عابد خزندار أمين خزائن الثقافة السعودية وراهب التنوير

السبت 2013/11/16
خزندار ضاقت به السجون فغادرها إلى عاصمة الأنوار

كان من السهل على عابد خزندار مواصلة الصدام مع السلطات والمؤسسات ذات النفوذ في السعودية، ليصبح شهيدا طريدا من أجل الحرية والفكر الجديد، ولكنه اختار استعمال الثقافة لهدفها الأسمى.

من عاش في مكّة، المدينة المقدّسة، يدرك أن تهادي تضاريسها ومرورها بين الناس ما بين جبال ووديان، إنما سينعكس سريعا على أهلها، في خلق مديني مستمر، ما بين الطبيعة والبشر والتاريخ.

ومكة ليست لأهلها وحدهم، فمن أزلٍ كانت معبر الثقافات كلّها، ومحطّ أجنحة العلوم والأعراق، وكأن أوّل ما قرّره تمرّد الشريف حسين لتمكين عزلتها، تقطيعُ جسورها مع العالم، بتفجير خط سكة حديد الحجاز الذي يربطها بالشام، فكانت الشام والحجاز كتف نجد والعراق، وفضاء واحدا صنع المعارف العريقة.

كتاب البنات والورق والراديو

في حي ﺍﻟﻘﺸﺎﺸﻴﺔ ـ الشاميّة في مكة، ولد عابد خزندار، في زمن التحوّلات الكبرى، في العام 1935 ليشهد عليها طفلا وليخرج منها شابا إلى العالم. يقول ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ متذكرا ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻔﺘﺭﺓ: "ﺘﻴﺴّﺭ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺤﻕ ﺒﺎﻟكتّاب، ﻭﻗﺩ ﺩﺭﺴﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺩﺍﻴﺔ ﻓﻲ كتّاب ﻟﻠﺒﻨﺎﺕ ﻜﺎﻨﺕ ﺘﺩﻴﺭﻩ ﺴـﻴﺩﺓ ﻤـﻥ ﻋﺎﺌﻠﺔ ﺍﻟﻬﺯﺍﺯﻱ، ﻭﻜﻨﺎ ﻨﻜﺘﺏ ﺩﺭﻭﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻭﺡ ﻨﺴﺒﺔ ﻟﻨﺩﺭﺓ ﺍﻟﻭﺭﻕ ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻷﻴﺎﻡ، ﻭﻫﺫﺍ ﻤﺎ ﻜﺎﻥ ﻴﺘﻁﻠﺏ ﻤﻨﺎ ﺤﻔﻅ ﺍﻟﺩﺭﻭﺱ ﺃﻭﻻ ﺒﺄﻭل ﻟﻨﻤﺤﻭﻫﺎ ﻋﻥ ﺼﺩﺭ ﺍﻟﻠﻭﺡ ﻜﻲ ﻨﻜﺘﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﻤﺠﺩﺩﺍ ﺍﻟﺩﺭﻭﺱ ﺍﻟﻼﺤﻘﺔ". ثم التحق بالمدرسة النظامية، ولكنه كان يغادر المدرسة عصرا إلى باحة الحرم المكي لمتابعة حلقات الدروس، ليحفظ ألفية بن مالك في النحو وغيرها. ويقول عن والده الذي كان هو الآخر مثقفا: "ﺃﻨﺎ ﺘﻌﻠﻤـﺕ ﻤﻥ ﺃﺒﻲ ﺃﻜﺜﺭ ﻤﻤﺎ ﺘﻌﻠﻤﺕ ﻤﻥ ﺍﺒﻥ ﻫﺸﺎﻡ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻥ ﻜﺘﺎﺒﻪ ﻫﺫﺍ ﻤﻘﺭّﺭﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺒﻤﺩﺭﺴـﺔ ﺍﻟﻔﻼﺡ ﺒﻤﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺭﻤﺔ".

ثم عاد استيراد الورق بعد الحرب العالمية الثانية إلى مكّة، واستردّت الصحافة والطباعة عادتها ورأى عابد خزندار الورق بعد طول غياب، ثم جاء الراديو الذي يقول إنه صنع ثقافته ونقل إليه كل ما يشتهي من أبعد الأماكن في العالم، وﻜﺎﻨﺕ ﻓﻲ ﻤﻜﺔ ﻤﻜﺘﺒﺔ ﺭﺍﻗﻴـﺔ ﻫـﻲ ﻤﻜﺘﺒـﺔ "ﻋﺒﺎﺱ ﺤﻠﻭﺍﻨﻲ"، وبعد ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺃﺴﺱ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺤﻤﻴـﺩ ﺍﻟﺼﺤﺎﻑ ﻤﻜﺘﺒﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ، ﻭﻤﻌﻪ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺭﺯﺍﻕ ﺒﻠﻴﻠﺔ ﻭﺼﺎﻟﺢ ﺠﻤﺎل ﻭﺃﺤﻤﺩ ﻤﻼﺌﻜﺔ.

