عائشة إبراهيم: ما يحدث في العالم العربي يقتضي أدبا جديدا

الكاتبة الليبية عائشة إبراهيم ترى أن كل إنسان يمكنه كتابة رواية أولى.
الثلاثاء 2019/10/01
التاريخ ليس دهليزا مغلقا

في إطلالة سريعة على المشهد الروائي العربي في السنوات الأخيرة، يمكننا أن نلاحظ ظاهرة انتشار وارتفاع عدد الروايات التي تأخذ من التاريخ مادتها السردية، ولهذا تفاسير كثيرة، لعل أبرزها رغبة الذات العربية المعتزة في العودة إلى المنشأ فيما يشبه إعادة ترتيب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتبة الليبية عائشة إبراهيم التي خيرت الاعتماد على التاريخ في رواياتها.

في روايتها الجديدة “حرب الغزالة” تطرق الروائية الليبية عائشة إبراهيم أبواب زمن لم يُطرق من قبل، وتستنطق أحداثها من الرسائل التي تركها الليبيون القدماء على جدران الكهوف، في صورة نقوش ورموز، ومومياءات مدفونة في سراديب مظلمة، قبل اكتشاف الكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية.

 وتشير إبراهيم إلى أنها من خلال عملها الجديد تعيد التأسيس لتاريخ ليبيا القديم وميلاد اللغة والفن والكتابة وفكرة التدين والبعث وطقوس التحنيط، وتخوض في قصص وعادات المجتمع الليبي القديم وهو يدجن الماشية ويزرع الحبوب ويتباهى بالفنون والموسيقى وتسريحات الشعر والثياب الأنيقة.

رسائل على جدران الكهوف
رسائل على جدران الكهوف

استعادة التاريخ

تنطلق عائشة إبراهيم في مشروعها الروائي الذي أسسته عبر روايتين “قصيل” و”حرب الغزالة” من التاريخ. وتلفت إبراهيم إلى أنه لا يوجد مشروع روائي يتحقق بمعزل عن التاريخ، كل الروايات تنغمس في التاريخ، وفن الرواية أساسا كان فن سرد التاريخ، ولكن التاريخ في رواية “حرب الغزالة” مثلا لم يحضر كوقائع مثبتة، بل كتدفق خيالي منطقي يمتح من السجل الأنثروبولوجي لإنسان ما قبل التاريخ، ويملأ الفراغات المغيبة عن تلك الحقبة، ويستحضرها في ذهن القارئ، ويطرح أسئلة من أجل إعادة قراءتها.

وتستطرد “لو تحدثنا عن تاريخ ليبيا القديم، ليبيا قبل التاريخ، أي قبل أن يعرف الإنسان الكتابة وقبل أن يدوّن السومريون والفراعنة تاريخهم بالحروف المسمارية، ثم الهيروغليفية، أي قبل 3600 سنة قبل الميلاد على حد أقصى، كيف يمكن أن نقرأ التاريخ الليبي الذي سبق ذلك الزمن؟ كيف نترجم تلك اللغة الرمزية التي ما زالت تحتضر على جدران الكهوف دون أن يفكك أحد شفرتها، كيف نؤرخ لحضارة عرف أهلها التحنيط والطب والزراعة وحياكة الثياب واختراع أصباغ قادرة على مقاومة عوامل التعرية عشرات الآلاف من السنين، وكل ذنبها أنها سبقت عصر الكتابة السومرية والفرعونية؟”.

