عائشة بنور: الكتابة تمرد على الرتابة وتشكيك في كل شيء

الوقائع الدامية والأحداث المفصلية التي يزخر بها تاريخ البلدان العربية كانت ولا تزال محورًا للعديد من الأعمال الإبداعية التي تأثر بها المبدعون وبمآلاتها، ومن ثم ظهرت كتابات روائية عدة تنهل من هذا المعين التاريخي الزاخر ليس فقط بوقائعه ولكن بمعطياته النفسية والاجتماعية شديدة الحساسية. “العرب” حاورت الروائية الجزائرية عائشة بنور في حديث عن أعمال روائية لامست فيها مناطق خاصة من تاريخ نضال الشعبين الجزائري والفلسطيني.
الأحد 2017/11/26
عائشة بنور: عناوين متنوعة لقلم نسوي

بدأت الروائية الجزائرية عائشة بنور رحلتها مع الكتابة في الثمانينات من القرن الماضي، نشرت لها مجموعة قصصية بعنوان “الموؤودة تسأل.. فمن يجيب؟” عن دار الحضارة 2003، و”مخالب” 2004، ثم تابعت رحلتها بأعمال روائية منها “السوط والصدى”، ونساء في الجحيم”، فضلًا عن كتابات موجهة للطفل في سلسلة من الحكايات الشعبية.

الجرح العربي

في رواية “نساء في الجحيم” التي صدرت في طبعتين، الطبعة الأولى عن منشورات دار الحضارة (2016) والطبعة الثانية عن منشورات دار النخبة مصر (2017)، سعت الروائية الجزائرية عائشة بنور للحديث عن نضال الشعبين الفلسطيني والجزائري من أجل الحرية بالمزج بينهما في عمل واحد.

كما أن اهتمامها بالقضية الفلسطينية يتجلى بوضوح في كتاباتها تقول بنور “التعاطف مع الشعب الفلسطيني الذي يعيش نفس الظروف التي عاشها الشعب الجزائري إبان نضاله ضد الاستيطان الفرنسي للجزائر الذي ذاق مرارة التعذيب والظلم والقهر يحمل في طيّاته الكثير من الارتباط الوجداني والتعلق بأرض فلسطين؛ فالمقولة التاريخية التي قالها الراحل الرئيس هواري بومدين ‘نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة’ مازالت الأجيال المتعاقبة تردّدها”.

تُبين بنور أن دوافعها لهذا المزج ما بين نضالين كثيرة؛ فنضال الشعب الجزائري دام أكثر من سبع سنوات، وكانت هذه الحرب ثورة بكل معنى الكلمة، حرب عانى فيها الشعب الجزائري أشدّ المعاناة، وذاق كل أنواع التعذيب السادي الذي مارسه الجيش الفرنسي على الطفل والمرأة والشيخ والرجل وحتى على الأرض والحيوان، ولا يمكن نسيان الإحساس بالظلم والتعذيب من خلال حكايات المجاهدين وهو ما يشعرها بالقهر، وبالتالي هذا التزاوج بين نضال الشعبين الفلسطيني والجزائري من أجل الحرية ما هو إلاّ دلالة كبرى على أنّ الاستيطان الفرنسي أو الإسرائيلي هو الجحيم بعينه والذي جسّدته في رواية “نساء في الجحيم”.

تتابع بنور “الاهتمام بقضايا النضال لم يكن وليد اللحظة، كان منذ أن وعيت بالجرح العربي النازف (فلسطين)، نشاطاتنا الطلابية في المدارس، أشعار درويش، الكتابات المختلفة التي تناولت القضية الفلسطينية وغير ذلك ساهم في تعزيز ثقتي بالقضية الفلسطينية وتناولتها في معظم كتاباتي”.

عمق المعاناة

في رواية “السّوط والصّدى” التي صدرت في طبعة أولى عن منشورات وزارة الثقافة 2006 والطبعة الثانية عن منشورات الماهر2017، اهتمام بقضايا التطرف والعنف في فترات خاصة من تاريخ الجزائر، تلفت بنور إلى أن التحولات العالمية التي فرضها الفكر الشمولي أدّت إلى زعزعة الاستقرار الأمني والنفسي لدى الفرد العربي، وكذلك التوترات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة العربية خاصة، إذ أصبح الفرد العربي يبحث عن منافذ الحب والأمان والاستقرار أكثر من ذي قبل، فجاءت رواية “السّوط والصّدى” تعيد للأذهان ما جرى بكثير من المرارة.

