عائشة السيفي شاعرة لا تحب أباها

مازال بمقدور قصيدة التفعيلة أن تقدم للشعر العربي نصوصا مميزة وعميقة، في شعرية معاصرة قادرة على حمل ما يختلج من هواجس في داخل الإنسان المعاصر المتشابكة قضاياه النفسية والوجودية والاجتماعية.
السبت 2017/02/25
أغنية مفعمة بشجن بديع

بين وقت وآخر، يقع بين يدي ديوان لشاعر شاب أو لشاعرة شابة، فيسعدني ويقنعني بأن القصيدة لا تزال نضرة، وأن الشعر لن يموت حتى في زمن الأصوليات الكارهة للجمال والحب. وهذا ما شعرت به حالما انتهيت من قراءة ديوان الشاعرة العُمانية عائشة السيفي “لا أحب أبي” الصادر في العدد الأخير من مجلة “نزوى”.

عرّف رئيس تحرير المجلة الشاعر سيف الرحبي هذه الشاعرة الشابة التي لم تتجاوز بعد العقد الثالث من عمرها قائلا إنها “تجد مسكنها أكثر في الشعر، ضمن إيقاع تفعيلي لا يقيّد فضاء الحرية والحلم، بل هناك سعي يبتعد عن قسر الوزن وإكراه القافية”. ومثلما لاحظ ذلك الرحبي لم يمنع الإيقاع التفعيلي السيفي من أن تمسك بتفاصيل الحياة اليومية في تجلياتها المختلفة والمتعددة، ومن كشف المستور في الذات المنطوية على نفسها، ومن البوح بما يعتلج في أعماق شاعرة تكتب قصيدتها وكأنها تطلق أغنية مفعمة بشجن بديع يذكّر بشجن بدر شاكر السياب، وشجن محمود درويش في قصائده الخريفيّة.

منذ البداية ندرك أن الشعر جاء مبكرا إلى عائشة السيفي، وعندما انكشف سرها، وعرف والدها ذلك، زجرها، وأمرها بأن “تترك الشعر”، إلاّ أنها رفضت الانصياع لأمره، واحتمت بالشعر لتتحدى القسوة الذكورية وتواجه تقلبات “الزمن الصعب الذي يغدر بها مثلما يفعل الشعراء بنصّ قديم”.

وفي قصيدة “حَوايج”، التي تفتتح بها ديوانها، تقول السيفي إنها تستعين على وطنها “ضيّق الصدر” بـ”الضحك المستعار”، وعلى وحدتها بـ”حكايات أمها”، وعلى الفقْد بـ”الذاكرة”، وعلى قلّة الأصدقاء بـ”أنسها إلى البكم والفقراء”، وعلى زحمة الطرقات بـ”بفيروز والنفري”، وعلى جدب صحراء قلبها بـ”نارنجة وسنابل”.

وفي نص الشاعرة هناك مشاهد شعرية متوالدة، ففي انتظار القطار “نرى جدتها تخبز الخبز″، و”جدّها يعود من الموت”. كما ترى هي طفلها أحمد الذي مات قبل ثلاث سنوات، والذي ودعته أمّها “وداع الشهيد”.

وتتطرق الشاعرة حتى إلى اليوم الأول من سنّ المراهقة الذي كان “يوما حزينا”، فيما كان الحب الأول من طرف واحد، لذا أوجعها مثل شوكة تخز القلب. وعندما تختلي بنفسها هربا من عالم تسوده القسوة تدسّ قصائدها في دموعها فتعانقها بذراعين مفتوحتين وتمسح عن كتفيها تعبَ الأرض وتهمس لها مثل أمّ حنون “لا تحزني. اطمئني كأنك طفل ونامي كأنّ السماء سريرك”.

وتعلم السيفي أن البلاد التي لها “حزن أمطار سبتمبر الصائفة” تريد لقلبها “خريفا عجوزا بلا حلم”. أما هي فتريد لقلبها “شتاء يحب الشتاء، ومدخنة وهواء خفيف يجيء من البحر يداعب حزنها ويؤنس وحشة أحلامها الخائفة”.

لا تحبّ الشاعرة أباها في “الغياب الذي هو الموت”، ولا في”الرحيل السدى”، ولا تحبه “حين يزرع في رعشتها مسجدا”، ولا تحبه “خارجا من قبره ومن ورد تربته المخملي”، وإنما تحبه “حين تلمسه في الورود، وفي نسمة البحر”، وحين تراه “يطلّ عليها من الماء، ومن عين قطّ أليف، ومن ضحكة دافئة”. كما تحبه “قادما من موسيقى مسائية تتسلّى بها في ليالي البكاء”. ورغم أنه صدّها عن الشعر، فإن عائشة السيفي تقول إنها “تحتاج أباها أكثر ممّا مضى”. وهي “تحتاجه الآن في الشعر”، وفي “الكلام الذي لا يقال”، وفي”الدمعة العابرة”. هي تريده أن يكون حاضرا في “ضحكتها”، وفي “حموضة يومها”، وفي “دفء غدها”، وفي “ارتجافة خوفها”، وفي “رعشتها الباردة”.

وتتغنى الشاعرة ببنات بلادها اللواتي “يقلن الكلام غناء”، و”يقايضن خيباتهنّ بفنجان بابونج في الصباح”، وبـ”حبّة جوْز وسطر محلّى من الكلمات”.

وفي قصيدة “واكتمالي ليس إلا اكتمالك”، تتغنى السيفي بـ”شطرها الثاني”، الذي يخرج من لغتها وردة كلما غاص اسمها في شفتيها، ويحلق عصفورة من دمها كلّما هبط اسمها خفيفا على شفتيه. وإلى هذه “الشطر الثاني”، هي تهدي الخريف الذي مات في حلمها دون أن يكتمل. وهي تحبه منطفئا كالضباب، ومنتشيا كالحلم. كما تحبه منطلقا كالوعول، ومسترخيا كالحديقة. ففي النهاية ليس هو إلاّ هي. وهي لن تكون إلاّ هو.

17