عادات هدايا الخطوبة تنفر الشباب التونسي من الارتباط

فترة الخطوبة في تونس ترتبط بالعديد من التقاليد التي تتمسك بها بعض الأسر إلى اليوم بالرغم من أن جانبا هاما من الشباب يعتبرها تقليدا يزيد تكلفة الارتباط دون فائدة.
الجمعة 2018/06/08
عبء ثقيل

تونس - لم تتخل الأسر التونسية عن الخطوبة قبل الزواج، كما تتمسك بعض العائلات بالعادات والتقاليد المقترنة بها، رغم أن نسبة كبيرة من هذه العادات تعتبر مكلفة ماديا خصوصا في مرحلة الخطوبة. وما جعل الشباب اليوم ينفر من الارتباط إلى جانب غلاء المعيشة والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تفقده الأمل في تحسين وضعه، التكاليف المرتفعة جدا للارتباط وتكوين أسرة.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن تكلفة الارتباط ومصاريف الخطوبة والزواج المرتفعة تعد أحد أبرز أسباب عزوف الشباب التونسي على الزواج، فمنذ اتخاذ العلاقة العاطفية بين الشاب والفتاة الطابع الرسمي في الخطوبة وجب عليهما مراعاة أطراف أخرى في العلاقة وهي عائلاتهما والمجتمع وما يفرضانه من عادات وتقاليد في مرحلة الخطوبة.

ويتوجس الشاب الذي يفكر في الخطوبة من إحراج نفسه أو إحراج أسرته إذا ما ارتبط بفتاة قد يعجز في ما بعد الخطوبة عن تلبية متطلباتها ومتطلبات عائلتها والتي ليست فقط من قبيل الشروط بل معمول بها وهي أيضا عادات متوارثة مثل المُوسم، المتمثل بتقديم هدية للخطيبة في المناسبات الدينية.

ويقول أشرف المدنيني، موظف حكومي ارتبط بخطيبته منذ ثلاث سنوات، إنه لم يتمكن من تقديم أي هدية في المواسم لخطيبته لأنه يستثمر راتبه في بناء بيت الزوجية، ويؤكد أنها لا تتذمر من ذلك نظرا للاتفاق الحاصل بينهما حول هذه المسألة بالرغم من بعض التعليقات المستنكرة لذلك من جهة أسرتها أو المحيطين بها.

ولاحظ أشرف أن فكرة الزواج في حد ذاتها أصبحت منفّرة لدى الشباب التونسي بسبب التكاليف المادية العالية، موضحا أن العبء يثقل على الشاب طوال فترة الخطوبة حيث يكون مضطرا في كل مناسبة أو عيد أن يزور بيت خطيبته محملا بالهدايا المكلفة بالنظر إلى أن النسبة الغالبة من الشباب اليوم يعيشون أوضاعا مادية صعبة سواء الذين يشتغلون أعمالا هامشية أو حتى أصحاب الوظائف بالنظر إلى الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة ومن بينها المتعلقة بالخطوبة والزواج.

ويضيف أشرف أنه في مدينته بالجنوب التونسي تكون زيارة أهل الشاب إلى بيت الخطيبة موسمية، وفي كل مناسبة تكون هناك هدية أحيانا مجموعة عطور أو لباس أو أجهزة إلكترونية وقليلا ما يتم الاكتفاء بهدية بسيطة. ويعتقد أشرف أن عادات الخطوبة على كثرتها وتنوعها وتكلفتها صعّبت مسألة الارتباط لدرجة أن بعض الشباب يخافون عدم قدرتهم على تحمل تلك التكاليف فينزعون من أذهانهم فكرة الزواج.

الكثير من الأسر حافظت على عادات الخطوبة ومنها الموسم، ولم يتخل الشباب بشكل نهائي عن هذه العادات رغم انتقاده لها

وتتنوع هدايا المُوسم في تونس وتختلف بحسب عادات وتقاليد الأسرة والمنطقة التي تسكنها كما تختلف الجهات التونسية من حيث اعتبار المناسبة موسما أو لا وتقترن غالبيتها بشهر رمضان والأعياد الدينية. وفي محافظات مثل المنستير وسوسة يهدي الشاب لخطيبته قطعة من الذهب في ليلة النصف من رمضان ويقدم لها هدايا أخرى ليلة القدر وكذلك في عيد الفطر، أما في باقي جهات البلاد فلا يعتبرون ليلة النصف من رمضان موسما ويؤجلون الهدية إلى ليلة القدر أو عيد الفطر.

وتكون الهدايا المنتقاة في الموسم في أكثر الحالات ثمينة أو اختارتها الفتاة من لباس أو ماكياج وعطور أو شيء من لوازم بيت الزوجية مثل طاقم للأكل أو الأجهزة الإلكترونية، وأحيانا تترك حرية الاختيار للخاطب وفق إمكانياته المادية لكن هذا لا ينفي وجود عائلات أو فتيات يشترطن هدايا بعينها بجانب العادات والتقاليد التي تفرض في بعض الجهات نوعية الهدية بحسب المناسبة.

وبحسب مختصين في علم الاجتماع فإنه رغم ما يوصف به المجتمع التونسي من حداثة إلا أن الكثير من الأسر التونسية حافظت على عادات الخطوبة ومنها المُوسم ولم يتخل الشباب بشكل نهائي عن هذه العادات رغم تحفظات البعض عليها وانتقادهم لها. وهناك من يرى أن لهذه التقاليد إيجابياتها حيث تعد أولا فرصة للخطيبين للتعرف أكثر على طباع وميول الطرف الآخر وثانيا تتيح أكثر من فرصة للأسر للالتقاء والتعارف أكثر وإمضاء أوقات ممتعة تسهم في توطيد العلاقات بين أفرادها. فيما تعتقد الفئة الرافضة لهذه العادات أنها تشكل عبئا ماديا إضافيا على عاتق الخطيب وأنه لا فائدة منها لأن الهدية يجب أن تقدم بشكل تلقائي وليس إلزاميا كما أن التقارب والتعارف بين العائلات يمكن أن يتما في الأيام العادية ومن دون مناسبة. هدايا الموسم مرهقة ماديا للأسرتين وهذه العادة وغيرها من تقاليد الخطوبة وقد عفا عليها الزمن لكن الناس يتمسكون بها كمظهر من مظاهر التفاخر.

وتقول سمية الشيخاوي، موظفة في شركة خاصة متزوجة حديثا، بأنه خلال فترة الخطوبة اتفقت مع زوجها على أن يعطيها مبلغا ماليا في الموسم لتختار بنفسها الهدية. ولا تتفق سمية مع فكرة أن عادات كالموسم تنفر الشباب من الارتباط لأنها تعتبر حفاظا على الخصوصية التونسية وترى أنه يمكن الاختصار على موسم أو اثنين في السنة لكي لا يثقل العبء على الخطيب ولا تفرط الأسر في تقاليدها المتوارثة عبر الأجيال.

وتوضح سمية أن ما سيقدمه الخطيب لخطيبته في الموسم سيجده في نهاية المطاف عنده وفي بيته. وعن تجربتها الشخصية تقول سمية إنها استغلت مناسبات الموسم لتشتري بعض لوازم الجهاز وهو ما ساعدها كثيرا في توفيره. وتشير إلى أن الأهم بالنسبة إليها لنجاح العلاقة ولكي لا تكون مسألة الموسم والعادات مصدرا للخلافات ألا تتدخل الأسر بين الخطيبين وتترك لهما حرية تقرير الالتزام بعادات الخطوبة من عدمها وألا تعتبر عائلة الفتاة هذه العادات فرصة لوضع الشروط وللضغط على الخطيب لكي تكون هداياه وسيلة للتباهي.

21