ما وقع في الجزائر أو ما يسمى بالعشرية السوداء يعيد نفسه من جديد في الأوطان العربية، هي رواية من عمق المأساة الوطنية وما عانته المرأة في تلك الفترة من جحيم أخطبوط الإرهاب الذي يرمي بظلاله على الأوطان العربية اليوم، هو واقع تعيشه المرأة العربية اليوم، إذ لا بد من مكاشفة ذلك الوجع النفسي والجسدي الذي تعاني منه ولإيصال صوتها المبحوح عاليا ونضالها الإنساني ضد التطرف، هي رواية فكرية تهدف إلى إضاءة زاوية قضايا التطرف والعنف والجماعات المسلحة.

الحركة الثقافية في الجزائر تشهد ركودا رغم التنوع والثراء، وهذا راجع إلى غياب مشروع ثقافي مؤسس، فالمشهد الثقافي باهت رغم مختلف النشاطات والمهرجانات الآنية، والمثقف الحقيقي غائب أو مغيب

صخب وجداني

فيما يتعلق بحضور الأفق الذاتي لها ككاتبة في أعمالها الروائية توضح بنور أن اليوم لم تعد فكرة الكاتب ابن بيئته بمحاسنها ومساوئها، بل تعداه إلى ما وراء حيزه الضيق، فالذات المبدعة تعيش حالة توتّر وقلقا نفسيا وصخبا وجدانيا وتهيجا انفعاليا من أجل نفحات إبداعية تلامس خوالج النفس المتلقية، ومن ثمّة لا نقول إن الذاتية غالبة على النص، وإنما تكون ماثلة للتعبير عن كلّ ما يختلج في النَّفس من أهواء وأراء وعواطف وانفعالات وتراكمات داخل وخارج الحيّز الذي يعيشه المبدع الذي يلقي بكل هذا الهم الفكري والوجداني داخل النص الإبداعي، ومحاولة منه التأسيس لفكر ونسق اجتماعي جديد.

الاهتمام بشعرية اللغة حاضر في كتابات بنور، وتشير الكاتبة إلى أن هذه الشعرية أضحت من الملامح البارزة التي تتسم بها الرواية الحديثة التي تمنحها خصوصية، وكذلك ميزة الإحساس والصدق في الكتابة وهذا ما تشتغل عليه بقوّة، فاللغة لها سحرها وجمالها وقد استخدمت ذلك بهدف التأثير في الذات المتلقية من خلال هذا السحر الذي تمارسه اللغة الشعرية كلغة الوصف أو لغة الانفعال أو لغة الرمز، ومدى تأثير كل هذه الأنماط السيكولوجية على الذات المتلقية برسم صور فنية ولوحات شعرية للشخصيات والأمكنة والأحداث من أجل خلق المتعة الأدبية، ولكي لا تكون مجرد تقرير صحافي جاف. فالاشتغال واللعب على اللغـة مهم جدا لدغدغة المشاعر بصدق والتأثير فيها وفي الأمزجة وفي حالات التفكير.

تستطرد قائلة “ربما أكون قاربت هذا الجانب بتحليل كل صورة وكل إشارة للتعبير عن الحالة الشعورية للشخصية بكل خصائصها ورسمها بلغة دافئة وشاعرية مفعمة بالحب والصدق، واللغة العربية جميلة وغنية بمفرداتها يمكن توظيفها بشكــل جيد إذا ما توغلنا في دهاليزها وعدم الاستهانة بجمالياتها، بالنسبة إليّ أشعر بها صوتا وروحا وإيقاعا يرقص فوق الورق”.

وبالحديث عن المصادر التي تستقي منها بنور شخوص رواياتها تقول “لا يمكن للكاتب أن يكتب من فراغ حتى وإن جنح إلى الخيال، وقد تكون المادة الأوّلية مسترجعة من الماضي أو مستقاة من الحاضر، وبالنسبة إليّ الواقع المرير يفرض شخصيات واقعية يمكن الاشتغال عليها بقوّة”.

اهتمام بقضايا التطرف والعنف في فترات خاصة من تاريخ الجزائر

الكتابة للطفل

كتبت بنور سلسلة من الحكايات الشعبية رفقة الأديب رابح خدوسي، وصدرت السلسلة في الجزائر عن دار الحضارة ثم عن اتحاد الكتاب بدمشق، ثم ترجمت إلى الفرنسية وصدرت مؤخرا بفرنسا عن منشورات EDILIVRE، توضح الكاتبة أن هذا العمل جاءت انطلاقته من خزانة التراث الزاخرة والموروث الشعبي الغزير، ومن ثمة فهي لا تعتبر نفسها كاتبة للطفل، لأن الكتابة للطفل صعبة جدا برأيها، وما كتبته كان محاولة لإضافة شيء للطفل العربي للحفاظ على الذاكرة الشعبية من الاندثار، ومع ذلك تبقى الكتابات المقدمة للطفل قليلة جدا مقارنة بالكم الهائل الذي يغزونا.

