عابر المطارات

عالم بدأت تتفاقم فيه العناصر المؤلفة له، منعزلة ووحدة وتكاثر رهاب الأمراض المعدية واضمحلال الدلائل القاطعة للشك باليقين والمؤسسة للحد الأدنى من الطمأنينة التي يحتاجها كل بشري.
الجمعة 2018/04/27
رمال تحركها النسائم

بضع ساعات أمضيتها في المطار كانت كفيلة بأن تضعني وجها لوجه أمام مرآة انعكست عليها ملامح جديدة لعالم مُختلف تبلور جزء من خشونته كنتيجة مُباشرة للخوف من الآخر، وبفعل التقنيات التكنولوجية البالغة التطوّر التي اجتاحت جميع أشكال التواصل البشري على كوكب الأرض، لم ألحظ ذلك في رحلاتي السابقة، ربما لأن الملامح تلك، في المطار أم في المدينة، لم تكن قد وصلت إلى حدّ لم يعد فيه من الممكن أن تظل غير ملحوظة.

أي شخص يمضي معظم وقته في السفر من بلد إلى آخر بداعي العمل، ربما لن يلحظ كيف باتت المطارات الحديثة تختصر بكل ما فيها من خليط بشر غير متجانس وتكنولوجيا متطورة حلّت مكان الإنسان في مواقع عديدة، باتت تختصر ما يحدث في العالم أجمع.

أغلب الظن أن اعتياد هذا الشخص التدريجي على “شكل” الحياة في المطار، وإن لساعات قليلة، ساهم من دون شك في جعله لا شعوريا يرضخ لفكرة أن “ذاته” في المطار، كما في العالم الخارجي، قد أصبحت مجرّد جزء من بليارات الأجزاء الضئيلة التي تولد وتتحرّك لتكمّل معالم عالم جديد تُساهم هي في صنعه وتكريسه.

عالم أقل ما يقال عنه أنه بات يغصّ بالتلوث السمعي والبصري، وبمختلف أشكال المؤقت المتصل ليس فقط بالمكان والزمان (لا ليل في المطار، بل نهار متواصل)، لا بل بفكرة الذوبان والتلاشي ضمن الحياة وليس خارجها.

عالم بدأت تتفاقم فيه العناصر المؤلفة له، منعزلة ووحدة وتكاثر رهاب الأمراض المعدية واضمحلال الدلائل القاطعة للشك باليقين والمؤسسة للحد الأدنى من الطمأنينة التي يحتاجها كل بشري، وطغيان صفة الاختلاف ليس كتنوع ثقافي يُثري المجتمعات، بل كمؤشر إضافي على عمق الشرخ بينها تحت ستار الرياء المُتبجّح بالاعتراف بالآخر. أضف إلى ذلك أن هذا العالم “الجديد” سيشهد تكاثر العدائية بين الأفراد، وتضاعف سلطة المال بأضعاف مُضاعفة، وازدراء الآخر عبر تجاهل للمآسي وللكوارث التي تحدث له، سواء أكان فردا أم بلدا أم منطقة بأكملها.

وتجيء درامية معظم المشاهد العادية، التي يستطيع أن ينتبه إليها كل من وصل إلى مطار ما أراد أن يغادر منه أو إليه، من كونها كونا مُصغرا عن عالم هشّ ومؤقت لا علاقة له بالماضي وغير مُهتم بالحاضر، إلاّ كحالة “ترانزيت” نحو مُستقبل منسلخ عن معظم ما ثمّنه سابقا، ممّا يجعله عالم لا يعير للذاكرة أي معنى، لذلك هو عالم مثالي و”مُتفائل” بتطلعه إلى المستقبل، و”مُسالم” لا يقاوم لأجل أراض مسلوبة، وهو بالتالي “حضاري” وغير “راضخ” تصب مميزاته تلك في خدمة فئة واحدة من العالم التي تتحكّم بجميع مرافقه.

إذا كان لا بد من عمل فني/تجهيزي/متحرّك يقارب بصريا ما يجول بمعظم مطارات العالم، فهو عمل يصوّرنا كبشر، بغض النظر عن أوطاننا الأصلية أو البديلة أو المسلوبة، كمُعلقات فراغية بوسط فراغ غير معروف الهوية، مُضاءة من مصادر ضوئية مجهولة تخترقها دوائر سوداء اللون ومخملية تتهالك كالطحين خارج حدودها، ماحية بذلك، وبدرجات مختلفة، كيان “معلقة” دون الأخرى وفق احتدام أو خفوت الخدر/الضوء الذي تسببه تلك الأضواء المجهولة المصدر.

وقد يكون العمل الفني الأقرب إلى فكرة العالم الجديد الذي يؤسّس له “مزاج” المطارات العالمية الحديثة هو، وحسب قراءة شخصية له، إحدى الأعمال التجهيزية للفنان الجزائري/الفرنسي قادر عطية، المولود سنة 1970، والحائز على عدة جوائز عالمية.

زرع الفنان العمل في رمال شاطئ واستخدم لتشكيله مرايا قطّعها على هيئات شواهد قبور بسيطة ومتشابهة تعكس من ناحية ما حولها من رمال ونبتات تحرّكها النسائم، وتردّ إليها من ناحية أخرى ما فوقها من سماء متقلبة الأحوال.

أما العنوان النابغة لتلك المجموعة من الشواهد على غياب/حضور يفتح مآقيه جديا على العالم الخارجي، فهو “الأرض المقدّسة” التي يليق نمط قدسيتها بهذا العصر، أرض ليست بأرض إلاّ بما ينعكس عليها من عناصر يستحيل لمسها، التيقّن منها، امتلاكها، استعارتها والسكن إليها.

17