات التجميل، وكان عائدها غير مجزٍ، لكنها مع الوقت بدأت تتمرس في المهنة ولم تعد تخجل من البيع، وأصبح لها زبائن من الطلاب وأساتذة الجامعات بعدما فهمت السوق وانتقلت إلى بيع منتجات جيدة بصرف النظر عن السعر.

مندوبات المبيعات أنفسهن يتهكمن على واقعهن قائلات إنهن يشبهن دور الفنان المصري أحمد حلمي في فيلم “ظرف طارئ” وعليهن البيع بأيّ وسيلة ممكنة ومحاولة إقناع الزبون بالبضاعة بشتى الطرق، وأكدن أن الشركات تقبل على تشغيلهن أكثر من الذكور لأنهن قادرات على زيادة الأرباح.

“زينب” -مندوبة أخرى- قالت إن المعاملة الحسنة والابتسامة والوجه البشوش من أسلحة مندوبة المبيعات، فالبضاعة التي تحملها متاحة للجميع، لكن الاختلاف الوحيد الذي يميز مندوبا عن آخر هو الصبر واللباقة وحلاوة اللسان مع الزبون.

مهنة لا تجتذب سوى الفتيات اللاتي يحتجن إلى الإنفاق على عائلاتهن لفشلهن في الحصول على فرص عمل أخرى

مهنة مندوب المبيعات يمكن تصنيفها على أنها “مهنة خطرة”، نظرًا إلى إمكانية تعرض العاملات بها للتحرش، حتى أن محكمة مصرية أصدرت قبل عام حكمًا بسجن صاحب شركة 5 سنوات مع الشغل بعد ثبوت ارتكابه “هتك عرض” إحدى المندوبات ومحاولة اغتصابها داخل مقر الشركة بعد أن قام بإخلاء المقرّ من الموظفين، وتمكنت الفتاة من الهرب بعدما تعرضت ملابسها للتمزيق.

كما ألقت الأجهزة الأمنية بالمحافظات المصرية أكثر من مرة القبض على شباب بتهمة التحرش بمندوبات مبيعات جسديا، لكن الغالبية العظمي من الفتيات يرفضن الإبلاغ خوفًا من الفضيحة، لأن الأمر يتطلب إجراء تحقيقات مكثّفة وظهور أسمائهن بمحاضر الشرطة التي يتم إرسالها لأقسام الحوادث بالصحف والمواقع الإلكترونية.

العديد من فتيات المبيعات قلن لـ”العرب” إن التحرش اللفظي بات جزءًا من متطلبات الوظيفة ولا يبلّغن عنه، أما التحرش الجسدي فيجعلهن يفكّرن قبل المخاطرة المترتّبة على الإبلاغ عنه، خاصة وأن بعض المتحرشين يهددون الفتيات بإلقاء مواد حارقة على وجوههن حال الإبلاغ، والبعض الآخر منهم لديه معارف بوظائف مرموقة يقومون بتهديد البنت بالحبس وليس المتحرش.

الظروف الأسرية الصعبة تُعدّ الرابط المشترك الذي يجمع بين مندوبات المبيعات بمصر، حيث قالت سمر محمد، (19 عامًا)، إنها تزاول تلك المهمة بعدما حصلت على مؤهل متوسّط وفشلت في الحصول على أيّ فرصة عمل أخرى.

ولفتت في تصريح لـ”العرب” إلى أن التحرش اللفظي الذي تتعرض له مندوبات المبيعات لم يعد مقتصرا على مهنتهن فقط وإنما تتعرض له أيّ امرأة تعمل في مجال البيع، مثل بائعات الملابس داخل المحلات، واللاتي يتعرضن للتحرش من أصحاب العمل أو من زملائهن الذكور أو حتى من بعض الزبائن.

وأوضحت أن الفتيات يخترن الأماكن التي يبعن فيها بعناية، فلا يدخلن بيوتًا ويفضّلن المقاهي العامة القريبة من الميادين الكبرى ومواقف سيارات الأجرة زيادة في الحيطة، كما أنهن لا يدخلن البيوت إطلاقا، إذ يتولى المندوبون الرجال تلك المهمة، لكن بعض الفتيات مجبرات على الدخول للمنازل خاصة بائعات المنتجات المنزلية، وغالبًا ما يصحب الفتاة في هذه المهمة زميل رجل.

مشكلات مندوبات المبيعات لا تتوقّف فقط على ترويج البضائع بل إنهن يجدن رفضًا ومنافسة من زملائهن الذكور، وهنا أكد ميشيل سعد، مندوب مبيعات، أن الفتيات لديهن فرص أفضل من الرجال في العمل بتلك المهنة إذ يجدن تعاطفًا من الزبائن.

وأشار إلى أن مسألة أخرى وهي ما سمّاه بالزبون سيء الخلق الباحث عن النساء، والذي يتذرع بالرغبة في الشراء لاستدراج المندوبة ثم الحصول على رقم هاتفها المحمول أو عنوان صفحتها على موقع التواصل فيسبوك لإغرائها فيما بعد.

وأكد أن مهنة مندوب المبيعات فقدت رونقها بالنسبة إلى الذكور بعدما بات الزبائن ينظرون للعاملين بها نظرة متدنية كما لو كانوا متسوّلين، علاوة على أن الظروف الاقتصادية الصعبة جعلت المواطن ضيق النفس ويرفض حتى الاستماع لعروض البضاعة أو النقاش حول السعر، إلى جانب المعاملة السيئة من أصحاب المقاهي الذين قد يمنعون دخول المندوبين أو يطردونهم بزعم إزعاج الزبائن.

ويواجه مندوبو ومندوبات المبيعات على حد سواء إشكالية في التعامل مع الأجهزة الأمنية التي قد تلقي القبض عليهم ضمن حملات ضبط المتسوّلين، وكثيرًا ما تتم مصادرة ما لديهم من بضاعة على عكس البائعين ذوي الأماكن الثابتة بالشارع الذين يمثلون “عصبة” ويحمون بعضهم البعض.

وترفض الغالبية العظمى من مندوبات المبيعات بمصر الكشف عن أسمائهن أو تصويرهن أثناء البيع، وهن يبرّرن ذلك بأن أسرهن تعتقد أن الفتاة التي تمارس المهنة تجلس في غرفة بها مكاتب وتزاول التسويق عبر الهاتف، فإذا علمت الأسرة بأن ابنتها تدور على المقاهي والمنازل قد ترفض الأمر حتى لو كانت في حاجة للمال.

21