عائشة الناصري قاضية تدافع عن المرأة في سلك العدالة لرفع التمييز عنها

الأحد 2016/01/24
الناصري: تجربة القاضيات في المغرب ممتازة

الرباط - أطلق المغرب منذ سنوات ورشا موسعة لإصلاح منظومة القضاء والعدالة، ويعتبر قطاع القضاء من بين القطاعات ذات الأهمية القصوى في تعميق دولة العدالة والقانون، وتعتبر هذا الورش الحساسة مجالا للعديد من الآراء والخلافات ما يجعل من تدخلات القائمين على هذه المنظومة من قضاة ومسؤولين إداريين في وزارة العدل والحريات، كل حسب رؤيته وأولوياته متمايزة ومختلفة.

وقد دخلت المرأة المغربية سلك القضاء منذ عام 1961، أي أن التجربة النسائية في هذا القطاع عمرها قصير ويزيد بقليل عن نصف قرن، وفي هذا التوجه حاورت “العرب” وجها نسويا معروفا ينتمي إلى الجسم القضائي والحقوقي بالمغرب، وهو عائشة الناصري التي أثّرت بقوة في المشهد القضائي والحقوقي، بصفتها رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات، ووكيلة الملك بالمحكمة الابتدائية المدنية بالدار البيضاء، وعضو اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء وسطات.

ورش إصلاح العدالة

سألنا عائشة الناصري رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات، حول المحطة التي وصلت إليها ورش الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة بالمغرب، فأكدت أنه لأول مرة في تاريخ العدالة المغربية يفتح حوار غايته الإصلاح شاركت فيه كل مكونات العدالة عن طريق حوارات وندوات انتهت إلى صياغة مجموعة توصيات تهم كل المكونات سواء منها القضاء أو المحاماة والخبراء والمفوضون القضائيون والعدول الموثقون، وتقوم وزارة العدل والحريات بتنزيل هذه التوصيات وتجسيدها على أرض الواقع.

واعتبرت عائشة الناصري، أن أهم أهداف ندوات الحوار نقاش ميثاق إصلاح منظومة العدالة، وتأهيل المهن القضائية والموارد البشرية، والتخليق وتحديث الإرادة القضائية والبنية التحتية للمحاكم واستقلال السلطة القضائية. وهذه كلها أمور ضرورية لوضع القضاء في المكانة اللائقة به.

وشددت الناصري على أن العنصر البشري هو قوام الإصلاح ولتأهيله وإصلاحه، إن صح التعبير، لا بد من اعتماد عدة مقاربات أهمها إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية وتدريب العاملين على حقوق الإنسان وتكوينهم تكوينا سليما وتدريبهم على القيم بالإضافة إلى تحسين وضعية المشتغلين في القطاع.

وأضافت في حوارها مع “العرب”، في ذات السياق أن العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه بتاريخ 30 يوليو 2013 بمناسبة الذكرى 14 لعيد العرش ذهب رأسا إلى مكمن الداء في قطاع العدالة، عندما ركز على أن “الضمير المسؤول للفاعلين فيه هو المحك الحقيقي لإصلاحه بل وقوام نجاح هذا القطاع برمته”. وأشارت أن المغرب تبنى دستورا جد متقدم اختار بناء دولة الحق والمؤسسات ولا بد من مواكبة هذه الأمور.

الجمعية المغربية للنساء القاضيات، التي تترأسها عائشة الناصري، تأسست بناء على دستور 2011 الذي سمح للقضاة بالحق في تأسيس جمعيات مهنية أو الانتماء للجمعيات، وهي الأولى من نوعها في العالم العربي كونها جمعية تشتغل على مقاربة النوع في سلك القضاء

وبخصوص مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالنظام الأساسي للقضاة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهل يمكن اعتبارهما تراجعا عمّا جاء به دستور 2011، قالت عائشة الناصري إن ما يهمنّي أن يحترما مقومات دولة الحق والمؤسسات والتي تقتضي بالضرورة تبني مبدأ فصل السلط وبالتالي استقلال القضاء وخروجه من هيمنة السياسة. موضحة أن ذلك ما يشكل ضمانة لاحترام المساواة بين الأفراد والجماعات أمام القانون، وحتى لا تتم الانتقائية في معالجة الملفات والتي عرفتها العدالة في الماضي.

