عائلة مصرية تتوج سنوات من مداعبة الزواحف بحديقة حيوانات

أفريكانو طلبة توفر فرصة للزائر لقضاء اليوم كله في مقابل تذكرة لا تتجاوز قيمتها 10 جنيهات (60 سنتًا)  للكبار و5 جنيهات للأطفال.
السبت 2019/08/03
مرحبا بكم في عالم آل طلبة

عائلة مصرية تغير نشاطها من صيد الزواحف على مدار ثلاثة قرون إلى إنشاء حدائق حيوانات خاصة، ومعارض تضم تشكيلات من المفترسات والثدييات تستوردها من الخارج، لتنهي الاحتكار الحكومي لنمط ترفيهي استأثرت به منذ تأسيس حديقة حيوان الجيزة القريبة من القاهرة قبل 128 عامًا.

طورت عائلة “طلبة” التي تتوارث مهنة الصيد في مصر قرابة ثلاثة قرون نشاطها التقليدي من تتبع الزواحف والذئاب والثعالب في الصحاري، إلى امتلاك حدائق حيوانات خاصة ومعارض َمفتوحة أمام الجمهور، تضم أصنافًا من المفترسات في مقدمتها الأسود والضباع والتماسيح والذئاب.

ترتبط العائلة، التي يقدر عدد أفرادها بقرابة 7 آلاف فرد وتتركز في منطقتي “أبورواش” و”كرداسة” في الجيزة المتاخمة للقاهرة، برباط مقدس مع الحيوانات، فالطفل لديهم يخالط الزواحف بدءًا من العام الثالث، لتصبح الثعابين لعبته المفضلة وليس الدمى البلاستيكية والقطنية، ويتشكل في عقله عالم الغابة بحقيقته وصراعه البعيد عن مثالية عوالم الرسوم المتحركة المعتادة.

وتوسع صلاح طلبة، بعد افتتاحه حديقة حيوان تحمل اسم “أفريكانو طلبة” على مساحة تناهز 1500 متر في قائمة الكائنات التي يضمها، ليجمع الزواحف والثدييات التي اصطادها بنفسه، وأضاف إليها مجموعة أخرى حصل عليها عبر الاستيراد أو الاستبدال من هواة الاقتناء بالخارج، بعدما أصبح العالم قرية واحدة بفضل مواقع التواصل الاجتماعي.

ظل آل طلبة طوال 300 عام يحتفظون بما يصطادونه داخل المنازل، فالزواحف كالعقارب والثعابين كانت تُخزن في صناديق زجاجية وأكياس من القماش أحيانًا تحت أسرّة غرف النوم والثعالب والذئاب داخل صناديق بمدخل البيوت، قبل تطوير نشاطهم لإنشاء حدائق خاصة ومعارض منزلية وخارجية، والاستفادة من الاحتكاك العلمي في محاولة تأسيس معامل لاستخراج السموم لتصديرها إلى شركات الأدوية.

تتخذ أفريكانو طلبة شكلاً دائريًا تتراص فيه الحيوانات في أقفاص زجاجية، ويتوسطها قفصان من الحديد الصلب يضمان ثلاثة أسود عمرها جميعا خمس سنوات وتم اقتناؤها في سن أصغر وتربيتها، وتعتبر الحيوانات الثلاث الوحيدة التي تحمل أسماء بشرية فالذكر يدعى “عديّ” واللبؤتان تحملان اسمي “هيفاء” و”نانسي” تيمنًا بالمطربتين اللبنانيتين الشهيرتين.

تضم الحديقة تشكيلة من القرود موزعة بين “البابون رباح” و”مكاك بربري” و”نسناس عبلنج” (سعدان الفرفت)، ومجموعة من الذئاب والثعالب الحمراء وثعالب الفنك والقطط البرية والضباع وتماسيح النيل وسلاحف السولكاتا، وزواحف الورل والضب والنمس والسحالي وقوارض النيص وأرانب الهامستر ومجموعة من القنافذ.

وتتضمن طابقًا ثانيًا يضم مجموعة من الطيور مثل البشروش وصقر الجراد والعقاب الملكي والبوم المقرن، بجانب غرفة مغلقة تضم 30 نوعًا من الثعابين بينها الأناكودا العملاقة، وتشكيلة عقارب موضوعة في غرفة مخصصة وغير مسموح بالاقتراب منها لمرور الكثير منها بمرحلة الانسلاخ التي تطرح فيها الكائنات قشرتها أو جلدها الخارجي.

