ظمأ الصيف يعود بالمصريين إلى الأواني الفخارية

"كولمان الفخار" فكرة بسيطة يستخدم فيها تراث يألفه المصريون حيث يعتمد على إطلالة القُلة التي تروي الإنسان بشكل مختلف.
الأربعاء 2018/09/12
فكرة بسيطة وإنجاز شاق

لا تبدو العودة إلى حياة أجدادنا البسيطة من قبل البعض من باب الحنين إلى الماضي أمام التسارع التكنولوجي ورفاهيته الباهظة، بل تثبت تجارب الأولين جدوى نمط حياتهم وأدواتهم، فالمعمار القديم الذي يعتمد على الخشب والطين وسعف النخل يحافظ على البيئة ويقاوم البرد والحرارة، كذلك الأواني الفخارية التي أصبحت اليوم ديكورا في البيوت أثبتت منافعها الصحية، هذه الأدوات الفخارية أثبتت مقاومتها لغلاء الأجهزة الإلكترونية المتزايد يوما بعد يوم، ففي مصر عاد الناس لشراء الزير الفخاري الذي وقع تحسينه ليصبح بمثابة ثلاجة الفقراء التي توفر عليهم ثمن الكهرباء فأطلقوا عليه اسم “كولمان الفخار”.

القاهرة - في منتصف أحد أيام يونيو الماضي شديدة الحرارة، بحث الرجل الستيني صالح السيد عن مكان يشرب منه رشفة ماء فأرشده البعض إلى “زير” قريب فانفرجت أساريره قبل أن يكتشف أنه فارغ وبلا كوب.

تسرب الماء وغياب الكوب ألهما عم صالح الذي يقطن بمنطقة السيدة زينب، وسط القاهرة، كيفية تحويل هذا الإناء إلى ما يشبه الثلاجة حتى يحافظ على الماء وكذلك تركيب صنبور برفقة أبنائه في مصنعهم الصغير لإنتاج الأواني المنزلية.

في واجهة محطة مترو أنفاق مار جرجس، جنوبي القاهرة، التي تعج بآثار قبطية تشهد على حقبة عريقة، تقع الورشة التي ينتج فيها الرجل الستيني “الكولمان الفخار” بأسعار زهيدة تخفف عن المصريين نار الطقس وغلاء الأسعار.

فكرة “الكولمان الفخار” بسيطة يستخدم فيها تراثا يألفه المصريون، حيث يعتمد على إطلالة القُلة (إناء فخار يعود إلى العصر الفرعوني) التي تساعد على برودة المياه دون الحاجة إلى استخدام الكهرباء التي ارتفعت أسعارها مرتين خلال العام الماضي.

ويشكو المصريون من موجة غلاء منذ تحرير سعر صرف الجنيه، وإجراءات خفض دعم الطاقة التي بدأت في 3 نوفمبر 2016.

يقول صالح “الكولمان مصنوع من خامة جيدة من الطين، وهو الطين الأسواني، أشبه بالهبو (كحل العين)، يدخل في أحواض، ويتم عجنه ودمجه في بعضه البعض قبل أن يدخل مرحلة التصنيع”.

التصنيع يتضمن مرحلتين، وفق صالح، في الأولى تتم صناعته بشكل مبدئي وبه “رايش” (بقايا صنع الأدوات المعدنية)، وفي المرحلة الثانية تتم إزالة الزوائد منه حتى تكون الخامة جيدة ولا تجرح مستخدمها، وبعد ذلك يدخل إلى الفرن بدرجة حرارة 1100 درجة، حيث يحرق الطين بشكل جيد.

ويضيف “الطينة بعد حرقها، يتم وضع مياه عليها، وهنا تصفّي نفسها بنفسها وتصبح نقية تلقائيا. كما تصبح المياه باردة، وهذه الطينة مختلفة عن غيرها في كونها لا تؤدي إلى رشح المياه.

قُلّة فرعونية بصنبور
قُلّة فرعونية بصنبور

فالطينة الأخرى مساماتها عالية وبالتالي عند وضع مياه بها تتعرض للرشح، مثل القلة المعروفة عند ملئها بالمياه، فإنّها تجف بعد ساعة أو ساعتين، لكن الكولمان تستمر مياهه من الصباح إلى المساء، والأكثر أنّها تكون مياها نقية صالحة للشرب، وهذه فائدة الكولمان”.