ولكن الأمر لم يكن سهلا في مكة، يصف خزندار إحدى صدماته من رقابة المجتمع بالقول "عاقبني أحد ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﻴﻥ حين ﺃﻤﺴﻙ ﺒﻲ ﻤﺘﻠﺒﺴﺎ، ﻭﺃﻨﺎ ﺃﻗﺭﺃ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﻤﺠﺩﻭﻟﻴﻥ، ﺍﻟﺘﻲ ﻋﺭﺒﻬﺎ ﻤﺼﻁﻔﻰ ﻟﻁﻔـﻲ ﺍﻟﻤﻨﻔﻠﻭﻁﻲ.. وﻘـﺩ ﻗﺭﺃﺕ ﻋﻥ ﺘﻭﻟﺴﺘﻭﻱ ﻷﻭل ﻤﺭﺓ ﻋﻨﺩﻤﺎ ﻜﻨﺕ ﻓﻲ ﻤﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺭﻤﺔ، ﻭﺃﻨـﺎ ﻓـﻲ ﻤﺭﺤﻠـﺔ ﺍﻟﺘﺤﺼﻴل ﺍﻟﺜﺎﻨﻭﻱ، ﻭﺫﻟﻙ ﻓﻲ ﻤﺠﻠﺔ ﺍﻟﺭﺴﺎﻟﺔ، ﻭﻻ ﺃﺫﻜﺭ ﺍﻵﻥ ﻜﺎﺘﺏ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻻﺕ، ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﻟﻬﺫﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻻﺕ ﻫﻭ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ، ﻓﺘﺸﺕ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻤﻜﺘﺒﺎﺕ ﻤﻜﺔ ﻓﻠـﻡ ﺃﺠﺩﻫﺎ ﺒﺎﻟﻁﺒﻊ، ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻷﻴﺎﻡ ﻟﻡ ﺘﻜﻥ ﻗﺩ ﺘﺭﺠﻤﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ". ثم عبر عابد خزندار البحر إلى مصر عام 1952، لدراسة الطب أولا، حيث التحوّلات أيضا في الأرض الهادئة، والانتقال من الملكية إلى الجمهورية وبداية حقبة عبدالناصر، ولكنه اختار دراسة الهندسة الزراعية في جامعة القاهرة، بعد أن رأى كتابا عن النحل لأحمد زكي أبو شادي، فسحره النحل والأدب معا.

في القاهرة، ﻨﺸﺄﺕ ﺒﻴﻥ المفكر المصري ﺴﻼﻤﺔ ﻤﻭﺴﻰ ﻭﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ﺼﺩﺍﻗﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ، ﻴﻘـﻭل عنه: "ﺃﻋﺘﻘﺩ ﺃﻥ ﺴﻼﻤﺔ ﻤﻭﺴﻰ ﻫﻭ ﻭﺍﺤﺩ ﻤﻥ ﺃﻜﺜﺭ ﻤﻥ ﺘﺄﺜﺭ ﺒﺎﻟﻐﺭﺏ، ﻭﺭﺒﻤﺎ ﻜـﺎﻥ ﻫـﻭ ﺍﻷﻜﺜﺭ ﺘﺄﺜﺭﺍ ﻤﻥ ﺒﻴﻥ ﺍﻟكتاب، ﻭﻤﻭﺴﻰ ﺘﺄﺜﺭ ﺒﺎﻟﺫﺍﺕ ﺒﺒﺭﻨﺎﺭﺩ ﺸﻭ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻡ ﻴﻜﻥ ﻴﻌﺎﺩﻱ ﺍﻹﺴﻼﻡ، ﺒل ﻜﺎﻥ ﻴﺩﻋﻭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺤﺭﺭ ﻤﻥ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺩ ﺍﻟﻘﺩﻴﻤـﺔ، ﻭﺍﻻﻨﻔﺘـﺎﺡ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﻐﺭﺏ"، ﻭﻗﺩ ﺃﺭﺸﺩﻩ ﺴﻼﻤﺔ ﻤﻭﺴﻰ ﻓﻴﻤﺎ ﻴﺫﻜﺭ ﺇﻟﻰ ﻜﺘﺏ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺨﺎﺼﺔ ﺍﺒﻥ ﺭﺸـﺩ، ﻭﻓﻲ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺭﺤﻠﺔ ﺒﺩﺃﺕ ﺘﺘﺸﻜل ﻟﺩﻴﻪ ﺍﻟﻤﺭﺤﻠﺔ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻴﺔ. ثم قرر السفر من جديد، مغادرا، هذه المرة، بعيدا عن الشرق الموّار بالحروب وضحاياها والظلام وساكنيه ومقاوميه، إلى الولايات المتحدة خلف بحر أوسع هذه المرة، في العام 1957، ﺤﻴﺙ ﺍﻟﺘﺤـﻕ ﺒﺠﺎﻤﻌـﺔ "ﻤﻴﺭﻻﻨﺩ"، ﻭﺤﺼل ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺠﺔ ﺍﻟﻤﺎﺠﺴﺘﻴﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻴﻤﻴﺎﺀ ﺍﻟﺤﻴﻭﻴﺔ، أصعب العلوم وأعقدها، في 1961.

