ظل قرار ترامب وعُودنا الأعوج

الجمعة 2017/12/08

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وطالب وزارة خارجيته ببدء الاستعدادات لنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس. الحدث ملأ الدنيا “العربية” وشغل الناس وتتالت المواقف المنددة والرافضة والشاجبة، والمعبرة عن قلقها من تداعيات القرار ومآلاته. فهل كان الوضع الفلسطيني والعربي والإسلامي، المتصل بالقضية الفلسطينية، سويا ومتماسكا وناجعا قبل قرار ترامب؟

السؤال ليس استدعاء لمقولات جلد الذات المعتادة في مثل هذه المنعرجات، وليس أيضا حاثا إلى التقاط الخطب الحماسية أو مرثيات ضيـاع القضية المعتادة أيضا في مثل هذه المحطات. السؤال يذهب إلى تشخيص الوضع الفلسطيني الداخلي والأداء العربي في ما يتصل بالقضية الفلسطينية منذ عقود.

الوضع الفلسطيني الداخلي كان ومنذ سنوات، مشوبا بانقسام سياسي طبع علاقات الفصائل وأصاب الجسم الفلسطيني بشلل طال جميع المستويات، وتحول التشظي الفلسطيني بين الضفة المعزولة والقطاع المحاصر إلى وضع مألوف، لم تنفع معه كل محاولات التداوي أو بحث سبل توحيد الفضاء الفلسطيني سياسيا وجغرافيا.

في المستوى العربي، ورغم أن قرار ترامب كان منتظرا على الأقل منذ باشر حملته الانتخابية، ووضع مسألة القدس وأمن إسرائيل في أعلى سلم اهتماماته السياسية والانتخابية، إلا أن ذلك لم ينتج أي تحرك عربي لإيقاف النزوع الترامبي المدعوم من لوبيات يمينية أميركية.

المثير للانتباه أن “إعلان القدس عاصمة لإسرائيل” لم يكن وليد اللحظة الترامبية، بل هو سليل قانون أميركي قديم عمره 22 عاما، وعدم تفعيله أو تنفيذه لم يكن يمنع العرب، بجميع مؤسساتهم، من العمل من أجل الحيلولة دون تحويله إلى واقع سياسي على الأرض.

قانون السفارة الأميركية في القدس (أو Jerusalem Embassy Act) حظي بمصادقة الكونغرس الأميركي يوم 23 أكتوبر 1995، كان يسمح للرئيس الأميركي بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالأخيرة عاصمة لإسرائيل بكل ما يعنيه من مفاعيل سياسية وواقعية، إلا أن الرؤساء الأميركان كانوا يتفادون تنفيذ القانون (بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما) إما تجنبا لما قد يحدثه القرار من تداعيات وإما مراهنة على خيارات التسوية السياسية التي تفاوت نسق الرهان عليها.

فهل عملت الأنظمة والمؤسسات العربية على عدم تحول القانون “المهمل” إلى واقع على الأرض أم كانت الانتظارية تسود الفعل العربي وتحوله إلى ردود فعل سلبية؟

قرار ترامب كان منتظرا على الأقل منذ باشر حملته الانتخابية، ووضع مسألة القدس وأمن إسرائيل في أعلى سلم اهتماماته السياسية والانتخابية

المثير أن القانون المشار إليه يذكر بقانون آخر وهو قانون تحرير العراق (Iraq Liberation Act) الذي تمت المصادقة عليه يوم 31 أكتوبر 1998 (قبل 5 سنوات من غزو العراق) وكان ينص على أنه “ينبغي أن تكون سياسة الولايات المتحدة داعمة للجهود الرامية إلى إزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق…”. ومع ذلك فإن ذلك القانون لم ينتج ردود أفعال دبلوماسية أو سياسية عربية تفصل بين الموقف من النظام العراقي القائم يومذاك، وبين التدخل الخارجي لإسقاطه.

الباب الآخر لقراءة قرار ترامب هو تحول مقاومة الاحتلال إلى مجال واسع للمزايدة السياسية أو للمتاجرة بها. ساعد على ذلك ركوب تيارات دينية على القضية الفلسطينية، حولت الصراع من صراع وجود وطني عربي إلى صراع ديني لا يمكنه إلا أن ينتج مشتقات طائفية ومذهبية متطرفة للفعل “المقاوم”.

ويكفي الاطلاع على أداء حركة حماس التي حولت قطاع غزة إلى ما يشبه الإمارة الإسلامية، وحزب الله الذي حول لبنان إلى فضاء لسلاح مواز لسلاح الدولة، فضلا عن إيران وتركيا (التي ترفع لواء القضية الفلسطينية باليد اليمنى وتحاور إسرائيل باليد اليسرى) للتأكد من كون التحرك على أساس تديين الصراع لم يفض على المدى العقود الماضية إلا إلى تراجع القضية حتى في مستوى سلم الاهتمامات العربية وتحول “المقاومة والممانعة” إلى ملكية تجارية للتيارات الدينية ومن يساندها ويواليها.

قرار ترامب أحال كافة القرارات الأممية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبوضع القدس، إلى رف التجاهل، ما يعني أن المدونة القانونية الأممية ذاتها لم تعد فاعلة في هذا الصراع كما في غيره، وأن حسم هذه القضايا يحتاج أولا إلى امتلاك أدوات القوة، الاقتصادية والسياسية والعلمية والسياسية، وهذا ما يجر إلى القول إن كل معاد للدولة المدنية بكل ما تعنيه من مقولات سياسية حديثة لا يمكنه أن يمضي بعيدا في ادعاء المقاومة أو في التشدق بها.

المقاومة لا تنسجم مع الطائفية والمذهبية، بل إن هذه العقليات ستأخذ الفعل المقاوم من حقيقته المشروعة والشرعية، إلى مجاهل التطرف والتشدد وستحول نيرانها من المرمى المفروض (الاحتلال) إلى كل مختلف في الهوية أو في الدين أو في الطائفة أو حتى في اللون. الدولة المدنية تمكن المقاومين الحقيقيين وتفرض عليهم الإيمان بأن مقارعة العدو تحصل أيضا وضرورة بالديمقراطية وبالعلم وبامتلاك ناصية التوازن السياسي والاقتصادي.

ستنقضي موجة الإدانة والتنديد (والتعبير عن القلق أو التريث لدراسة الموقف) بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لنتبين أنه قرار “مفيد” من زاوية كونه قدم لنا درسا مؤلما مفاده أننا، نحن، من اعترف بالقدس عاصمة إسرائيل بكل ما وفرناه من مقومات التخلف والانقسام والتطرف طيلة عقود من عمر الصراع العربي الصهيوني.

كاتب وصحافي تونسي

8