"عائد إلى حلب" رواية الأهوال

السبت 2014/01/04

إنها الحرب، تستنهض أجمل وأقبح ما فينا. إنها الحرب حين يغدو الوطن جملاً تصطف لتحكي قصة الوجع المكابر.

بهذه العبارات يصدّر السوري عبد الله مكسور روايته (عائد إلى حلب). أما الحرب التي يعنيها فهي هذه التي تدور في سوريا وعليها، والتي كان الكاتب قد أوقف عليها روايته الأولى (أيام في اباب عمرو).

تتقاذف الحرب الراوي إلى أن ترميه في حي سيف الدولة في حلب حيث الهيمنة لجبهة النصرة. وهنا، كما سيلي في غير مكان، تجأر الرواية أن الوقت هو وقت الحرب العمياء التي تأكل السوريين. كأنها حيوان بري في أدغال إفريقيا. إنها حرب دون مجتمع حرب، دون خطوط أمامية أو خلفية لإسعاف الجرحى، حرب مختلفة الأهداف باختلاف الأطراف المتحاربة. وباختصار: :هي سقوط ضحايا أبرياء وتدمير الوطن”.

في موقع آخر تخبر الرواية أنه لا يمكن لك في زمن الحرب السورية أن تمضي في رحلة دون أن تؤمن على حياتك من طرف ما من الأطراف المتحاربة، له حضوره وسطوته وارتباطاته على الأرض.

وقد تجسد ذلك في رحلة الراوي مع الصحفي الفرنسي من حلب إلى اللطامنة، حيث يقعان في فخ عسكري رسمي، سرعان ما سيهاجمه المسلحون فتنقلب الآية، ونقرأ أن كل شيء ممكن في الحرب على هذه الأرض، حتى انقلاب الأعداء إلى أصدقاء، وتخلّي الأخ عن أخيه، وإنقاذ عسكري لمعتقل تربطهما قرابة الدم، وهذا ما صادف الراوي حين ظهر ابن عمه العسكري في الجيش، فأنقذه. وتتابع الرواية القول: “في هذه الحرب يعود الضابط الذي كان قبل نومه ملكاً يأمر وينهي إلى معتقل مكان من كان يعذبهم، ومن كان معتقلاً يمسك بمفاتيح السجن، فتنقلب، المرايا وتتغير الألبسة فقط”.

تنادي الحرب أول ما تنادي الموت. وفي سوريا، كما يخاطب أحدهم الراوي، صار الموت اعتيادياً بعد آذار 2011، صار الموت يأتي على عجل ويمضي على عجل، ليترك على عجل أثراً يذهب على عجل أيضاً، بعد أن يحفر في القلب مكاناً. ولأن الموت قد فقد هيبته وسطوته في هذه الحرب، وفي هذه البلاد، فلنمض إلى ما دونه مما تناديه الحرب، وهو النزوح والتهجير والهجرة واللجوء والمخيمات. فقبل أن يصل الراوي إلى حلب، حل في (الريحانية) على الحدود التركية، حيث عاين المخيم الذي لا مقومات للحياة فيه، بل فيه انتظار الموت القادم، وحالة من العدم تترامى من مخيم الزعتري في الأردن إلى مخيّم كلس في تركيا. ولأن المخيم واللاجئين خزان من القصص، فقد اختار الكاتب من هذا الخزان ما أسنده لأصحابه، مومئاً إلى الوثائقية باكتفائه بالحرف الأول من اسم الشخصية التي تقص قصتها.

ومن ذلك (س. ك) اللاجئة من دير الزور، وكان زوجها قد قضى في انهيار سد زيزون عام 2001، كما قضى ابنها الوحيد مع الجيش الحر، لكن أحداً ممن كانوا معه لم يهتموا بها وبابنتيها اللتين تعرضتا للاغتصاب أمامها. وتتضافر القصص لتعزز الصور الإجمالية التي تقدمها رواية (عائد إلى حلب) عن مخيم اللجوء. ومن ذلك أولاء الشباب الذين ينتظرون المساعدات التي سمعوا بقدومها، وكذلك هم المراهقون الذين وقفوا في منتصف المخيم بانتظار فتاة تعبر “كي يفصلوا جسدها ويقيسوا طول ساقيها وتدوير نهديها”. ويحكم الراوي بأن هذا الأمر مقرف، وأن أولاء المراهقين عابثون. وإذا كان المخيم، بحسب الراوي، هو أكثر كيلو متر مربع على الكرة الأرضية ينعم بالحرية، حيث بوسعك أن تقول ما تري دون الخوف من أحد “فالموت قادم قادم”، ففي الصورة الكبرى للاجئين ما عاد أحد يخشى أحداً، إلا أن يكون حاملاً للسلاح، فحامل السلاح قد يخيف الجميع. واللاجئون الذين يتشاجرون أمام المساعدات “المغموسة بالمصالح” يقيّمون في جلساتهم التسليح، والعمليات، ومؤتمرات المعارضة، والدعم الأجنبي، ويرسلون لعنتهم على كل شيء، ويتذكرون كيف استضافوا العراقيين عام 2004 واللبنانيين عام 2006 “يتذكرون وفي قلوبهم غصة من بلاد العرب التي ترفض أن تعطي أبناءهم فيزا لزيارتها والعمل بها”

(عائد إلى حلب) رواية مغمسة بالدم والوجع والقلق، وقبل ذلك وبعده هي رواية لا تخشى لومةً في نقد الذات وتعريتها، مما بات ـ ربما ـ هو الضرورة القصوى لهذا الذي سنطوي سنته الثالثة في سوريا عما قريب.


*كاتب من سوريا

16