عائلة سيمبسون.. حكايات كارتونية غيرت العالم بنقد الثقافة الأميركية

السبت 2014/01/25
مسلسل عائلة سيمبسون فاز بمئة جائزة

برلين- توجد حساسية خاصة لدى أهل الشرق الأوسط تجاه الماسونية وسيرتها، وقد ارتبط هذا بالهجوم العنيف الذي شنته التيارات القومية العربية على الماسونية، رغم أن كبار الشخصيات الإصلاحية في العالم العربي والإسلامي كانوا من الماسونيين، ومن تلك الحركة السياسية الفكرية الاجتماعية المعقدة والغامضة كان عدد من الرؤساء الأميركيين مثل بيل كلينتون وفورد وأوباما وجورج بوش الأب والابن وريغان، وتجد الماسونية حرية كبيرة في المجتمعات الغربية، فتنشط كنواد للمراهقين والشباب وطلاب الجامعات، وفي شوارع بورتلاند في ولاية أوريغون الأميركية وجد ماثيو أبرام غرونينغ ذلك العالم الغامض، مثيرا لاهتمامه، فانتمى إلى الماسونية Free Mason لعدة سنوات، قبل أن يطلق مسلسله ذائع الصيت “عائلة سيمبسون” الذي تمكّن من دخول كل بيت ولفت انتباه كل فرد من أفراد الأسرة التي يمكنها مشاهدة التلفزيون في العالم.


الأب الشرعي لسيمبسون


ولد غرونينغ في 15 فبراير من العام 1954، وتلقف سحر الرسوم المتحركة من والده “هومر” غرونينغ، وقد قام بكتابة واختراع أفضل الأعمال التلفزيونية الكرتونية، ليس فقط في عالم الأطفال، ولكن لدى الكبار أيضا، فالمسلسل الشهير يعرض يوميات أسرة من أجيال مختلفة، تجد كل شخصية جمهورها بين المشاهدين.

وتقوم شركة فوكس بإنتاج حكايات شخصيات العائلة بعد أن كان أول ظهور لها يوم 19 إبريل من العام 1987 كجزء من برنامج “تريسي أولمن” الكوميدي المنوع، وفي العام 1992 قامت تريسي أولمان بمقاضاة شبكة فوكس التي تبث برنامج “عائلة سيمبسون” مطالبة بجزء من أرباح المسلسل الناجح بحجة أنها السبب في شهرته إلا أن القضية رفضتها المحكمة، ليتمكن المسوقون من تنفيذ دوبلاج لحوار المسلسل إلى عدة لغات في العالم، وبدأ عرضه في أوروبا وآسيا والعالم العربي، وتجري يوميات عائلة سيمبسون في مدينة أميركية خيالية أطلق عليها مات غرونينغ اسم سبرينغفيلد Springfield، أما العائلة فهي من العائلات الأميركية البسيطة، ذات المشاكل الاعتيادية التي تتعرض لها كل الأسر الأميركية، وتتحدث بنفس النبرة والكليشيهات ولها الاهتمامات ذاتها.

أطلق غرونينغ الذي يقوم ليس فقط برسم الشخصيات ولكن بكتابة الحكايات وحوارها أيضا، اسم والده على والد عائلة سيمبسون فأصبح “هومر فيليب غرونينغ” هو “هومر جي سيمبسون”، وهومر هو مواطن أميركي ساذج، ولكن آلات المجتمع الأميركي قادته ليكون موظفا في مفاعل نووي، وهو مثل بقية الآباء الأميركيين يواجه مشاكل الحياة العامة، والضرائب والدخل المحدود وظواهر المجتمع وتربية الأطفال والعلاقة مع الجيران والزوجة.

فبث غرونينغ في هومر روح المواطن الأكثر شيوعا في الولايات المتحدة، يذهب هومر إلى البار ليلتقي بأصدقائه ليني وكارل وبارني، ولديه موقف من المتدينين فهو لا يحب جاره المتعصّب "نيد فلاندرز" رغم معاملته الحسنة له.

السيدة مارج سيمبسون..الأم المسؤولة

يتميّز هومر بالبخل، والنهم لالتهام الدونات الأميركية الشهيرة، وهو كسول ولا يحب العمل، ولكن لديه فلسفة خاصة في الحياة تمكنه من الاستمرار ورعاية الأسرة بمساعدة زوجته السيدة مارج سيمبسون، التي تظهر بمظهر الأم المسؤولة، والتي تتمرد على هذا المظهر في بعض الأحيان، فتلعب القمار، وتقوم بشكل يومي بإصلاح السقف وتتنشق الهواء بعد السير وهي نائمة.

