ظواهر وأمراض

الخميس 2018/01/18

سمِّها أمراضاً مستعصية أو ظواهرَ جيليّة أو مناخات سلبية أو أجواء غير محببة، فالتسميات كلها تصبُّ في نهرٍ واحد بالنتيجة، وهذا النهر يتسع أو يضيق حسب المكان ونظافته وضميره العام الذي يشي بالنوع، والنوع هنا ما يتعلق بالأدبي والثقافي والجمالي في محصلته الأخيرة، إذ لا تخلو الأوساط الأدبية من أورام وبثور وسرطانات يمكن تشخيصها بلا عناء تحت أي ظرف وفي أي زمن.

وفي الوسط الأدبي العربي بشكل عام يمكن أن تكتشف مثل هذه الأمراض والظواهر والمناخات بسهولة، لكن من الصعوبة أن تعثر على المعالجات الممكنة لدرء مثل هذه الأمراض أو التخفيف من وطأتها، فبعضها مزمن يستعصي العلاج معه لأنه مرض عابر للأزمنة والأجيال، والآخر ظاهرة موضعية ومسبباتها فايروسية مُعدية وغير مُعدية، والثالث مناخ موسمي ينتج عن تغيير في الطقس الإبداعي بشيوع أوردة دموية جديدة تختلف عن الأوردة القديمة في استنبات الجمال ومشتقاته ومحاولة الإسهام في نشر الجمال عبر القصة والرواية والقصيدة.

في الجو الأدبي العربي العام، ولا أقول العراقي الذي تضخمت فيه هذه الظواهر والأمراض، سنجد الكثير من المعضلات المَرَضية والتشويهات الخلقية التي لا مفر من أن نقف عندها، لكن لا نتعامل معها على أنها ظواهر مرضية ونصنّفها بدرجاتها الخطيرة أو الضعيفة أو الوسطية، بقدر ما نلتفت إلى الأسباب المؤدية إلى تلك الأمراض والتشوّهات والسرطانات الخفيّة أو الظاهرة منها وعلى قدر أهميتها أو قِدمها أو تكرارها في مثل تلك الأوساط الجالبة للأمراض على مدار الأجيال.

فهل أسبابها اجتماعية أم سياسية أم أدبية خارجة عن التصنيف الاجتماعي والسياسي لتستقر بذاتها كأمراض أدبية لا علاقة لها بهذا أو ذاك.. أم هي إنتاج أدبي خالص؟

التسقيط أحدها وهو مرض ساري المفعول مع الزمن ومسبباته تناوُبٌ جيلي ليس من الصحيح أن نغفله أو نلقي القبض عليه أو نضع العصي في عجلته السائرة، لذلك نجد أن الأجيال الجديدة مثلا تعاني من هذه الظاهرة المرضية في التشويه والرصد غير المبرر والإشاعة المضادة التي تدور حوله ومن ثم محاولة التسقيط بكل الطرق، وهذا الفعل جاء من السياسة وليس من المجتمع، فقاموس السياسة يتحمل مثل هذا الفعل، لذلك نجد أن “التسقيط” قائم في ما بينهم لا سيما إذا كانت ديمقراطيات الشرق الأوسط تتيح المجال على المنابر الحية وآخرها منابر التواصل الاجتماعي.

الغيرة مرض انتقل من الاجتماعي إلى الأدبي، وهو فعل يكاد يكون مخفيا لكن تبرّزه النعرات الغيرية القوية التي ترى في الإبداع الآخر ما يفوقها فنا وجمالا وإضافة، لذلك تتفرع منه الكثير من الفقرات التي تحاول أن تنال منه كالشائعات المضادة المشوّهة، والحقد غير المشروع والمبرر، والحسد كوليد يأتي من رحم الغيرة، لكن هناك غيرة إيجابية وهي فردية في الأغلب الأعم، لكنها قليلة عند الأقوام الأدبية، وهي ظرف دافعي يحاول بصاحبه أن يتخطى المتاح من الإبداع ويضعه في موقف مساهِم لا معرقل باعتبار أن الغيرة الإيجابية تولّد دوافع مضافة للمزيد من الإبداع، وهذه غيرة منتجة توطّد خلايا الإبداع وتزيد من تدفق النبض فيها.

ما يأتي من المجتمع من سلوكيات سلبية ينعكس إلى حد واضح في سلوكيات بعض الأدباء، وما يأتي من السياسة الوليدة لدينا يتوطن بشكل سريع كما لو هو انعكاس لا واعي في عقلية هذا أو ذاك، أو كأنما في المجتمع لا يكفي للمزيد من توسيع رقعة الخيبات فينا بإشاعة مناخات وظواهر وأجواء مَرَضية، في الوقت نفسه تدعونا الثقافة العامة وآدابها إلى أن نُعنى بالجمال ونشيعه وندافع عنه إلى آخر المدى.

هذه الظواهر والأمراض والأجواء والحالات موجودة في كل زمن ولا سبيل إلى التخلص منها على ما يبدو..!

كاتب عراقي

14