خزندار والسجن والوطن والحرية


عاد خزندار إلى السعودية، المنشغلة ببناء مؤسساتها في أواسط الستينات، فقد كان لابدّ من الخبرات والكفاءات، في البلاد الشاسعة، ولكن في الوقت ذاته كان انشغال البلاد بالصدام التاريخي ما بين الناصرية والعرب، على الرغم من الشعار القومي الكبير الذي بثّه عبدالناصر، ليشغل منصب مدير عام في وزارة الزراعة، ولكن عابد المتوثّب إلى المزيد من البحث والحياة، ما لبث أن غادر وظيفته وبلاده، ثم قرّرت السلطات السعودية اعتقال ﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﻤﻥ المثقفين وﺍﻟﻤﻔﻜﺭﻴﻥ ﺍﻟﺴﻌﻭﺩﻴﻴﻥ، ﻤﻥ المتهمين بمناصرة ﺍﻟﺤﺭﻜﺔ ﺍﻟﻘﻭﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺩّ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭﻱ، ﻭﻜﺎﻥ ﻤﻥ ﻀﻤﻨﻬﻡ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ، ﻭﻗﺩ ﺃﻤﻀﻰ ﻋـﺎﻤﻴﻥ ﻓﻲ ﺴﺠﻥ ﺍﻟﺩﻤﺎﻡ ﺒﻴﻥ عامي 1963- 1965. ﻴﻘﻭل خزندار ﻋﻥ السجن: "ﺘﻌﺭﻀﺕ ﺸﺨﺼﻴﺎ ﻟﻠﻤﺴﺎﺀﻟﺔ ﻓﻲ ﺯﻤﻥ ﻏﻴﺭ ﺍﻟﺯﻤﻥ ﺍﻟﺫﻱ ﺃﻋﻴﺵ ﻓﻴـﻪ ﺍﻵﻥ ﻷﻥ ﻋﻨـﺩﻱ ﺃﺸﻴﺎﺀ".

وفي السجن كان رفيقاه ﺍﻷﺩﻴبان السعوديان ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻜﺭﻴﻡ ﺍﻟﺠﻬﻴﻤﺎﻥ، ﻭﺍﻟﺸﺎﻋﺭ ﻋﺒﺩﺍﻟﺭﺤﻤﻥ ﺍﻟﻤﻨـﺼﻭﺭ، ولكن حتى في سجنه كان عابد خزندار مختلفا: "ﺃﻤـﻀﻴﺕ ﻋـﺎﻤﻴﻥ ﻫﺎﺩﺌﻴﻥ ﺘﻔﺭﻏﺕ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻟﻠﻘﺭﺍﺀﺓ ﺒﻼ ﺃﺩﻨﻰ ﺼﺨﺏ ﺃﻭ ﻀﺠﻴﺞ، ﺍﺴﺘﺜﻤﺭﺕ ﻓﺘﺭﺓ ﺍﻟﺘﻭﻗﻴﻑ ﻤﻊ ﺍﻟﺠﻬﻴﻤﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺭﺍﺀﺓ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻭﺭﺍﺕ ﻤﻌﻪ، ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻟﻡ ﺃﻋﺎﻥِ ﺃﺒﺩﺍ، .. ﺇﻥ ﻓﺘﺭﺓ ﺍﻟﺴﺠﻥ ﻟﻡ ﺘﻜﻥ ﻤﺅﻟﻤﺔ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻲّ، ﺼﺤﻴﺢ ﺃﻨﻨﻲ ﻅﻠﻠﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﺒﻌﻴـﺩﺍ ﻋـﻥ ﺃﻫﻠﻲ ﻭﻋﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻟﻜﻨﻨﻲ ﻟﻡ ﺃﻋﺎﻥِ، ﻜﻨﺕ ﺃﻗﺭﺃ ﻭﺃﻜﻴﻑ ﻨﻔﺴﻲ ﻤﻊ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ" .