أما الابن الأكبر بارت فهو الأكثر طيشا في الأسرة وهو سبب كل المشاكل، عمره عشر سنوات، ولديه هوايات جمع الطوابع والاستكشاف، والمغامرة، ولديه عقدة أوديب مع والده هومر، ولكنه كباقي الأطفال الأميركيين يتجاوز هذه العقدة باعتبار والده هومر مجرّد والد ينتمي إلى العقلية القديمة، أما ليزا سيمبسون البوذية شقيقة بارت والتي تصغره بعامين، فهي شديدة الذكاء وتبدو ناضجة أكثر من بقية أفراد الأسرة، نباتية ومختلفة عن أسرتها ومجتمعها، وأخيرا ماغي سيمبسون، أصغر أفراد العائلة، الرضيعة المتطلبة التي تدور حولها غالبية اهتمامات الأسرة.


عالم سيمبسون


يوجد إلى جانب أسرة هومر، والده الجد “أبراهام سيمبسون”، المصاب بالزهايمر، المحارب القديم، وعضو عصابة فلاينغ هيل فيش الغامضة التي تأسست من قبل محاربين قدماء في الحرب العالمية الثانية بعد سرقتهم لأعمال فنيه ومجوهرات تبرّر ثروات كثيرة ظهرت في أميركا دون مقدمات، ويعمل هومر في مفاعل نووي من القطاع الخاص مملوك لمونتغمري بيرنز ويظهر غرونينغ في المسلسل على أنه الثري الشجع، والعضو في عصابة “فلاينغ هيل فيش”، وتقع مشاكل لهومر باستمرار بسب رب عمله بيرنز، بينما تفضّل العائلة التسوّق من متجر يمتلكه المهاجر الهندي “آبو” الذي لديه عدد كبير من الأبناء التوائم.

وفي المدرسة سيكون على بارت و ليزا مواجهة الأستاذ “سيمور سكينر” مدير المدرسة الابتدائية، وهو ضحية دائمة لبارت الشقي، ويرتبط مع مالك مفاعل سبرينغ فيلد بكون والده عضو في عصابة “فلاينغ هيل فيش” أيضا، ولديه علاقة حميمة مع مدرّسة المدرسة “أدنا كربابل”.

أما السلطة في المدينة الافتراضية التي خلقها غرونينغ، فيمثلها رئيس الشرطة “كلانسي ويغام” الذي تصوّره الحلقات على أنه رمزٌ للفساد والفشل في حفظ الأمن، والده هو الآخر عضو في عصابة “فلاينغ هيل فيش”، ويعدّ أذكى شخصيات عالم سيمبسون الطبيب الذي تذهب إليه العائلة، ويقول المسلسل إنه أذكى شخص في المدينة، فمعدل ذكائه يصل إلى درجة 155، أما كراستي فهو مقدم برنامج ” كراستي شو” الكوميدي المخصص للأطفال، فيظهره غرونينغ على أنه اليهودي الشهير الأناني، أما الحاكم فهو كويمبي عمدة سبرينغ فيلد الأبله و زير النساء الذي يعارض كل تطوير في العمل الأهلي.


ماذا فعلت عائلة سيمبسون؟

عائلة سيمبسون مسلسل يروج لثقافة المجتمع الأميركي


هناك شخصيات مرافقة أخرى في المسلسل ترسم عالما كاملا ينطلق من حول هومر وأبنائه وزوجته، ولكن لا يمكن للمشاهد التمييز بين اللحظة التي يقرّر فيها غرونينغ الترويج لثقافة المجتمع الأميركي، وبين لحظة بدئه بنقد ذلك المجتمع بقسوة، كل تلك الشخصيات والأحداث المتعاقبة على حلقات المسلسل، تقدّم دروسا واسعة ومستمرة للمجتمعات التي تشاهده وتتابع حواراته، وتتمثل في أنه لا شيء فوق الانتقاد، وليس على المجتمع الذي ينتج هذا المسلسل أن يكون نقيّا معقّما صافيا، تلك الفلسفة جعلت من شخصيات سيمبسون أكثر الشخصيات شعبية في العالم، لأنها تقدّم ذاتها ببساطة وعمق ودون تجمّل.

وقد احتفت أميركا بعائلة سيمبسون، ونقلت قناة "سي إن إن، أن" سلطة البريد الأميركية قررت إصدار طوابع بريدية للعائلة الكرتونية، وقال مبتكر شخصيات المسلسل الذي تبثه قناة "فوكس"، مات غرونينغ: “هذا الأمر يعد أكبر وأفضل تكريم تحظى به عائلة سيمبسون.

ويأتي اختيار عائلة سيمبسون، أطول مسلسل يبث في ساعات الذروة، من بين نحو 50 ألف اقتراح لطوابع بريدية رفعت لسلطة البريد الأميركية، وتكلف الحلقة الواحدة من مسلسل سيمبسون شركة فوكس قرابة 750 ألف دولار كتكاليف إنتاج أولية.

وبعد النجاح الكبير الذي حققته عائلة سيمبسون قررت فوكس تحويله إلى فيلم سينمائي في العام 2007 بكلفة تقريبية وصلت إلى 75 مليون دولار وبلغت أرباحه في السينما الأميركية 183 مليون دولار في أسابيعه الأولى.

