عائلات شباب تنظيم الدولة الإسلامية.. ضحايا مدانون

شهدت دول شمال أفريقيا تزايد وتيرة تحول شبابها إلى التطرف. وقد استنفدت الحكومات وسعها بحثا عن سبل أكثر فاعلية لمنع الشباب من الانجرار وراء شبكات المتطرفين التي تلجأ إلى استخدام العنف. ولم يدرك العاملون في ميدان السياسة والأوساط المختصة أهمية الدور الذي يمكن أن تساهم به الأسرة في مكافحة الإرهاب والتطرف القائم على العنف إلا مؤخرا.
الخميس 2016/12/08
ألم مضاعف

تونس – جاء مصطفى العمراني من المغرب، وتحديدا من الشمال من مدينة العريش إلى العاصمة تونس، ليقف إلى جانب عائلات صنع الإرهاب من أبنائها وقودا للتطرف وليعلن تعاطفه معها وليكفر عن ذنب يشعر أنه اقترفه، حين لم يفلح في منع توجه أحد تلامذته إلى سوريا.

يؤمن مصطفى العمراني بأن “العائلات هي الأساس للتصدي للتطرف العنيف”، وهو يتبنى من هذا المنطلق الشعار الذي ترفعه منظمة “عائلات ضد الإرهاب” (فات) الأوروبية، والتي عقدت مؤخرا مؤتمرا في تونس يسلط الضوء على الدور الحاسم للعائلة ونفوذ أفراد الأسرة في مكافحة التطرف.

وقدم العمراني، الأستاذ في المعهد التقني الفلاحي بمدينة العريش، شمال المغرب، وهو ناشط في جمعية “مدينتي”، شهادته في المؤتمر الذي شاركت فيه عائلات جاءت من أوروبا وآسيا ودول عربية لإعلان مناهضتها للتطرف. ويقول متحدثا عن تجربته مع تلميذه ياسين، الذي التحق بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا “أنا هنا لأكفر عن ذنب ربما اقترفته عن غير قصد”؛ إذ يراود العمراني شعور بأنه لم يذهب إلى الجهة الأنسب لمنع ياسين من إلقاء نفسه في محرقة الإرهاب.

ويوضح “التحق ياسين بالمعهد لتلقي تدريب بعد تعثر دراسته في التعليم العالي. كنت أنا من شجعه على الالتحاق بالمعهد حتى يكون تحت أنظاري لأني على معرفة بعائلته”. وتابع الأستاذ في روايته لوكالة الأنباء الألمانية “بدأ سلوكه يتغير من خلال شبكة علاقاته الجديدة ولباسه الأفغاني الغريب عن المجتمع المغربي. لا يعني ذلك أنه تحول بشكل جذري إلى الإسلام الراديكالي لكن بدا الأمر وكأنه مغرر به”.

دلائل واضحة على أن ياسين سيغادر إلى سوريا أو العراق. وانسياقه وراء إغراءات شبكات التجنيد كان ينطوي على رغبته في تحسين أوضاعه المالية والاقتصادية وليس عن قناعة عقائدية”. وتابع “اتصلت بأفراد عائلته لكنهم لم يعيروا الموضوع أهمية واستبعدوا أن يرحل ابنهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وأبلغت السلطات المحلية لكن نظريا لا يمكنها منع شخص يريد السفر. في الأخير حصل المحظور”.

شق ياسين طريقه إلى تركيا بمساعدة شبكات التجنيد ومن هناك عبر الحدود بسهولة إلى سوريا لينضم إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. وشكل هذا صدمة لعائلته. وقال العمراني “أشعر بالذنب كوني لم أحذر أم ياسين. أظن أن الأم هي الوحيدة التي كان يمكنها ترويض ابنـها وثنيه عما يجول بذهنه”.

