عاداتنا وتقاليدنا

الثلاثاء 2016/11/15

قبل أكثر من سنتين، التقيت طبيبا عراقيا شابا، تخرج ويعمل في إحدى دول أوروبا الشرقية. شاب مهذب ولطيف، هرب من العراق نتيجة العنف الطائفي عام 2006، بعد أن كانت عائلته التي هو وحيدها، تعيش وسط بيئة مختلفة طائفيا. صرنا نلتقي بشكل شبه يومي تقريبا، وأثناء ذلك قدمني إلى صديقته من ذلك البلد، وهي شابة مثقفة وجميلة وطموحة تعدّ رسالة ماجستير في العلاقات الدولية.

بعد أيام وبطريقة مهذبة شرحت لي هذه الآنسة طبيعة علاقتها بصديقها العراقي، وكانت مستغربة من عدم دعوته إياها للانتقال والعيش معه في شقته، أو التقدم لخطبتها رغم مرور عامين على علاقتهما، رغم أنها أبدت استعدادها للتنازل عن دينها الذي نشأت عليه. وطلبت مني بشكل غير مباشر معرفة السر غير المبرر وغير المفهوم بالنسبة إليها. وحين انفردت به مساء ذلك اليوم طرحت عليه الأمر بعد مقدمة، أوضحت فيها عدم رغبتي في التدخل بخصوصياته.

الطبيب الشاب، استغرب من سؤالي وقال: كيف أخطبها؟ وراح يشرح الفروقات الثقافية وعدم استعداده للتخلي عن “عاداتنا وتقاليدنا” مهما كلف الأمر. وكرر خلال حديثه التبريري عبارة “عاداتنا وتقاليدنا” أكثر من 10 مرات. قلت له حينها: يا صديقي، أنت هنا لأنك هارب من جحيم عاداتنا وتقاليدنا، هارب كي لا يذبحك جارك المختلف معك مذهبيا، أنت هنا لأن “عاداتنا وتقاليدنا” حولت حياتك إلى جحيم وسط أهلك، أهل العادات والتقاليد.

ثم سألته: هل بإمكانك أن تذكر لي خمساً من أهم عاداتنا وتقاليدنا؟ منذ ذلك الوقت، تخطر في رأسي أحيانا أسئلة من نوع هل نحن حقاً نمتلك عادات وتقاليد؟ إذا كان الجواب نعم، فماهي تلك العادات والتقاليد؟ ما هو الإيجابي فيها الذي يجعلنا نصر على التمسك بها؟ كيف استطاعت هذه العادات والتقاليد أن تطارد شابا في مستقره الأوروبي وتحرمه من فرصة الارتباط بحبيبة رائعة الجمال والثقافة؟

يبدو لي أن عاداتنا وتقاليدنا، واحدة من أساطيرنا، واحدة من أكاذيبنا على و(عن) أنفسنا. إن أي عادات وتقاليد وأعراف وقوانين في أي مجتمع، يجب أن تقف خلفها فلسفة أخلاقية تبررها وتدافع عنها. ماهي فلسفتنا الأخلاقية كشعب؟ كيف صرنا ننتج كل هذا الخراب الأخلاقي؟ كيف تحول قسم كبير من شبابنا إلى مكائن لإنتاج البذاءة؟

ألا يجب أن نفحص عاداتنا وتقاليدنا وديننا ومذاهبنا وقيمنا الأسرية؟ يجب ألّا نخاف من عرينا، ثم يجب أن نبصق على بعض عاداتنا وتقاليدنا، لأنها من أسباب توحشنا وهمجيتنا وخرابنا المزمن.

24