ويقول صلاح طلبة، الذي يحافظ على الجلباب (الزي التقليدي للمناطق الريفية في مصر)، لـ”العرب” إن العائلة لديها حاليًا عدة معارض متخصصة للحيوانات وبيعها لأغراض علمية وطبية، لكنه نقل نشاطه إلى آفاق أوسع ليؤسس حديقة حيوان كاملة تتوافق مع المعايير العالمية في العناية بالحيوانات، تضم أنواعا من البيئة المحلية وأخرى جلبها من الخارج عبر التبادل أو الاستيراد.

وتوفر أفريكانو طلبة فرصة للزائر لقضاء اليوم كله في مقابل تذكرة لا تتجاوز قيمتها 10 جنيهات (60 سنتًا)  للكبار و5 جنيهات للأطفال. وفي منافسة حديقة حيوان الجيزة تعتمد على فكرة توفير الأمان للزائرين الذين يصحبون عددا كبيرا من الأطفال، وتوفير بعض الألعاب المجانية داخلها وإمكانية تناول المشروبات في طابق علوي مع إطلالة على غالبية كائنات الحديقة.

اهتمام فائق

متعة وفائدة
متعة وفائدة

لا يقف طموح صلاح عند امتلاك حيوانات بل بدأ نشاطا جديدا يتعلق

بتأسيس مزرعة للعقارب هي الأولى عربيًا بمساعدة نجل عمه أحمد وبالتعاون مع عالم بولندي

يتم التواصل معه بطريقة الفيديو كونفرانس عبر شبكة الإنترنت. وتضم المزرعة حاليًا نحو 15 نوعًا من العقارب بعضها للزينة ويمكن مسكه باليد، والبعض الآخر شديد السمية لا يمكن الاقتراب منه إلا من قبل المختصين.

تحتاج العقارب إلى رعاية خاصة، مثل ضبط الرطوبة والحرارة التي تكون في العادة متراوحة بين 20 و27 درجة، وتوفير التهوية المناسبة والغذاء المناسب من “الميل وورم” أو يرقات خنافس الظلام، التي تعتبر أهم أنواع الأعلاف الطبيعية وتحتوي على نسبة مرتفعة من البروتين والألياف والحديد.

وتحقق الحديقة -التي بلغت تكلفة إنشائها وتوفير حيواناتها قرابة 230 ألف دولار- اكتفاءها الذاتي من إنتاج “الميل وورم” عبر السماح لليرقة بأن تصل إلى مرحلة اليرقة السوبر وفصلها في إناء صغير إلى أن تصبح شرنقة، ثم خنفساء بعد أسبوعين لتتولى الأخيرة وضع البيض وإعادة احتضانه وتغذيته من أجل استخدامه في تربية العقارب.

ويخطط طلبة لإنشاء مركز لاستخراج السموم من العقارب والثعابين وتوجيهها للسوق المحلية التي تعتمد على استيرادها من الخارج، لكنه يواجه بعض العقبات الروتينية التي تحول دون انطلاق المشروع، رغم أن مصر تصدر الزواحف خلال الفترة الممتدة من أول أبريل حتى نهاية شهر سبتمبر،وتعيد استيراد سمومها المستخدمة في الأمصال مجددًا من الخارج.

وتنتج العائلة بعض المستحضرات الطبية المشتقة من دهن الثعابين وزيوتها ويتم بيعها للجمهور لاستخدامها في علاج آلام المفاصل وإطالة وإنبات الشعر، لكنها تحلم بالتوسع في كمية الإنتاج وأن يحمل علامة تجارية وشعارًا خاصًا بالعائلة.

عوائق مستمرة

ملك الغابة في خدمة الزوار
ملك الغابة في خدمة الزوار

أوضح صاحب الحديقة أن العديد من العوائق تواجه عمله في تصدير الحيوانات المولودة داخل هذه الحديقة، وتفوق حاجتها أو التي تتسم بغزارة تواجدها في البيئة المصرية كاليرابيع والفئران والسحالي والأبراص، ما يحول دون توفير سيولة تساعده على تغطية نفقات مشروعه الذي يتطلب نفقات باهظة سواء للعمالة أو لإطعام قطيع حيواناته لحومًا وفواكه وخضروات يوميًا.