عائلات المتـطــرفين يـمـكن أن تشكل خط النضال الأول لمكافحة التطرف باعتبارها أولى ضحايا الإرهاب

من أحداث باتاكلان ونيس الإرهابية في فرنسا إلى تفجيرات تونس والدار البيضاء وإسطنبول وبيروت وغيرها، تعتقد “فات” أن عائلات المجندين الذين شاركوا في جبهات الإرهاب يمكن أن تشكل خط النضال الأول لمكافحة التطرف باعتبارها أولى ضحايا الإرهاب الذي خطف أبناءها، عوض أن تتم إدانتها مجتمعيا وتحميلها ذنب أبناءها.

وتتحدث “فات” نيابة عن عائلات المجندين “نحن من يشعر بألم الضربة الأولى. العار والذنب أن ينضم أحباؤنا إلى المنظمات المتطرفة. حان الوقت للرد بطريقة مرنة. يمكن أن نحدث فرقا حقيقيا لمنع هذه المآسي”.

ليست هناك أرقام دقيقة عن أعداد المجندين من شمال أفريقيا في صفوف تنظيم داعش، لكن تقارير مستقلة في المغرب تشير إلى أعداد تقارب الألفين، مقابل ثلاثة آلاف في تونس بحسب السلطات الرسمية.

وتعمل المنظمة اليوم بمعية الأسر، التي فقدت أبناءها في جبهات الإرهاب، على الحد من عمليات الاستقطاب والتجنيد عبر رفع مستوى الوعي لدى الشباب والجمهور بشكل عام والقيام بحملات تثقيف مضادة للتطرف.

ويوضح العمراني أن “داعش يعتمد سياسات دعائية واتصالية ذكية؛ فمثلا بمجرد وصول ياسين ظهرت صوره على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي بزيه القتالي وسلاحه الرشاش وفي منصبه الجديد”. و”يتعمد التنظيم نشر الصور بتلك الطريقة لأن ذلك سيمنح سهولة أكبر لشبكات التجنيد في عملية الاستقطاب”.

وفقا لأبحاث أجرتها مؤسسة “راند”، ينبغي للسياسات الهادفة إلى القضاء على الأفكار التي ينشرها المتطرفون أن تركز بشكل أكبر على الأسرة، ولا سيما الأب والأم، وتعليمهما المهارات اللازمة لمناقشة الرسائل السلبية التي يمكن العثور عليها على وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال سلوك الأنباء المتغير.

وتشير دراسة أعدتها منظمة فات بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء، بالمغرب، إلى أن الأم أكثر أفراد العائلة قدرة على اكتشاف علامات التطرف التي تظهر على أبنائها، لكن طبيعة التركيبة الأسرية وأدوار الجنسين في مجتمعات شمال أفريقيا قد تقف دون قدرة المرأة على تحمل هذه المسؤولية حين يتعلق الأمر ببعض جوانب الوقاية.

تعد هجمات المتشددين في المغرب نادرة بالنظر إلى حجم المقاتلين المغاربة في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية

المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي

تعد هجمات المتشددين في المغرب نادرة بالنظر إلى حجم المقاتلين المغاربة في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. ومرد ذلك وفق تصريح للباحث المغربي عبدالإله سطي، لـ”العرب”، أن المقاربة المغربية أضحت تشكل نموذجا يحتذي به، نظرا ليقظتها الأمنية وقدرتها على تفكيك الآليات التأطيرية للخلايا الإرهابية قبل أن تقوم بأي عمل تخريبي يستهدف البلاد.

لكن بالرغم من ذلك، لا يمكن للمغرب أن يظل حبيسا للمقاربة الأمنية والاستباقية في تعاطيه مع التهديدات الإرهابية، فالمعطى الثقافي والتربوي والأسري، يفرض نفسه كشريك أساسي لأي مقاربة أمنية حتى نتفادى أي تهديد إرهابي عبر تجفيف منابعه. وتعد العائلات ضحايا للتطرف وأدوات يمكن أن تستخدم ضده على حد سواء.