تلفت بنور إلى أن الطفل العربي صورة عن مجتمعه، وثمة إخفاق في تشكيل وعيه واستفزاز ملكاته الخيالية وقدراته العقلية، كما أن الطفل العربي يفتقد المثل الأعلى بفعل إلغاء أو تهميش الرموز ومحو صور الشخصيات التاريخية التي يمكن الاقتداء بها، وبالتالي صار أكثر ارتباطًا بالشخصيات العالمية القوية المقدمة من قبل الغرب والتي تنعكس بالسوء على نفسية الطفل العربي ارتباطًا بمدى تعلقه والتصاقه بها.

خصوصية الكتابة

انتقالًا للحديث عن النسوية في الأدب وخصوصية الأدب النسائي كما تُطرح من قِبل بعض الأقلام النقدية، ترى بنور أن الكتابة في حد ذاتها ليست لها خصوصية منها ما يتعلق بالرجل أو ما يتعلق بالمرأة، الكتابة هي همّ إنساني وقلق وجداني، هي امتلاك لحظة الكتابة، هي حالة من القلق والتوتر لا تدخل فيها المفاهيم أو المدارس أو التصنيفات، الكتابة بالنسبة إليها هي الإحساس والصدق، مضيفة “أنا أكتب من خلال أحاسيسي ووفق إنسانيّتي ولا أراعي أبدا هذه المفاهيم والتصنيفات، فالكل يصبّ في رافد واحد وهو الحضارة الإنسانية، ومخزون تتكئ عليه الأجيال. والأدب ككل هو رؤية إنسانية وسلاح قوي لتشريح الواقع وبنائه من جديد سواء كان بعين امرأة أو بعين رجل”.

تبيّن بنور أن ثمة عوالم إنسانية تحاول اكتشافها وتسليط الضوء على جوانب شعورية خفيّة في الذات الإنسانية من خلال الكتابة، وحينما تبقى رهينة الفكرة، وتتعبها حينما تسيطر عليها الفكرة تلو الأخرى، وتتعبها أكثر حينما لا تتقبل تلك الأفكار لتجد نفسها في صراع بين القبول والرفض، مضيفة “الكتابة إرهاق نفسي وعصبي وقلق وتوتر رغم متعتها”.

عمل واحد عن نضال الشعبين الفلسطيني والجزائري من أجل الحرية

تشير بنور إلى أن الكتابة ينبغي أن تتمرّد على الرتابة وتشكك في كل شيء لخلق فضاءات وعوالم جديدة، وتبحث في تفاصيل الحياة، ثم تشكل من النص أسئلة المتعة والكشف عن الخبايا والمسكوت عنه، المبدع في حدّ ذاته متمرد عن ذاتية مألوفة، وبالتالي تأتي الكتابة هي الأخرى متمردة عن الواقع المزري والقمع والرتابة، فالكتابة تمرد لأنها تبحث عن البديل في طبائع البشر وفي البيئة وقد تحمل الرفض والتحدي.

وعن طقوسها في الكتابة تقول بنور “الكتابة متعة وجمال، ولهذا الجمال طقوسه التي تفرض نفسها على الذات المبدعة، رذاذ المطر، الليل، الصمت، فوضى الأشياء، كل هذا يبعث في النفس على الكتابة، لحظة الكتابة أعيش عالمي الروحي، أحتاج إلى الهدوء والخلوة لأرتب الفوضى التي بداخلي مع كأس من الشاي، لا أشعر بمن هم حولي، أكون دائما في حالة قلق فكري ووجداني، وتعاملي مع نصي أشبه بأن يكون جنونيا وحميميا ودافئا كالمرأة مع صغيرها، أشعره بكل جوارحي، وأستشعره في كل حركة أو كلمة أو فكرة أحاول تحويرها، أستطيع القول إنني أتلبّس شخصياتي للوصول إلى الفكرة التي أرغب في إيصالها، وأكثر ما يتعبني هو اختيار الأسماء لشخصياتي التي أحاول أن أجد لها الصورة المثالية لها والتي تنطبق على ما أكتب”.

غياب المشروع الثقافي

ترى بنور أن الحركة الثقافية في الجزائر عموما تشهد ركودا رغم التنوع والثراء، وهذا راجع إلى غياب مشروع ثقافي مؤسس، فالمشهد الثقافي باهت رغم مختلف النشاطات والمهرجانات الآنية، والمثقف الحقيقي غائب أو مغيّب، لا يمكن الحديث عن مشهد ثقافي، ما لم تكن هناك استراتيجية واضحة المعالم، كما لا يمكن الحديث عن مردود ثقافي ما لم يتحوّل إلى ملموس يومي لدى المواطن العادي، والمثقف أصبح محاصرا بعدّة موانع تجعله منغلقا على نفسه وسلبيا تجاه تلك الموانع أو المؤثرات، وقد يكون تبعية المثقف للسلطة انسياقا وراء طموحه الاجتماعي وراء هذا الجمود.

كاتبة من مصر

11