ظمأ أعمق

الأحد 2017/05/28

عندما أراد الشاعر تعزيز إطرائه للمحبوب بملـمح الثقة العالية بالنفس زاد فقال إنه “واثق الخطوة يمشي ملكا”، وجرت العبارة على الألسن، بعد أن أسمعتها للناس أغنيةٌ كلثومية شجيّة، وقد بات يردّدها كل من يتوخّى وصفا أقصى لحال الثقة بالنفس. هي تذكير للإنسان، بأجمل وأرفع ما فيه، ولا تتوافر هذه القيمة الإنسانية دون إحساس الواثق بقيمة نفسه وجوهرها، ويسكن هذا الإحساس روحه فينعكس في كل حركة وموقف وفي كل سكون.

فلا شيء سيُرهب المرء وهو يسعى في مناكبها، حين تنبع تصرفاته من ذاته. أما عديم الثقة بالنفس فإنه يعايش شجارا دائما بين خواطره وطبيعته البشرية، طالما أن آراءه تخالف إدراكه للصواب بينه وبين نفسه. فهكذا إنسان يلازمه القلق من أمر لا قدرة لديه على تشخيصه!

عندما يكون واحدنا قادرا على نبذ الرديء من التطلعات والخواطر يضمحل في داخله الشعور بأن العيون تلاحقه وأنه ضعيف مطعون في شخصه وفي جدارته، وأن الآخرين يراقبون ويلحظون أخطاءه. فالواثق لا يكترث حين يقع في الخطأ ويأسف له. وشتّان بين من يحرص على ألاّ يخطئ تحاشيا للوم الآخرين، ومن لديه العزم نفسه، توخّيا للرزانة والرشاد والعدالة. فللثقة بالنفس مفاتيح أولها أن تتكثف روحه، فتجعله ينظر إلى ذاته كإنسان، لم ولن ينتهي مسعاه إلى الفشل، وأن يستمع إلى حديث هذه الذات. كثيرون ينقصهم التأمل ومحادثة النفس، فتراهم يديرون أمورهم ويعتمدون خياراتهم برعونة تصل بهم إلى تزعزع ثقتهم بأنفسهم.

إن ثمة مسؤولية تقع على عاتق الإنسان، لكي يرتفع بقيمته المعنوية. لعله يدرك ذلك بأحاديث باسمة ومتفائلة في الصباح، تنأى عن الحسد والبغضاء وعن كل ما يذهب به، كواحد من البشر، إلى الضآلة والاهتزاز. إنّ الوعي بطبائع الحياة، يقي النفس من قلق المقارنات الشخصي. فالآدميون يتنوعون في قدراتهم، ومتدرجون في الإجادة، غير أن كلاّ منهم يملأ خانته ويؤدي دوره. ولعل أهم ما يفعله واحدهم هو الاهتمام بقدرته هو وبما يستطيع إبرازه وتطويره، متنبها إلى مواضع القوة والضعف في أدائه، لكي لا يخيب له مسعى.

قرأت جبران خليل جبران مبكّراً. استهوتني شاعريته واستفهاماته التقريرية التي تحض على الفكرة التي تكمن في قلبها فلسفة الحب البديعة ذات المنحى الروحاني. فالمحبة لا تعطي إلا نفسها ولا تأخذ إلا من نفسها، وهي ملازمة لمن يحملونها، حتى تُبدّد أيامهم أجنحة الموت البيضاء. فواحدة أشجار السَروْ (السروة) والسنديانة، لا تنموان الواحدة في ظل رفيقتها!

24