تعهد عابد خزندار بالكتابة في الصحافة لمناقشة قضايا الناس، وأثار الكثير من الإشكالات، ومنع من الكتابة مرارا، وهاجم الوزراء والمسؤولين، وانتقد المجتمع، ودافع عن الفقراء

حوكم خزندار على فكره، ولكن من حسن حظّه أن قاضيه كان الشيخ ابن جبير، والذي كان متعاطفا مع المثقفين، يقول عابد عن محاكمته: "ﺇﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻨﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺒﺭﺌﺎﺴﺘﻪ ﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﺤﺎﻜﻤﻨﻲ، ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺩﻋﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺃﻅﻥ ﺃﻥ ﺍﺴﻤﻪ ﻋﺒﺩﺍﻟﺤﻠﻴﻡ ﺤﻤﺯﺓ ﻭﺠﻪ ﺇليّ ﺘﻬﻤﺔ، ﻗﺎل ﻓﻴﻬﺎ: ﺇﻥ ﻟـﻲ ﻤﻴـولا ﻓﻜﺭﻴـﺔ ﻤﻤﻨﻭﻋﺔ، ﻓﻘﻠﺕ ﻟﻪ: ﺍﻟﻤﻴﻭل ﻤﺤﻠﻬﺎ ﺍﻟﻘﻠﺏ، ﻭﺍﻟﺴﻠﻁﺎﻥ ﻻ ﻭﻻﻴﺔ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻠـﺏ. ﻭﻜـﺎﻥ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﻴﻘﻭل ﻟﻲ: ﻫﺫﺍ ﺼﺤﻴﺢ ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻥ ﻴﻨﻔﻌﻙ، ﻓﻠﻤﺎﺫﺍ ﻻ ﺘﻘﻭل ﻟﻴﺱ ﻟﺩﻱ ﻤﻴﻭل ﻭﺘﺭﻴﺢ ﻨﻔﺴﻙ؟ ﻭﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﺒﻥ ﺠﺒﻴﺭ ﻗﺎل ﺫﻟﻙ ﻟﻴﺘﺨﻠﺹ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﺭﺝ، ﻓﺎﻹﻨـﺴﺎﻥ ﻻ ﻴـﺴﺠﻥ ﻟﻤﺠﺭﺩ ﻤﻴﻭﻟﻪ، ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻴﺴﺠﻥ ﺇﺫﺍ ﻓﻌل ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﺠﺎﻫﺭ ﺒﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﻴﻭل"، فحكم عليه الشيخ ابن جبير بالبراءة وخرج من السجن.

بعد تجربة السجن، بقي عابد خزندار ممنوعا من السفر والعمل في دوائر الدولة لمدة تسعة أعوام متواصلة، ثم غادر السعودية، ليعيش في فرنسا منخرطا في مناخ السبعينات في العام 1974، باريس والطلاب والثورة، والحرية الفرنسية الفكرية أولا والإنسانية دائما، ليدرس الآداب الفرنسية، يقول: "ﺩﺭﺴﺕ ﻋﻠـﻡ ﺍﻷﺴـﻠﻭﺏ ﻓـﻲ ﺍﻟﻠﻐـﺔ ﺍﻟﻔﺭﻨﺴﻴﺔ، ﻜﻤﺎ ﻗﺭﺃﺕ ﻜﺘﺎﺏ ﻟﻴﻭﺴﺒﻴﺘﺯﺭ ﺭﺍﺌﺩ ﻋﻠﻡ ﺍﻷﺴﻠﻭﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺭﺏ"، حيث رأى فكر خزندار جويس وهايدغر وجاك ديريدا وشوبنهاور وهيجل وفلاسفة ألمانيا الكبار، وبحث عن حريته في التفكير والحوار، ماضيا على طريق المفكر الكبير طه حسين، في تلمّس الاختلاف ونقد التشابه، ولكنه أيضا يتقفى آثار جيمس جويس الذي سحرته أفكاره ويوليسيس الجديد عنده.

عابد خزندار.. ودور المثقف


من هنا يصبح الوطن عند عابد خزندار فكرة مختلفة ومفهوما جديدا، لا يتناقض معه، ولا يتوافق، ولعلّه لا يجد فيه ما يجد مواطنوه، من مشقّة المواجهة ومكابدة التناقضات، بل يجعل من اللغة ذاتها، العنيفة، والصدامية، التي يواجهها، مهرباً منها إليها، ليعود إلى الاشتغال فيها، بدلاً عن التحرّر منها.

