عادات أسرية سائدة ترسخ اللامساواة بين الذكر والأنثى

التقسيم الجندري للأدوار يساهم في ترسيخ مجموعة من التصورات والعادات والسلوك المرتبطة بالذكر والأنثى والتي تتطور لتصبح قاعدة راسخة في المجتمع تفصل بين الجنسين.
الثلاثاء 2018/05/01
الفوارق واضحة

تونس – يمكن لكل من يرى مقتنيات أمّ تستعد لوضع مولود جديد أن يستنتج جنسه بسهولة من خلال الألوان التي تطغى على ثيابه ولوازمه. ومنذ البداية تلتزم الأم بألوان معينة في الاختيار وكأنما تتبع قواعد يتم تطبقها من قبل الجميع بالرغم من أنها مجرد عادات اجتماعية. ومنذ لحظة اختيار لوازم المولود القادم باتباع السائد أو المتعارف عليه في المجتمع بما أنه لا قواعد ولا قوانين تضبط الألوان حسب الجنس فإن الأمهات يميزن بين الأنثى والذكر منذ مرحلة التكوين وهم أجنة.

وقد يطرح البعض تساؤلات من قبيل لماذا نضع حدودا لخياراتنا في كل شيء يتعلق بالمظهر حسب جنس المولود؟ وما الضرر أو ما هو العيب في أن نلبس المواليد من الفتيات اللون الأزرق أو أن نلبس الذكور اللون الزهري والأحمر؟

 

تنتظر الحامل الشهر الخامس بفارغ الصبر ليحدد الطبيب جنس الجنين، لتستهل بعدها مباشرة فترة الاستعداد لاستقبال المولود الجديد وتحضير ما يلزمه فإن كانت بنتا تشتري لها لوازمها باللون الزهري أو الأحمر وإن كان صبيا تقتني له ما يلزمه باللون الأزرق. منذ البداية تضع الأمهات في المجتمعات العربية حدودا للخيار في انتقاء لوازم الرضيع ومنذ معرفة جنسه تستعد نفسيا عن وعي أو بصفة تلقائية لطريقة التربية تطبيقا لمقولة إن تربية الذكر أكثر صعوبة من الأنثى.

وبحسب خبراء في علم النفس والاجتماع فإن حصر الاختيار في ألوان الملابس حسب الجندر يتواصل مع الطفل إلى أن يكبر وكأن خياراته حبيسة فئة معينة، ومنذ قدومه إلى الحياة يربى على ذلك بما فيه من تمييز وتفرقة بين الجنسين، ظاهريا قد لا يبدو أن للأمر تأثيرا كبيرا على الطفل ولا على تكوينه ويمكن أن يثير الحديث في المسألة الاستغراب وردود فعل من شاكلة أنه لا ضير في أن نفرق بين الذكر والأنثى كمواليد جدد أو كأطفال في المظهر من خلال ألوان الملابس مثلا. لكن الإشكالية تتمثل في أن عمق المسألة هو غرس (بقصد أو من دون وعي) لبذور التمييز على أساس الجندر في داخلهم منذ نعومة الأظافر حتى في لون اللباس.

وتؤكد البحوث الاجتماعية أن تطبيق الأولياء السائد والمسلمات والعادات على الصغار لا يقف عند الشكل والمظهر والألوان بل يتجاوزه إلى طرق التعامل وطرق التربية وما تلقنهم إياه الأسرة والمحيط الاجتماعي بأكمله، إلى أن تتحول هذه العادات إلى شبه قواعد تطبق بشكل أوتوماتيكي يجعل الطفل والمراهق والشاب يشعرون بأن جنسهم يفرض عليهم عددا هائلا من الحدود والضوابط وكأنه حبس.

هذه التفرقة تمتد إلى جل الممارسات التربوية بأشكال وأنماط أخرى ما يساهم في تنشئة جيل يرتكز تفكيره على تقسيم الأدوار بحسب الجندر وفي هذا الصدد يقول الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد في حديث لـ”العرب” أن “التربية والتنشئة الاجتماعية بصفة عامة في تعريفها البسيط والمباشر هي ذلك المجهود الذي يمارسه الكبار سواء في العائلة أو المدرسة أو الفضاء العام على الأجيال التي لم تنضج بعد لإعدادهم لأدوار اجتماعية معينة. وهي أدوار تختلف من مجتمع لآخر حسب نوعية المجتمعات والثقافة السائدة فيها والطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي والدين.. ومن بين الآليات الاجتماعية لتقسيم الأدوار نجد التقسيم الجندري الذي يحضر بقوة خاصة في المجتمعات العربية”.

