ظروف النص

الأربعاء 2014/08/13

في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، كان أغلب دارسي الأدب ونقاده، يسلطون الضوء على حياة الكاتب، والسياق التاريخي الذي أنتج النصوص الأدبية، قبل تحليل البنى الداخلية للروايات والقصائد والمسرحيات، بما هي تكوين لغوي ذو مقومات جمالية وتعبيرية خاصة. وكانت هذه الخطوة المنهجية تسمى في عرف النقاد، آنذاك، بتحليل “ظروف النص”. ولأن كلمة “ظروف” سيئة السمعة والحظ على حد سواء -نحن لا نلتجئ إلى الظروف إلا عند تمحل الأعذار- فسرعان ما زهد فيها النقاد الحداثيون، متمردين في نهجهم الجديد على ضرورات “السياق النصي”، على اعتبار أن الخطة كانت تهدف من ضمن ما تهدف إليه إلى تبرير حكم جاهز سلفا، قد لا تحتمله الدوال النصية.

بعدها ستتم التضحية بهذه “الظروف” كليا، ليتم النظر إلى النص بوصفه بنية لغوية دالة بذاتها، وغير مرتهنة للسياقات الحاضنة، وهكذا سنعيش مرحلة من التقويم العجيب، تساوت فيها نصوص المتنبي، بأشعار أوسكار وايلد، برباعيات صلاح جاهين، وصار التاريخ سبة، وحملا ثقيلا، وجب التخلص منه. لكن لم يدر في خلد أي دارس أدبي حينها أن بتر “الظروف” يمكن أن يفضي إلى بتر الأطراف، وأن الفصل ما بين “النص” و”زمنيته” يمكن أن يؤدي إلى فصل الرؤوس عن الأجساد.

فما وقع إثر انتكاسات ما سمي بالربيع العربي، هو أن أغلب من ورثوا الانتفاضات الشعبية، كانوا أناسا “لازمنيين”، أو غير راغبين في إدراك “ظروف النص”، وفي أفشل الحالات كانوا ممن تأصل في ملتهم واعتقادهم أن النص يمكن أن ينفض عباءته من لوثة التاريخ، وأن يعود كما كان أبيض من غير سوء، بحيث تصير الآية الرابعة من سورة “محمد”: “فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منّا بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها “، بمثابة دعوة صريحة إلى فصل الرؤوس، لا نصا مرتبطا بسياق حربي يعود لما قبل أربعة عشر قرنا. ومن ثم يجد فيها المجاهد الجديد، (خارج الظروف) تزكية لنزعاته الدموية غير المفهومة إلا كانحراف بربري.

فصل “النص” عن “الظروف”، إذن، هو التمهيد الطبيعي لفصل الرأس عن الجسد، كما أن الإعدام بقطع الرأس ليس مجرد وسيلة دموية لإثارة الرعب في نفوس الأعداء المفترضين، بل هي سلوك ذو بعد رمزي؛ فضرب الرقاب هو وسيلة قتل، لكنه يمكّن القاتل من الاحتفاظ بالشخص هنا والآن، حيا بشكل رمزي، وميتا على نحو فعلي، فمن يقطع رأسه هو معدوم وموجود في الآن ذاته، معدوم في “الظروف” و”الزمن”، وموجود في “الصورة” و”النص”.

كاتب من المغرب

15