ومن إسار اللغة، إلى الكون الشاسع الذي تتيحه الأفكار، تابع عابد خزندار تطوير وعيه، والالتفات إلى قراءة مفردات الواقع من جديد، يقول "إنّ إحدى الوسائل لفهم النص هي مقابلته أو تفسيره بنص آخر" فالتزم خزندار على هذا بشرح تلك المفردات على اعتبارها "نصاً" لتصبح بلاده وظواهرها، ومجتمعها نصاً يحتاج إلى تفكيك وشرح وفهم عبر نصوص أخرى من مواضع أخرى في المشهد، وانخرط خازندار في التنقل ما بين الكتابة عن ما بعد الحداثة في أقصى ردجات النقد الرفيع، وبين الحديث عن أدق التفاصيل في الحياة السعودية، من شؤون الناس والمعلمات والمتقاعدين والمدارس والحج والعادات والتقاليد والمنح الملكية وصندوق الفقر، حاملاً عبء التنوير إلى آخره، في مهمة ندر أن تجد من ينذر نفسه لها في العقود الأخيرة.

كان من السهل على عابد خزندار مواصلة الصدام مع السلطات والمؤسسات ذات النفوذ في السعودية، ليصبح شهيدا طريدا من أجل الحرية والفكر الجديد، ولكنه اختار استعمال الثقافة لهدفها الأسمى، فحامل الفكر، لا يكتفي بحمله من أجل ذاته، ولذاته، بل لنقله إلى الآخرين، وتقديم مشروع التنوير الكبير الذي لا يجب أن يتوقف.

ولم يكن خزندار مولعا بالكتابة بقدر ولعه بالقراءة، بل كان التلقّي شغله الشاغل، ولكنه اكتشف سحر اللغة وسطوتها بعد تجاوزه الأربعين من العمر، حين استعاد شيئا ما عبر استلهام الثقافة والمزيد منها، فقرّر الانتقال إلى إعادة تمثّلها من جديد في لغته هو هذه المرة، يقو خزندار: "أكتب كل يوم بمعدل ثلاث إلى أربع ساعات" أي أن الكتابة عنده شغل متواصل، وليست وظيفة لغاية، بل جهد عمليّ ينحت في المعرفة نحتاً، ويصنع قطعاً صغيرة مكثفة الفكرة والأسلوب، ومسدّدة الهدف.

لماذا تجاهل السعوديون خزندار؟

ﺘﺠﺎﻫل ﺍﻟﺒﺎﺤﺜوﻥ ﺍﻟﺴﻌﻭﺩﻴوﻥ ﺠﻬﻭﺩ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ﺍﻟﻨﻘﺩﻴﺔ، ﻓﻌﺒﺩﺍﷲ ﺍﻟﺤﻴﺩﺭﻱ ﺤﻴﻥ، ﺃﺼﺩﺭ "ﺒﺒﻠﻴﻭجرﺍﻓﻴﺎ ﺍﻟﻨﻘﺩ ﺍﻷﺩﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ ﺍﻟﺴﻌﻭﺩﻴﺔ" ﻓﻲ ﻁﺒﻌﺘﻪ ﺍﻷﻭﻟﻰ في العام 2006، ﻟﻡ ﻴﺫﻜﺭ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ضمنه، ولم تتم دراسة ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ في الأكاديميات، وتم تغييب خزندار عن لوحة النقاد الأدبيين السعوديين والعرب. يذكر الباحث أحمد العطوي في أطروحة الماجستير التي وضعها عن عابد خزندار أن أسباب ذلك التجاهل تعود إلى صعوبة وثقل ثقافة عابد خزندار، وأن تناول السهل أهون من تناول المستوى الرفيع، فمنهجه وﻟﻐﺘﻪ ﺍﻟﻨﻘﺩﻴﺔ مركبة بطريقة تحتاج إلى قارئ رفيع الثقافة.

غادر عابد خزندار السعودية إلى باريس حيث تعيش أسرته، يريد أن يتحدث إليه أحد حديث إليوت، بعد أن خاض طويلا في رمال العرب في جزيرة العرب وصحراء العرب باحثا عن مستقبل ثقافي يكون أمينا عليه وله وخازنا لداره الفكرية والأدبية كما يليق