وأكدت رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات لـ”العرب”، أن هذه القوانين تكرس الضمانات التي أتى بها دستور 2011 للقضاة ليتمكنوا من القيام بعملهم المتمثل في السهر على حرية الأفراد والجماعات وحقوقهم وأمنهم القضائي.

وعن إلى أي مدى احترمت المشاريع هذه المبادئ؟ قالت عائشة الناصري: ما يمكن قوله إنه لازالت هيمنة السلطة التنفيذية في شخص وزارة العدل بارزة في المشروعين كما أن الضمانات المخولة للقضاة لازالت ضعيفة وخصوصا في الفصل 97 من النظام الأساسي للقضاة.

وذكرت عائشة الناصري أنه لا يمكن نكران المجهود الذي بذلته وزارة العدل والحريات في مشروعي القانونين سواء مشروع النظام الأساسي للقضاة أو مشروع قانون السلطة القضائية، لكنها لم تكن موفقة في تجسيد مبدأ فصل السلط وجعل القضاء سلطة مستقلة وفقا لما جاء في دستور المملكة الذي أكد على أن القضاء سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

وأكدت الناصري أن مشروع قانون السلطة القضائية سمح لوزير العدل بحضور بعض الاجتماعات وهذا أمر مخالف للدستور، ويمثل تدخلا من السلطة التنفيذية في السلطة القضائية من خلال إقحام وزير العدل في تقييم عمل المسؤولين القضائيين، وهناك غموض يخص اللجنة التي وضعت للتنسيق بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.

ومما يعاب على مشروع قانون النظام الأساسي للقضاة، حسب رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات، عدم تجسيده للضمانات المخولة للقضاة أثناء ممارسة أعمالهم. وأكبر تمظهر لها صياغة المادة 97 والمتعلقة بتأديب القضاة في حالة ارتكابهم أخطاء في تطبيقهم للقوانين سواء قانون الإجراءات أو قانون الموضوع.

الجمعية تسعى للدفاع عن حقوق القاضيات والقضاة

وأكدت عائشة الناصري أنه مع إيماننا كقضاة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأنه لا أحد فوق القانون إلا أن المادة المذكورة جاءت خالية من الضمانات الدستورية للقضاة، كما أن صياغتها جاءت غير سليمة حيث بدأت بالعقوبة المتمثلة في الإيقاف الفوري للقاضي حتى قبل ثبوت الخطأ، مع العلم أن الأخطاء القانونية يمكن معالجتها عن طريق الطعون وأنه يتعين الحديث عن الخرق العمدي للقانون، كما جمعت بين الفعل الإجرامي والخطأ بالإضافة إلى اختلالات أخرى.

وشددت الناصري على أنه لا أحد فوق القانون بما في ذلك القضاة وأن دستور المملكة أَمَّنَ القضاة على حريات الأفراد والجمعيات وحقوقهم وأمنهم القضائي، وأن هذه المسؤولية تلزم القضاة بالحرص على التطبيق السليم للقانون. كما أن دستور المملكة أكد على ربط المسؤولية بالمحاسبة وأن تأديب القضاة في حالة الخرق العمدي للقواعد القانونية التي تشكل ضمانة لحقوق الأطراف مقبول ووارد في القوانين المقارنة.

واعتبرت أن مساءلة القضاة على خرقهم للقواعد القانونية وهم الساهرون على تطبيقها مطلوب، ولكن أيّ محاكمة أو تأديب يجب أم يحترم قواعد المحاكمة العادلة ومن غير المقبول استثناء القضاة من هذه الضمانات وبخصوص المادة 97 من مشروع النظام الأساسي فمطلوب إعادة صياغتها.

حدود احتجاج القاضي في المغرب

اعتبر البعض أن تهديد قضاة مغاربة باللجوء إلى مؤسسات دولية لإيصال أصواتهم ومطالبهم تجاوزا لأعلى سلطة مرجعية في البلاد، وفي هذا الخصوص اعتبرت رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات، أن هذا السلوك غير مقبول، مؤكدة أن المغرب له سيادته ومؤسساته ولا يمكنه أن يقبل أن تملي عليه مؤسسة دولية سلوكا معينا، ومن غير مقبول من القضاة أو غيرهم تجاوز الدستور الذي جاء واضحا وحدد إطار حراك القضاة.