لا تعتبر إبراهيم الرواية التاريخية وثيقة لقراءة التاريخ ولكنها بشكل أدق دعوة إلى إعادة قراءة التاريخ ومن زوايا مغيبة، وتضيف “في رواية ‘حرب الغزالة‘ ليست هناك أي مصادر تاريخية مكتوبة توثق تلك الحقبة، لا أحد يملك أي وثائق باعتبار أنه تاريخ سبق مرحلة ما قبل الكتابة، ولكن هناك أيقونات تتحدث على جدران الكهوف، هناك ما يزيد على عشرين ألف لوحة تمثل أكبر منجم للفن الصخري في العالم رصدته الأمم المتحدة بانتظار من يكشف شفراته، ولهذا لا يجب أن يكون التاريخ دهليزا مغلقا لا يملك مفاتيحه إلا من فكك شفرة حجر الرشيد، ليحجز منطقة الأكاكوس خارج تقييم الحضارات، لمجرد أن النصوص الهيروغليفية لا نعرف عنها شيئا”.

وتتابع الكاتبة الليبية “هنا يأتي مشروع الروائي الذي بإمكانه أن يستنطق الرسائل من تلك الأيقونات المرسومة، ويترجم دلالاتها الإنسانية والاجتماعية والحضارية، ويقدمها كدعوة لقراءة التاريخ، والرواية هنا ليست وثيقة تاريخية ولكنها ترمم الفراغات وتطرح الأسئلة وتعيد الاعتبار إلى المناطق المنسية من التاريخ”.

وتشير أيضا إلى أن رواية “قصيل”، تستمد خصوصيتها من أنثروبولوجيا الإنسان في الفضاء الزمكاني للرواية (مدينة بني وليد) وثقافته وهويته وملامحه النفسية والاجتماعية والظروف المحيطة به، وإن جاء حضور بعض الوقائع السياسية مثلا، فذلك لا يعد توثيقا تاريخيا بقدر ما هو خلفية تتعالق مع حياة الشخصيات.

رواية “قصيل” موزعة على 20 جزءا معنونا، وكل عنوان يوضّح معناه. ونسألها عن الضرورة الفنية التي استوجبت ذلك، فتقول “في رواية ‘قصيل‘، جاء العنوان الرئيس واضحا وواقعيا، ويستطيع القارئ أن يدرك من الصفحات الأولى أن ‘قصيل‘ هو اسم بطل الرواية، ويمكن بسهولة اكتشاف مدى ارتباطه بالنص، وهذا النوع من عناوين الروايات التي تحمل أسماء علم، في العادة هو محاولة لترميم الذات وكشف مدى الانكسار في شخصية البطل وتحشيد الوعي تجاه قضيته”.

وتلفت الروائية إلى أنه حين يكون العنوان هكذا صريحا ومتاحا، لا بد من وضع عناوين أخرى فرعية، وعددها في روايتها عشرون عنوانا فرعيا (السيل، النخاخة، ليلة سقوط الخطيفة، الوزرة، سر الزيتون) عناوين تمثل عتبات إضافية وظيفتها تشكيل هوية وخصوصية النص، وترسيم بيئته، فهي، كما تقول إبراهيم، مفردات متداولة في بني وليد ولها دلالات ثقافية، ووضعها في النص يحافظ على شغف المتلقي وإشراكه ليرسم انطباعا أوليا عما سيؤول إليه السرد.

الكاتب والقارئ

Thumbnail

حول ما إذا كان هناك مشروع روائي ليبي، توضح عائشة إبراهيم “تنحصر الإشكالية في مدى الاستمرار والتطور في التجربة الروائية، حتى يمكن أن نطلق عليها مشروعا، فهنالك أعمال روائية ليبية كثيرة لكنها تفقد خاصية ومعايير المشروع، هناك العديد من الأقلام انجذبت إلى هذا البراح، بعضها من خاض تجربة واحدة واعتكف، (وهذا يؤكد القول إن كل إنسان يمكنه كتابة رواية أولى)، وهناك من يكرر التجربة ولكن دون أي تطوير في الأدوات السردية، ربما كان السبب في هذه الفجوة هو عدم مواكبة حركة نقد تلتقط العمل وتشتغل على إبراز مضامينه، ليطور الكاتب من أدواته، وبشكل عام يمكننا القول إن لدينا مشروعا روائيا يسير بخطى واعدة، يحاول أن يؤسس بصمته إلى جانب التجارب الكبرى الريادية التي حققها كبار الرواة الليبيين أمثال الكوني والراحل أحمد إبراهيم الفقيه”.