ويتابع “نجري عملية صنفرة للكولمان، ثم بعد ذلك عملية تلميع، وهذا يعطي مظهرا جذابا مغايرا لملمس الطين العادي”.

ويشير إلى أنّه “عند ملئه بـ15 لترا من المياه يكفي طوال اليوم، ويجعل المياه باردة تقي المواطنين حرارة الطقس الشديدة دون وضع ثلج، كما أنّ هذه المياه نقية تروي الإنسان بشكل مختلف، وأفضل من الثلاجة المعروفة، لأنّ مياه الكولمان مياه طبيعية، تروي من يشربها”.

ويلفت الرجل الستيني إلى أنّ سعر الكولمان في متناول الجميع؛ إذ يتراوح بين 100 (6 دولارات) و220 جنيها (13 دولارا) حسب الحجم. ورغم سهولة الفكرة لكنّه يستلزم إنجازه وقتا طويلا؛ فتصنيع الكولمان الواحد يستغرق 12 يوما، كما أنّ الأمر يختلف حسب فصول السنة، ففي الصيف يكون التجفيف أسرع من الشتاء حيث يستغرق في الصيف أربعة أيام. ويلفت إلى أنّه يمكن استخدام الكولمان  كزينة، لا سيّما أنّ حجمه ليس كبيرا.

محمد علي، موظف بإحدى شركات التأمين (خاصة)، يقول إنّه حاول شراء كولدير (مبرد مياه) صدقة على روح أخيه الذي لقي مصرعه في حادث مروري، لكنّ ارتفاع السعر حال دون ذلك.

ويضيف أنّه وجد ضالته في هذا الكولمان الفخار، حيث اشتراه ووضعه أمام منزله صدقة على روح أخيه، مبررا شراءه بأنّ سعره مناسب إلى حد بعيد، إضافة إلى بساطته وإمكانية الحفاظ عليه بسهولة.

بدوره، يؤكد صالح أن أغلب الطلبيات تكون صدقة كون الكولمان الفخار، يقدر على شرائه الجميع.

خلطة من الطين الأسواني وبقايا معدنية
خلطة من الطين الأسواني وبقايا معدنية

ويطلب الرجل الستيني دعما حكوميا للمشاريع الصغيرة خاصة في أسعار الخامات التي تضاعفت؛ حيث أن ابتكاره يندرج تحت هذه المشاريع التي أكد الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، نهاية ديسمبر 2017، دعما حكوميا لها بمبلغ 200 مليار جنيه (11 مليار دولار).

ويقيّم محمود سرج، رئيس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير القطاع غير الرسمى في اتحاد الصناعات (مستقل تشرف عليه وزارة الصناعة) دعم الدولة للمشروعات الصغيرة بأنّه ملحوظ، لكنّ هناك حاجة إلى المزيد من الاهتمام.

ويضيف أنّ الأمر يتطلب كذلك المزيد من التحفيز لمساعدة الشباب على التسويق، وكذا التصدير من خلال زيادة دعم الصادرات لهم.

الخبير الاقتصادي فخري الفقي يعلق على فكرة عم صالح بأنّ الشعب المصري يتميز بأنّه قادر على التكيف مع أي زيادات في الأسعار.

ويضيف أنّ برنامج الإصلاح الاقتصادي له أعباء ثقيلة في البداية، تتمثل في ارتفاع أسعار السلع والخدمات جراء تحرير سعر الصرف وخفض دعم الطاقة وانعاكساتها على حياة المواطنين.

الفقي، وهو مستشار سابق لصندوق النقد الدولي، يتفق مع تلك الأعباء الثقيلة، لكنّه يرى في الوقت نفسه تحسنا في الأحوال المعيشية للمواطن، بزيادة مرتبه بنحو 10 بالمئة سنويا، ومعاش المتقاعد بنسبة 15 بالمئة سنويا، بالإضافة إلى زيادة مقررات الحماية الاجتماعية.

ووفق تجار، فإن سوق الأجهزة الكهربائية، لا سيما الثلاجات، شهد ارتفاعا كبيرا وسط حالة من الركود رغم دخول موسم الصيف الذي يشهد رواجا لبيع المبردات والثلاجات.

20