يقول خزندار في كتابه "مستقبل الشعر موت الشعر"، "ﺒﺤثت ﻋﻥ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ﻟﺘﻭﻟـﺴﺘﻭﻱ، ﻭﻟـﻡ أﺠﺩﻫﺎ، ﻓﻲ ﺃﺤﺩ ﺍﻷﻴﺎﻡ ﻭﺃﻨﺎ ﺃﺯﻭﺭ ﻤﻜﺘﺒﺔ "ﺍﻷﻨﺠﻠـﻭ"، ﺃﺨﺒﺭﻨـﻲ ﺼـﺒﺤﻲ ﺍﻟﻤﺸﺭﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ﺃﻨﻪ ﻗﺩ ﺠﺎﺀﺘﻪ ﻨﺴﺦ ﻤﻥ ﺍﻟﺭﻭﺍﻴﺔ، ﻭﺼﺩﺭﺕ ﻟﺘﻭﻫـﺎ ﻤﺘﺭﺠﻤـﺔ ﺒﺎﻟﻠﻐﺔ الإنكليزية، ﻭﺘﺭﺠﻤﻬﺎ "ﻟﻭﻴﺯ ﺩﺍﻴﻠﻤﺭﻤﻭﺩ"، ﻭﻤﺎﺯﻟﺕ ﺃﺤﺘﻔﻅ ﺒﺎﻟﻨﺴﺨﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻵﻥ، ﺴﺄﻟﺘﻪ: ﻭﻤﺎﺫﺍ ﻟﺩﻴﻙ ﺃﻴﻀﺎ ﻤﻥ ﺠﺩﻴﺩ؟ ﻗﺎل: ﻭﺼﻠﺘﻨﻲ ﺃﻴﻀﺎ ﺭﻭﺍﻴﺔ "ﻜﺎﻨﺩﻴﺩ" ﻟﻔﻭﻟﺘﻴﺭ، ﻗﻠﺕ: ﺴﺄﺸﺘﺭﻴﻬﺎ، ﻭﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ ﻴﺠﻠﺱ ﻗﺭﻴﺒﺎ ﻤﻨﺎ، ﻭﻴﺒﺩﻭ ﺃﻨﻪ ﻜﺎﻥ ﻴﺘﺎﺒﻊ ﺍﻟﺤﺩﻴﺙ، ﻓﺘﺩﺨل ﻗـﺎﺌﻼ: ﺃﻨﺕ ﺘﻌﺭﻑ ﺍﻟﻠﻐﺘﻴﻥ ﺍﻹﻨكﻠﻴﺯﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﺭﻨﺴﻴﺔ، ﻗﻠﺕ: ﻨﻌﻡ، ﻗﺎل ﻟﻲ: ﻭﻟﻜﻥ ﻴﺒﺩﻭ ﺃﻨﻙ ﻤﺘﺄﺭﺠﺢ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺠﺒﺭ ﻭﺍﻻﺨﺘﻴﺎﺭ، ﻗﻠﺕ: ﻤﺎﺫﺍ ﺘﻘﺼﺩ؟ ﻗﺎل: ﺃﺒﻁﺎل ﺘﻭﻟﺴﺘﻭﻱ ﻴﺼﻨﻌﻭﻥ ﻤﺼﺎﺌﺭﻫﻡ، ﺃﻤﺎ ﺃﺒﻁﺎل "ﻜﺎﻨﺩﻴﺩ" ﻓﻬﻡ ﻏﻴﺭ ﻤﺨﻴﺭﻴﻥ، ﺜﻡ ﺃﻀﺎﻑ ﺇﻥ "ﻓﻭﻟﺘﻴﺭ" ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻴﺘﻪ ﻴﺴﺨﺭ ﻤـﻥ ﻋﻘﻠﻴﺔ ﺍﻟﺸﺭﻕ، ﻭﻓﻌﻼ ﻭﺠﺩﺕ ﺍﻷﻤﺭ ﺒﻌﺩ ﺃﻥ ﻗﺭﺃﺕ ﺍﻟﺭﻭﺍﻴﺘﻴﻥ ﻜﻤﺎ ﻗﺎل، ﺒﻌﺩ ﺃﻥ ﺃﻜﻤﻠـﺕ ﺭﻭﺍﻴﺔ ﺘﻭﻟﺴﺘﻭﻱ، ﻜﺎﻥ ﺫﻟﻙ ﻓﻲ العام 1955، ﻜﺘﺒﺕ ﻤﻘﺎﻻ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺼﺤﻴﻔﺔ ﺍﻟﺤـﺎﺌﻁ ﺍﻟﺘﻲ ﻜﻨﺕ ﺃﺸﺭﻑ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺒﻌﺜﺎﺕ، ﻭﻴﺒﺩﻭ ﺃﻥ ﻋﺒﺩﺍﷲ ﻋﺒﺩﺍﻟﺠﺒﺎﺭ ﺃﻋﺠﺏ ﺒﺎﻟﻤﻘﺎل، ﻓﺄﻫﺩﺍﻨﻲ ﻜﺘﺎﺏ "ﻤﺎ ﺍﻟﻔﻥ؟" ﻟﺘﻭﻟﺴﺘﻭﻱ، ﻭﻜﻨﺕ ﺃﻗﺭﺃ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻓﻲ ﺠﻠﺴﺘﻨﺎ ﺍﻟـﺼﺒﺎﺤﻴﺔ ﻓﻲ ﻤﻘﻬﻰ ﺴﺎﻥ ﺴﻭﺴﻴﻪ".