ويوضح الباحث في علم الاجتماع قائلا “يقصد بالتقسيم الجندري للأدوار ذلك التقسيم الذي يساهم في ترسيخ مجموعة من التصورات والعادات والسلوك المرتبطة بالذكر والأنثى والتي تتطور لتصبح قاعدة راسخة وجدارا سميكا يفصل بين الجنسين كربط إعداد الطعام بالمرأة والصيد والميكانيك بالرجل”.

طارق بالحاج محمد: الحواجز الجندرية تتراوح من اختيار لون اللباس مرورا بشيفرة معينة للسلوك
طارق بالحاج محمد: الحواجز الجندرية تتراوح من اختيار لون اللباس مرورا بشيفرة معينة للسلوك



ويضيف بالحاج محمد أن هذا التنميط يجعل الناس ينظمون سلوكهم وتصوراتهم وخياراتهم على مفهوم الأنوثة والذكورة التي حددها المجتمع بصفة مسبقة بشكل تصبح فيه هذه التقسيمات الجندرية عبارة عن خارطة ذهنية وإطارا مرجعيا لرؤية العالم والآخرين، تعكس خبرات الأطفال من خلال توجيهات أوليائهم وتعليمات مدرسيهم ومنتجات وسائل إعلامهم التي تحدد وتنمط تعريفات معينة للذكر والأنثى حيث ترسخ لديهم مجموعة من المسلمات التفاضلية والتمييزية بين المرأة والرجل.

ويشير بالحاج محمد إلى أن الحواجز الجندرية تتراوح من اختيار لون ونوعية اللباس مرورا بشيفرة معينة للسلوك الاجتماعي والعاطفي والمهني المقبول اجتماعيا وصولا إلى بناء الشخصية ورؤية العالم والأشياء، حيث يقع على سبيل المثال التركيز في الهوية الأنثوية على عناصر الارتباط والرعاية والتبعية في حين يطورون في جانب من الهوية الذكورية عناصر الانفصال والاستقلال والمغامرة والتجريب.

ويلاحظ من يتمعن في الحياة اليومية للمجتمع التونسي أنه منذ استقبال التهاني بالمولود الجديد إلى أن يكبر والوالدين يتلقيان نصائح وتوجيهات من محيطهما الأسري والمجتمعي تكرس التفرقة في المعاملة والتربية بين الفتاة وأخيها كأن يقال لهما احرصا في تعاملكما مع الولد فتربيته صعبة لأنه عنيد وله شخصية قوية وسيحاول فرض آرائه كونه ذكرا، كونا قاسيين معه، علميه الرجولة والشدة وهكذا.

وتقول بعض الأمهات لأولادهن لا تبكي أنت رجل، وأخريات يقلن لبناتهن لا تذهبي إلى ذلك المكان أو لا تتكلمي بصوت عال أو لا تتركي فراشك غير مرتب فأنت بنت.. عادات تربوية كثيرة ومتنوعة تطبقها الأمهات بشكل تلقائي دون التمعن في تبعاتها وفي عمقها لكنها ترسخ لدى الطفل توجهات تمييزية. وتلقنه سلوكيات أشبه بالقواعد رغم أنها ليست كذلك.

وبالرغم من نزعة الشباب والأجيال الصاعدة نحو الخروج عن بعض القيود الاجتماعية ومن بينها الشكلية كمواكبته لصيحات الموضة وخروجه عن عدد محدد من ألوان اللباس التي حصره فيها المجتمع وعاداته ومنها التي ترتبط برغبة في تغيير المسلمات التي تحبس كل واحد في دور اجتماعي يناسب نوع جنسه كقبوله النسبي لوجود المرأة في العديد من الأعمال. غير أن هذه التوجهات لا تعكس بالضرورة سير الأجيال الفتية اليوم في اتجاه تغيير عميق وفعلي يقضي ولو نسبيا على التمييز بين الجنسين لأن عوامل الجذب نحو الإبقاء عليها راسخة ومتغلغلة في أعماق جل مكونات المجتمعات على اختلافها.

21