على طول طريق “كرداسة ـ أبورواش”، تتواجد معارض للحيوانات تفتح أبوابها للجمهور وتحمل جميعها لقب طلبة وتضم كائنات من البيئتين المصرية والسودانية معظمها من الثعابين والسلاحف والقرود، لكن بعضها يضم تشكيلة فريدة من الغزلان -بينها الأيل الأوروبي والمها العربي- التي يقبل الزائرون على التقاط صور لها بعيدة، خوفًا من قرونها الضخمة التي يصل طولها إلى 50 سنتيمترًا.

ويقول أشرف طلبة -الذي يفضل التعامل مع الغزلان ويربي بعضها في حديقته- لـ”العرب” إن جمال الغزال ونظافته يجعلانه كائنًا محببًا جدًا من زوار حديقته، ورغم أن تربية الغزلان سهلة فإنها تحتاج إلى إتقان التعامل مع لغتها، فالذكر غيور جدًا ويرسم خطًا على الأرض بأقدامه الأمامية يحدد عبره المسافة التي يحظر على الزائر تجاوزها، وإن تخطاها يبدأ الهجوم بقرونه الضخمة.

ودفع اقتران العائلة بمجال الصيد بعض أعضائها إلى التخصص العلمي في الحياة البرية، مثل حسام طلبة الذي يعمل خبيرًا في جامعة الدول العربية، ولا يزال حتى الآن يشارك في موسم اصطياد الزواحف الخطيرة الذي يتطلب معرفة بتقصّي أثر الحيوان على الأرض ونمط معيشته وسلوكه.

وأكد أشرف لـ”العرب” أن عائلته شغوفة بالحيوانات وتورث هذا الشغف للأجيال وتعتمد على التخصص في حيوانات معينة، ولديها لغة خاصة تتحدث بها ومصطلحات غير معلومة إلا بين أبنائها الذين يشرعون في تعلمها مع تعليم كيفية صيد الزواحف والثعابين التي تعتمد عليها مراكز الأبحاث في جامعات محلية وأجنبية.

ويتعلم الصغار الصيد على مراحل أولاها تقديم ثعابين غير سامة لهم يلهون بها، ثم اصطحابهم في رحلات الصيد عند وصولهم إلى سنّ الدراسة (6 سنوات)، وجميعهم فخورون بأن جدهم الأكبر طلبة كان مقربا من ملوك مصر ويجلب لهم الثعالب والذئاب الحية التي كان يتم إطلاقها في الحدائق الملكية لممارسة هواية صيدها.

لغة خاصة

ألفة الصغار مع الحيوانات
ألفة الصغار مع الحيوانات

ويشير أفراد العائلة إلى أن التعامل المباشر مع الحيوانات وملاحظة سلوكها يؤكدان تشابهها مع عالم البشر، فالأسد يفضل إحدى الإناث على الأخرى لتقربها منه ويترك لها عرينه ويجلس أسفل قدميها، وبعض فصائل القرود تمنح بعض الإناث قسطا من الطعام أوفر مما يقدم إلى الأخرى، وذكر الغزال يشير إلى أنثاه بقرونه كي تبتعد عن الغرباء حال قدومهم ليتولى هو دور الدفاع ومواجهة الخطر المحتمل.

لا يملك أغلب أفراد العائلة درجات متخصصة، لكنهم يتعلمون بالممارسة والمراقبة، والبعض منهم يخاطبون الحيوانات أثناء تنظيفها كما لو كانت بشرًا فهي مصدر دخلهم الرئيسي وسبب شهرتهم، ويقولون إن التواضع في التعامل مع الحيوان سبب للنجاة، فلا مجال للغرور أمام كائنات -كالأسد والضبع- يحكمها قانون الغاب القائم في الأساس على تنحية الصداقة جانبًا ورفع شعار الافتراس.

ويحافظ جيل العائلة القديم على توارث مهنة الصيد والملابس الكلاسيكية المعتادة وخاصة منها الجلباب الريفي والعمامة، بينما تتبع الأجيال الجديدة تصوّرا أكثر انفتاحا يقرّ بضرورة تطوير مهنتها إلى صناعة تتضمن شراكات مع مستثمرين لتحويل حدائق الحيوان ومعارضها إلى ما يشبه المنتجع بحمامات سباحة ضخمة ومطاعم تمنح الزائرين المزيد من أدوات الترفيه.

Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
17