وترى إبراهيم أن ما تمر به منطقتنا العربية من أحداث يمكنه خلق أسلوب جديد في الكتابة الروائية على الصعيد الإنساني حيث يمكن طرح ومراودة موضوعات تفرض أسلوبا جديدا في الكتابة، حالات القهر والاغتراب والنزوح والفقد والانكسار وغيرها، تشكل حزمة من المشاعر الإنسانية التي أفرزتها أحداث المنطقة العربية، وتفرض اتجاها جديدا في التجربة الروائية، ولكن دون الخوض في التفاصيل السياسية الغامضة والمتقلبة، فالأحداث الآن تشبه مجرى نهر جارف يحاول أن يشق طريقه على الخارطة، لا يمكننا الكتابة عن مواصفاته قبل أن ينحت مجراه ويأخذ شكله النهائي. أما التداعيات التي يشكلها على الصعيد الإنساني فهي ثابتة لارتباطها بقيم الخير والشر والفضيلة والرذيلة، وغيرها من الثنائيات الأزلية.

رواية تنغمس في التاريخ
رواية تنغمس في التاريخ

وتلفت إبراهيم إلى أنه لا يوجد إبداع من دون الانشغال بالقارئ، وتضيف “حين تريد أن تقدم عملا جادا منسجما لا بد أن تنشغل بحضور القارئ وتحترم عقله وذائقته، صحيح أن أحداث السرد ليس بالضرورة أن تتفق مع رؤية القارئ، ولكن يجب أن تنشغل بإيجاد لغة مناسبة لإقناعه، كما أن هنالك أمرا آخر يلزم الكاتب بالتفكير في القارئ هو التطور في نظرية الأدب التي تعدى اهتمامها بالمؤلف ليركز على جمهور القراء وعلاقتهم التفاعلية بالنص، باعتبار أن العمل الأدبي هو بناء للنص في وعي القارئ”.

وبحسب إبراهيم الفكرة كائن هلامي يتحرك في فضاء الوعي، يستطيع الكاتب أن يلاحقها، ويترجمها بشكل معين في عقله، ربما بلغة عميقة أو غامضة أو رمزية أو بكلام بسيط مباشر، ولكن حين يريد أن يقدمها للقارئ فهو يحشد كل الإمكانيات التي تجعلها جميلة لتنال رضاه.

تقول عائشة إبراهيم “من يراود هوى القصة القصيرة، لا أظنه يستطيع الفكاك منها، الأمر يتحول إلى حالة تشبه الإدمان، صحيح أنني لا أنشر كل القصص، كما أنني لم أقدم مجموعتي القصصية للطباعة حتى الآن رغم أنها كمخطوط سبقت انطلاقتي الروائية، ولكن إدمان القصة يصبح مربكا أحيانا، فأنا أتعامل مع أي موقف في الحياة على أنه مشهد سردي، حالات تصادفني في الشارع: ازدحام أو عنف أو حزن أو فرح أو أحداث اعتباطية، تومض في داخلي مثل صيغ سردية تختلق لها قراء آنيين، عقلي الباطن يتحول إلى سارد مقيم في رأسي، يحول كل الأفكار والمشاهدات إلى قصص قصيرة”.

وتتابع “بهذا لا يمكنني أن أترك كتابة القصة، هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى فنية تجعلني ألازم فضاء القصة لأن براحها أكثر حرية وانسيابية، باعتبارها تنزع إلى التجريب وهذا يحقق خاصية التنافس والكشف عن الفروق الفردية في أساليب الكتابة، مما يساعد الكاتب على تحقيق بصمته الخاصة بشكل أكثر مما تتيحه الرواية”.

15