كان عابد خزندار يشعر أنه بشكل ما شوبنهاور الثقافة السعودية، كان مليئا بالحكمة والمعرفة واليأس، ولكنه كان يقاوم يأسه بالتأثير ومحاولة تقديم المزيد منه كل مرة، فيتدخل في الجدالات الثقافية الكبرى، ويسهم بوعيه الأخّاذ في صقل تجارب المثقفين السعوديين، فيروي الغذامي عن اتهامه بسرقة كتاب "ﺍﻟﺨﻁﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﺘﻜﻔﻴﺭ" بعد أن ﻨﺸﺭ ﻤﺤﻤﺩ ﺒﻥ ﻋﺒﺩ ﺍﷲ ﻤﻠﻴﺒﺎﺭﻱ ﻤﻘﺎﻻ ﻓﻲ ﺼﺤﻴﻔﺔ ﺍﻟﻨﺩﻭﺓ ﻴﺘﻬﻡ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻐﺫﺍﻤﻲ بذلك: "ﻜﺘﺏ ﺍﻟﺼﺩﻴﻕ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ﻤﻘﺎﻟﺔ ﻴﻨﻔﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻻﺘﻬﺎﻡ، ﻭﻗﺩ ﻨﺎﻟﻪ ﻭﺍﺒل ﻤﻥ ﺍﻟﺠﺭﻴﺩﺓ ﺒﺴﺒﺏ ﻤﻘﺎﻟﻪ ﺫﺍﻙ…" وﺃﺜﻨﺎﺀ ﻤﻬﺭﺠﺎﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎﺩﺭﻴﺔ في 1988 لعب ﺒﻬﻭ ﺍﻟﻔﻨﺩﻕ ﺩﻭﺭﺍ ﻤﻬﻤﺎ في ﻤﺤﺎﻭﻻﺕ ﺍﻷﺼﺩﻗﺎﺀ ﻟﻠﺠﻤﻊ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻔﺭﻗﺎﺀ، ﻭﻗﺩ ﺸﺎﺭﻙ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ، ﻭﻤﺤﻤﺩ ﺼﺎﺩﻕ ﺩﻴـﺎﺏ ﻓـﻲ ﻤﺤﺎﻭﻟـﺔ ﺇﺼﻼﺤﻴﺔ، ﻟﻌﻘﺩ ﺍﺠﺘﻤﺎﻉ ﺒﻴﻨﻲ ﻭﺒﻴﻥ ﺍﻟﻤﻠﻴﺒﺎﺭﻱ ﻭﺭﺌﻴﺱ ﺘﺤﺭﻴﺭ ﺍﻟﻨﺩﻭﺓ، ﻭﻗﺩ ﺘﻡ ﺫﻟﻙ ﻓـﻲ ﻏﺭﻓﺔ ﺩﻴﺎﺏ، ﻭﺤﻀﺭ ﻤﻌﻨﺎ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻔﺘﺎﺡ ﺃﺒﻭ ﻤﺩﻴﻥ ﻭﺃﺴﺎﻤﺔ ﺍﻟﺴﺒﺎﻋﻲ، ﻭﻜﺎﻥ ﻭﻗﺘﻬﺎ ﺭﺌﻴﺱ ﺘﺤﺭﻴﺭ ﺍﻗﺭﺃ، ﻭﺘﺤﻭل ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻉ ﺇﻟﻰ ﻨﺩﻭﺓ ﻤﻁﻭﻟﺔ ﺘﻡ ﺘﺴﺠﻴﻠﻬﺎ ﻋﻠـﻰ ﺃﺸـﺭﻁﺔ، ﻭﻓﻴﻬـﺎ ﺘﻌﺭﻀﻨﺎ ﻟﻜل ﻤﻼﺒﺴﺎﺕ المشكل، ﻭﻭﻀﺤﺕ ﻤﻭﻗﻔﻲ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﺩﺍﺜﺔ، ﻭﻤﻥ ﺍﻟﻨﻅﺭﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻘﺩﻴﺔ، ﻭﺒﻌﺩ ﺠـﺩﺍل عنيف، ﻭﺃﺨﺫ ﻭﺭﺩ "ﺍﻗﺘﺭﺡ ﻋﺎﺒﺩ ﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ﻤﺼﻁﻠﺢ ﺍﻟﺴﺤﺭﻴﺔ، ﻭﻜﺎﻥ ﻤﻌﻨﻴﺎ ﺒﻪ ﻓﻲ ﺘﻠـﻙ ﺍﻷﻴﺎﻡ، ﻏﻴﺭ ﺃﻥ ﺫﻟﻙ ﻟﻡ ﻴﺠﺩ ﻗﺒﻭﻻ ﻤﻨﺎ، ﻷﻨﻪ ﻤﺼﻁﻠﺢ ﻓﻲ ﺍﻹﺒﺩﺍﻉ، ﻭﻫﻭ ﻤﺴﺘﺨﺩﻡ ﻟـﻨﻤﻁ ﺴﺭﺩﻱ ﻻﻴﺼﻑ ﺤﺎل ﺨﻁﺎﺒﻨﺎ ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﺭﺤﻠﺔ، ﻭﺃﺸﺭﺕ ﻟﻬﻡ ﻤﻥ ﺠﺎﻨﺒﻲ ﺇﻟﻰ ﻤـﺼﻁﻠﺢ "ﺍﻟﺘﺨﻴﻴل"، ﻜﻤﺎ ﻫﻭ ﻋﻨﺩ ﺍﻟﺠﺭﺠﺎﻨﻲ، ﻭﻗﻠﺕ ﻋﻥ ﺇﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﺍﺸﺘﻘﺎﻕ ﻤﺼﻁﻠﺢ "ﺍﻟﺘﺨﻴﻴﻠﻴـﺔ"، ﻟﻨﺠﻌل ﻤﻨﻪ ﺘﺄﺴﻴﺴﺎ ﻟﻤﺸﺭﻭﻉ ﻨﻅﺭﻱ ﻭﻤﻨﻬﺠﻲ ﻨﺘﺒﻨﺎﻩ ﻜﻠﻨﺎ، ﻭﻨﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺘﺄﺴﻴﺱ ﻤﻔﺎﻫﻴﻤﻪ، ﻭﻫﻨﺎ ﺘﻔﺘﻘﺕ ﻗﺭﻴﺤﺔ ﻤﺤﻤﺩ ﺩﻴﺎﺏ ﻋﻥ ﺘﻌﺒﻴﺭ ﻤﺸﺘﺭﻙ، ﻭﻫﻭ ﺘﻌﺒﻴﺭ ﺍﻟﻭﺍﻗﻌﻴﺔ "ﺍﻟﺘﺨﻴﻴﻠﻴـﺔ"، ﻭﻭﺍﻓﻕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻙ، بوصفه ﺒﺩﺍﻴﺔ ﻟﺘﺼﻭﺭ ﻨﻅﺭﻱ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﻤﻜﻥ ﺍﻟﺘﺄﺴﻴﺱ ﻋﻠﻴـﻪ، ﻭﺘﻜﺜﻴﻑ ﺍﻟﺠﻬﻭﺩ ﻓﻴﻪ ﻟﺘﺘﻀﺎﻓﺭ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﻤﻌﻨﺎ ﻓﻲ ﺇﺸﺎﻋﺔ ﻨﻭﻉ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﻌﺭﻓـﺔ ﺍﻟﻨﻅﺭﻴـﺔ، ﺃﻜﻭﻥ ﺃﻨﺎ ﻭﺨﺯﻨﺩﺍﺭ ﻤﻌﻨﻴﻴﻥ ﺒﺎﻟﺘﻨﻅﻴﺭ، ﻭﻴﺴﺎﻨﺩﻨﺎ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺼﺤﻔﻴﺎ ﻭﺇﻋﻼﻤﻴـﺎ ﻤـﻥ ﺃﺠـل ﺘﺩﺸﻴﻥ ﺤﺭﻜﺔ ﻨﻘﺩﻴﺔ ﻭﺇﺒﺩﺍﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻤﻠﻜﺔ" ﻭﻫﻭ ﺫﻟﻙ ﺍﻻﺘﻔﺎﻕ ﺍﻟﺫﻱ ﻟﻡ ﻴﻨﻔﺫ ﺒـﺴﺒﺏ ﺘﺭﺍﺠﻊ ﺍﻟﻤﻠﻴﺒﺎﺭﻱ ﻭﺭﺌﻴﺱ ﺘﺤﺭﻴﺭ ﺠﺭﻴﺩﺓ ﺍﻟﻨﺩﻭﺓ ﻋﻥ ﺍﻻﺘﻔﺎﻕ ﺘﺤﺕ ﻀﻐﻁ ﻤـﺎ ﻴـﺴﻤﻴﻪ ﺍﻟﻐﺫﺍﻤﻲ ﺒ "ﺼﺭﺍﻉ ﺍﻷﻨﺴﺎﻕ".

أصدر عابد خزندار عددا من الكتب الثمينة في النقد والمعرفة، وأغرق كثيرا في مهمته النقدية، مجدّدا التفكير في النص فأعاد قراءة الكثير من الأعمال الأدبية العربية والعالمية من البياتي والسياب إلى إليوت.

غادر عابد خزندار السعودية إلى باريس حيث تعيش أسرته، يريد أن يتحدّث إليه أحد حديث إليوت، بعد أن خاض طويلا في رمال العرب في جزيرة العرب وصحراء العرب باحثا عن مستقبل ثقافي يكون أمينا عليه وله وخازنا لداره الفكرية والأدبية كما يليق.

14