وفي تونس يحاول خبراء في مراكز دراسات أمنية متعددة فهم توسع عمليات التجنيد لتشمل الطلبة والفتيات وفناني الراب، وحتى داخل عائلات كان يصعب حتى وقت قريب اختراقها من العامة. وتبرز قصة نجل ضابط عسكري رفيع في الجيش التحق بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، كأحد أكثر الأمثلة تعبيرا عن تمدد خطر أيديولوجيا تنظيم داعش في صفوف الشباب بتونس بغض النظر عن انتمائهم العلمي أو الاجتماعي.

ومع أن الضابط، وهو طبيب عسكري، نجح في استعادة ابنه الطالب بعد أشهر من البحث والتعقب انطلاقا من تركيا، حيث وضع قيد الاعتقال قبل ترحيله إلى تونس، إلا أن الحظ العاثر لم يمهل الأب لحظة عناق ابنه لأنه فقد حياته في التفجير الإرهابي الذي استهدف مطار أتاتورك في إسطنبول حينما كان ينتظر قدوم زوجته من تونس.

ويعد نجل الضابط محظوظا بعودته إلى تونس مع أنه دفع كلفة ذلك باهظا لفقدانه والده ودخوله السجن. لكن يعكس ذلك في نهاية المطاف مدى صعوبة سلوك طريق العودة من جحيم تنظيم الدولة الإسلامية. وتقول حليمة عيسى، رئيسة جمعية البحث عن المفقودين والإحاطة بالمعتقلين التونسيين بالخارج، “أنا موجودة في قلب هذا الملف ولنا فيه جرح كبير. لدينا ما يقارب 300 ملف مفقود في العراق من بينهم سجناء وملفات عن الهجرة إلى سوريا”.

وتضيف عيسى، في تصريحاتها لوكالة الأنباء الألمانية، وهي من بين الأمهات التي تتطلع لاستعادة ابنها السجين في العراق، “من 2011 عاد إلى تونس 6 أشخاص من العراق وهم يزاولون حياتهم بشكل طبيعي. لكن عمليات الترحيل عبر شبكات التجنيد هي التي تعقد الأمور اليوم”.

وبحسب أرقام كشفت عنها وزارة الداخلية التونسية في 2015 عاد إلى تونس أكثر من 500 عنصر من بؤر التوتر تم إخضاع أكثر من 100 منهم لقيد الإقامة الجبرية، فيما وضع آخرون تحت المراقبة وتمت إحالة عدد منهم على القضاء.

عودة ياسين

يقول مصطفى العمراني “من المؤسف أن يتفطن الشباب، ومنهم ياسين، إلى أن ما يجيدونه ليس بالأمر الذي كانوا يبحثون عنه. لهذا بدأ ياسين يبحث عن أي طريقة للفرار من داعش”.

وبعد جهود مضنية ومعقدة قام بها العمراني ووالدة ياسين أمكن لهما استعادة الشاب من الجحيم عبر وسطاء من تركيا، وبمجرد وصوله إلى المغرب اعتقلته السلطات الأمنية وأودع السجن تنفيذا لحكم قضائي بحقه.

وقضى ياسين خمس سنوات في السجن وأفرج عنه قبل انتهاء عقوبته الأصلية لتعاونه مع السلطات. لكن تعتقد عائلته أن المعركة الأكثر صعوبة قد بدأت للتو من أجل إعادة إدماجه حتى يبدأ حياته من جديد.

عاد ياسين إلى المغرب لكن مدينة العريش لا تزال تخسر المزيد من أبنائها، إذ تتحدث تقارير منظمات من المجتمع المدني عما يناهز مئة شاب التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية، ما يجعل المدينة في المركز الثاني بين المدن المغربية بعد مدينة تطوان رغم نسبة السكان المنخفضة بها (120 ألف نسمة).

وبعد قصة ياسين يتداول أهل المدينة اليوم قصة سفر أحد أبناء أبرز وجهاء الجهة وأعيانها إلى سوريا رغم وضعه المادي الجيد. ويقول العمراني “ما زال المجندون يملكون مهارات واسعة في عملية الاستقطاب وينجحون في توظيف نقاط ضعف الشباب المتعطش إلى المال وإلى القيادة والسلطة”.

6