وأوضحت عائشة الناصري أنه ليس بين المقتضيات الدستورية ما يخول للقضاة بصفتهم هذه اللجوء إلى مؤسسات دولية للاحتكام إليها.

وحول من يقول بأن عدم تقبل الودادية الحسنية للقضاة ونادي القضاة بنشر أسماء القضاة ووكلاء الملك الذين خضعوا للتأديب بتهم الفساد من قبل المجلس الأعلى للقضاء، في السنة الماضية يمثل ضربا لمبدأ الشفافية، قالت عائشة الناصري نحن أيضا كجمعية للنساء القاضيات رفضنا هذا الأمر.

القاضيات في المغرب
أكدت رئيسة الجمعية المغربية للقاضيات، أن تجربة القاضيات في المغرب ممتازة، وأن القاضية المغربية ساهمت وبقوة في بناء العدالة المغربية، رغم ما تعانيه من تمييز داخل هذه السلطة.

وعن العوامل التي ساهمت في هذا التمييز أشارت الناصري إلى أن الفكر الذكوري له النصيب الأكبر متمثلا في أننا لا نشكل إلا ربع قضاة المملكة أي مازلنا بعيدات عن المناصفة وعن مراكز القرار.

وأكدت عائشة الناصري، أنه باسم قاضيات المغرب نحن متفائلات كون مشروع قانون السلطة القضائية نصّ على أن يسعى المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى المناصفة.

وأشارت إلى أن حقوق النساء بصفة عامة مازالت حديثة العهد في مجتمعاتنا العربية، وأن المغرب متميز في هذا الشأن إقليميا وأفريقيا.

وأضافت أن المملكة صادقت على كل الاتفاقيات الدولية المناهضة للتمييز كما صادقت مؤخرا على البروتوكول الاختياري الملحق بالسيداو، وأن الخطب الملكية تؤكد على ضرورة تمكين النساء من حقوقهن بل أكثر من هذا تم تعيين نساء في مناصب كانت حكرا على الرجال.

وختمت رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات القول بأن الفاعلين السياسيين ومن بيدهم القرار لا يواكبون هذه المقتضيات وهذا السياق.

وأوضحت بأن القضاة المعنيين برروا موقفهم كجمعية لوزير العدل والحريات بأن نشر الأسماء هو عقوبة إضافية ولا جدوى منه ولتحقيق الشفافية يكفي نشر العقوبات دون أسماء وهذا ما يحدث حاليا.

هناك مخاوف عند بعض السياسيين المغاربة المعلنة مما أطلقوا عليه “دولة القضاة” في المغرب وحول صواب هذا التوجه، قالت عائشة الناصري، أن هذا يعد سوء فهم كبير وقع فيه بعض السياسيين نتيجة حراك بعض القضاة.

وشرحت القاضية عائشة الناصري هذه المسألة، بأنه في غياب القوانين التنظيمية التي تؤطر سلوك القضاة في نشاطهم الجمعياتي وفي حرية التعبير أي أن تحدد ما لهم وما عليهم، قامت الجمعيات المهنية بقراءات للمقتضيات الدستورية الواردة في المادة 111 وحددت سلوكات معينة لتقديم مطالبها.

وأضافت أن المنتمين لنادي القضاة لهم قناعة بسلوك الاحتجاج، أما نحن كقاضيات اعتبرنا كون الدستور منع علينا العمل النقابي فآلياته ممنوعة ومنها الإضراب وبالتالي رسمنا سلوكا من أجل تحقيق مطالبنا تمثل في الحوار مع الجهات التي لها سلطة القرار.

واسترسلت عائشة الناصري، موضحة أن بعض السياسيين اعتبر سقف المطالبة بالاستقلال عن السلطة التنفيذية هو تغول من القضاة وطموح لتأسيس دولة خاصة بهم، وهذا تحليل غير صحيح. لأن مطالبة القضاة بالاستقلال يصب في تأسيس دولة الحق والمؤسسات والتي تتطلب بالضرورة تحقق مبدأ فصل السلط مع تعاونها طبعا وليس هناك هيمنة لسلطة على سلطة، إذن ففكرة دولة القضاة لا سند لها في الواقع.