ومنذ العام 2001 وحتى عرض الفيلم في 2007 تمت إعادة كتابة نص الفيلم 100 مرة، وتبلغ أرباح المسلسل السنوية 3 مليارات دولار من الإعلانات وحقوق النسخ فقط. بينما تبلغ أرباح مبيعات التذكارات والألعاب والدمى حوالي 1.65 مليار دولار”.

وحين أطلق الموسم الثالث والعشرون من مسلسل عائلة سيمبسون في العام 2010، قال المنتج المنفذ آل جين: “مثلما كان طيلة 22 سنة فإن عائلة سيمبسون ستسعد بالبقاء في المنزل في "فوكس"، وآمل بألا تضطر للذهاب إلى العالم الحقيقي لسنوات عديدة مقبلة”، وحازت الحكايات الغريبة لـ“هومر” و”مارج” و”بارت” و”ليسا” و”ماغي” على 27 جائزة “إيمي” التلفزيونية منذ انطلاق المسلسل في العام 1989، ويبث المسلسل في أكثر من 100 دولة وبأكثر من 50 لغة، وقد أثنى الفاتيكان عليه لا سيما فيما يتعلق بنقد الثقافة الأميركية.

ويستغرق إنتاج كل حلقة من المسلسل ستة أشهر، ويتكوّن فريق الكتابة من 16 كاتبا يجتمعون كل سنة في شهر ديسمبر لطرح أفكار الحلقات الجديدة، ومعظم أصوات الشخصيات الرئيسية يقوم بها ستة ممثلين رئيسيين تقاضى كلٌ منهم 30 ألف دولار عن كل حلقة في بداية المسلسل إلا أنهم حاليا يتقاضون 400 ألف دولار عن كل حلقة، وقد سجّل مسلسل عائلة سيمبسون الرقم القياسي في موسوعة جينيس لأكبر عدد من الضيوف في برنامج تلفزيوني ومنهم العالم الفيزيائي “ستيفن هوكينغ و”بيل غيتس” ومغني البيتلز “بول مكارتني” والمذيع الشهير”لاري كينغ” و”مايكل جاكسون“.


سيمبسون يسبب المشاكل العالمية

المسلسل يقدّم دروسا واسعة ومستمرة للمجتمعات


في أشهر فضيحة متصلة بمسلسل سيمبسون، قامت الحكومة الفنزويلية بحظر المسلسل على شاشاتها، وصنّفته على أنه “وقح” فتتالت ردود الفعل في أنحاء العالم، وخاصة في القارة اللاتينية. ففي الأرجنتين قال "بلوغاس" وهو أحد أشهر منتقدي القرار الفنزويلي الذي اتخذ أيام الرئيس الراجل تشافيز :”تشافيز! هذا يكفي، من المذهل كيف حوّلت نفسك بنفسك إلى شخصية كرتونية منحطة وسخيفة، كيف تحولت جميع الأفكار الاشتراكية إلى ستالينية، كيف تتحكم بالإعلام وتراقبه تماما كحقبة الأنظمة الديكتاتورية، هذا يكفي!

إننا نحن الأميركان اللاتينيين ندرك ما سيحل بأولئك الذين يؤمنون بأنفسهم أنهم مخلصون للعالم، سيدفعون الثمن عاجلا أم آجلا. ألم تتعلم الدرس من الاستفتاء الذي خسرته؟ لا، تشافيز، ليس السيمبسون! ألا تدرك أن هذا العرض فعليا ينتقد المجتمع الغربي؟ إذا لم تكن تريد لعائلتك أن تكون بمعايير عائلة هومر، دع المجتمع والأطفال يقرروا”.

وعلى ذلك علّق باحثون في الأثر الإعلامي بالقول” إن المعهد الحكومي المسؤول عن تنظيم الإعلام يؤكد لنا أن المسلسل له (تأثير سلبي) على صغار السن، لن يتمكن الأطفال الفنزويليون من مشاهدة السيمبسون، فحكومة تشافيز أجبرتهم على سحب هومر، ومارج، وليزا، وبارت، وماغي، بعيدا عن التلفزيون، وقد تم وضع البديل مباشرة: المنقذات البحريات لمسلسل (باي واتش) ببزة حمراء مبللة، وممشوقات القوام..هل هذا له تأثير ايجابي؟!”

لا شك أن عائلة سيمبسون قامت بنقل ما يحدث داخل الكوكب الأميركي بدقة، وصوّرت من خلال وجهة نظر كتاب المسلسل، الذين أصبحوا فريقا كبيرا بعد المؤسس غرونينغ، وباستخدام التهكم والسخرية كان يمكن مناقشة كل القضايا الحساسة المطروحة وتلك المسكوت عنها في الحياة الأميركية، فلم يصمت المسلسل عن مناقشة الحريات والمثلية الجنسية والفقر والعنصرية والتاريخ والطفولة والاكتئاب والاستهلاك والرأسمالية.

15