عائد أبوعمرو

هذه الصورة لا تخدعنا البتة، ليس الشاعري في الاضطهاد، بل الوقوف بشكل من الأشكال ضد البؤس الدائم، هذه الصورة شعرية حتى العظم، شعريتها متأتية من واقعيتها، إنها تجسد القدرة على تخطي الموت اليومي والتحول إلى مستقبل سنكون فيه حتما.
الجمعة 2018/11/02
هذه الصورة شعرية حتى العظم

نشر الصحافي لويس ستابلز في جريدة “الإندبندنت” مقالا ميلودراماتيكيا يترحّم فيه على ذكاء الإنسانية التي وقفت بإعجاب رومانسي أمام صورة فوتوغرافية، لم يستطع حتى هو، إلاّ أن يراها “مدهشة”.

الصورة التقطها المصور الفلسطيني مصطفى حسونة، خلال احتدام التظاهرات على الحدود الإسرائيلية، يظهر فيها المُحتج الغزاوي عائد أبوعمرو يحمل العلم الفلسطيني في يد ويحمل في الأخرى مقلاعا كاشفا صدره ووراءه الدخان.

صورة توثيقية وفنية على السواء، تآزرت فيها الرومنطيقية مع الواقعية والرمزية والغنائية، استطاع المصور أن ينتزعها من أحضان لحظة تحققها القصوى من صلب واقع دموي اعتاد أن يسيل على وجه العالم وكأنه مطر رقراق له منافع لا تحصى.

غير أن الصحافي لويس ستابلز اتجه من ناحية إلى تهميش رمزية الصورة، ومن ناحية أخرى أراد عن قصد أو غير قصد التبخيس بنوعية الجمهور الذي تعاطف معها ووجد فيها صدى شعريا مدويا لما يئن في داخله.

حبذا لو سُئل الصحافي عمّا وجده “مُدهشا” في الصورة التي لا “شعرية” فيها، وقد أبدى من خلال مقاله سذاجة في فهم قيمة الشعر خاصة حينما يتجلى في الواقع. كذلك أظهر ضحالة في فهم الأبعاد الفلسفية والنفسية والتاريخية والسياسية للوحات الفنية، لا سيما تلك التي تأخذنا إليها هذه الصورة، وهي أعمال من مرحلة النهضة التي جعلت الإنسان مركزا للعالم، جميلا، قلبا وقالبا، وبالفن الرومنطيقي الجاعل من الفرد بنظرته الخاصة إلى العالم محورا للأعمال الفنية، وبالفن الواقعي، وبالفن المعاصر الذي احتضن ما ورد آنفا.

لا مجال لذكر كل التساؤلات التي قد تعبر ذهن كل من قرأ مقال الصحافي، ولكن هذه بعضها: ما الذي وجده “مُدهشا” في هذه الصورة؟ ديناميكية تركيبها الفني التي ساقها إليها المصور دون أن يصنعها، أم واقعيتها المصهورة بالشعر والتي لم يستطع احتمالها؟ أم هو التناقض اللوني ما بين الخلفية الرمادية وسحنة الشاب الذي ظهر في الصورة، ولم  يكن قد عرّى صدره خصيصا للصورة، ولا هو انتظر إشارة المصور قبل أن يطلق الحجارة تجاه الجيش الإسرائيلي، ولا هو عقد العزم على أن يكون جميلا؟ وهل كان “لصالح” مصداقية الصورة إن كان عائد بشع المظهر؟ وهل الشعري مناف للواقعي؟ وهل يُمكن أن يكون أي شاب أو فتاة بشع الملامح في موقف كهذا؟ وماذا لو أجاب عائد أبوعمرو بأن اندفاعه ضد المحتل ليس أيديولوجيا، بل هو ناتج عن عدم قدرته على الفرار من غزة كما افترض الصحافي في مقاله، هل سيخفف ذلك من شاعرية الصورة؟ وهل حتمية استشهاد عائد (لا سمح الله) تعود إلى الصحافي ليحسم أمرها، لأن كل النهايات عليها أن تكون تراجيدية كي تكون واقعية؟

امتعض الصحافي في مقاله من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي الذين قارنوا الصورة برائعة ديلاكروا التي رسمها تخليدا للثورة الفرنسية، وبعد اعتباره ردة فعلهم “فاحشة” و”استجابات تفاهة” لما يحدث على أرض غزة كتب “لوحات مماثلة للوحة ديلاكروا زيّنت جدران المعارض لعدة قرون، مغمورة داخل إطارات ذهبية، شخصياتهم بعيدة، توفر لنا فانتازيا رومانسية عن عوالم قد ولت، قد تكون مبنية على أحداث تاريخية، لكن عقولنا يمكن أن تفهم بسهولة أنه لا يوجد شيء حقيقي وراء هذه اللوحة”.

إذن، لا يوجد شيء حقيقي وراء اللوحة، ربما مُبدعها هو فنان “مريخي” وأن الثورة الفرنسية لم تحدث على نسق ما كتبه الفيلسوف جان بودريار في “حرب الخليج لم تقع”.

يختم لويس ستابلز، قائلا “لا تدع هذه الصورة، لا يوجد شيء جميل أو شاعري في مسألة اضطهاد الفلسطينيين.. يستمر البؤس الدائم”.

هذه الصورة لا تخدعنا البتة، ليس الشاعري في الاضطهاد، بل الوقوف بشكل من الأشكال ضد البؤس الدائم، هذه الصورة شعرية حتى العظم، شعريتها متأتية من واقعيتها، إنها تجسد القدرة على تخطي الموت اليومي والتحول إلى مستقبل سنكون فيه حتما، وليس على غرار ما يُرسم لنا.

17