الأمن القانوني في المغرب

وفيما يخص الرتبة السادسة التي تحصل عليها المغرب في الأمن القانوني، الذي أعدته مجموعة التفكير الفرنسية “مؤسسة القانون الدولي”، قضائيا واقتصاديا وعلى المستوى الاستثماري، قالت رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات، إن هذا التصنيف جيد ويجد سنده في كون المغرب له أولا دستور تضمن مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وارتقى بالقضاء إلى سلطة مستقلة.

وثانيا يتمتع المغرب برسالة قانونية في كل المجالات أبانت نجاعتها خلال السنوات العشر الأخيرة بالإضافة إلى أن الترسانة القانونية هي حاليا محل مراجعة لتتلاءم مع المقتضيات الدستورية.

وأضافت عائشة الناصري في حوارها مع “العرب”، أنه على مستوى جذب الاستثمارات الذي يتطلب أيضا توفير الأمن القانوني وتبسيط المساطر القضائية والإدارية، فالمغرب فتح ورشا لإصلاح منظومة العدالة وأعتقد أنه لا بد أيضا من تشجيع الوسائل البديلة لفض النزاعات كالوساطة والتحكيم.

أهم العوامل التي ساهمت في التمييز ضد النساء القاضيات الفكر الذكوري الذي له النصيب الأكبر متمثلا في أنهن مازلن بعيدات عن المناصفة وعن مراكز القرار

الجمعية المغربية للنساء القاضيات

قالت عائشة الناصري إن الجمعية المغربية للنساء القاضيات، التي تترأسها، تأسست بناء على دستور 2011 الذي سمح للقضاة في المادة 111 منه بالحق في تأسيس جمعيات مهنية أو الانتماء للجمعيات، وأكدت أنها الأولى من نوعها في العالم العربي كونها جمعية تشتغل على مقاربة النوع في سلك القضاء.

وتأسفت الناصري على أن المرأة القاضية تمثل فقط ربع قضاة المملكة كما أن مراكز القرار في سلك القضاء أي مناصب المسؤولية يوجد بها فقط 10 مسؤولات مقابل 200 مسؤول، بالإضافة إلى أن هناك مناصب لم يسبق لأيّ قاضية أن بلغتها مثل منصب وكيلة الملك في المحاكم الزجرية أو وكيل عام إضافة إلى مناصب المديريات.

ولهذا السبب تقول عائشة الناصري أسسنا الجمعية للاشتغال عن قرب على هذا الموضوع بالإضافة إلى الدفاع عن حقوق القاضيات والقضاة عن طريق التنسيق مع باقي الجمعيات المهنية.

وشاركنا أيضا في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة حيث اشتغلنا على بعض مشاريع القوانين مثل مشروع قانون العنف ومشروع القانون الجنائي ومشاريع القوانين التنظيمية التي تهم القضاة. وأهم المنجزات التي ساهمت فيها الجمعية المغربية للقاضيات هي تأسيس شبكة النساء القاضيات في المنطقة العربية وأفريقيا بدعم من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومنظمة كرامة ودلك أثناء المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان المنعقد بمراكش سنة 2014.

وحول إلى أيّ حد يمثل انخراط عائشة الناصري في العمل الجمعياتي مؤثرا على واجب التحفظ لديها كقاضية، قالت إنه منذ تأسيسنا للجمعية وكل مواقفنا وتدخلاتنا يحكمها مبدأ التحفظ والابتعاد عن كل ما من شأنه المساس بالمهنة الذي ألزم دستور 2011 به القضاة، مع العلم أنني انخرطت في العمل الجمعوي وأنا قاضية مند 1998 بناء على إذن من وزير العدل أنذاك الأستاذ عمر عزيمان واشتغلت مع مجموعة من الجمعيات النسائية التي تناهض العنف الممارس على النساء والتي تشتغل على مقاربة النوع.

كاتب من المغرب

20