عادة "النقوط".. انحراف القيمة الاجتماعية من التكافل إلى الاستنزاف

الثلاثاء 2017/08/01
المساعدة تحوّلت إلى "دين" يتوجّبُ سداده

لندن - كثيرة هي العادات الاجتماعية التي تغيرت وجهاتها، لتستحيل أعباء أو تباهيا أو مجرد تقاليد. وتحولها من مقاصدها الأصلية التي نشأت من أجل تحقيقها إلى تكرار اجتماعي لا يحقق ما كانت تهدف إليه، حصل بمرور العقود والسنوات ونتيجة تضافر عوامل عديدة غيرت العادة وغاياتها ومقاصدها.

درجت كل المجتمعات العربية الإسلامية على مساعدة المُقدمين على الأفراح والأعراس، بأن ابتكرت حلولا تهدف إلى أن يتقاسم المجتمع الأعباء التي تتطلبها المناسبة. ولئن اختلفت طرق ومسميات تقديم المساعدات المالية للعريس أو للعروس إلا أن المضمون كان نفسه: الوعي بأن المناسبة تتطلب تضافر كل الجهود وإدراكا بأن الاشتراك في الأفراح يفترض أساسا الاشتراك في التكاليف والأعباء. إلى هنا تبدو الفكرة نبيلة بل مجدية حتى بالمعنى الاقتصادي للكلمة.

لكن التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة والعارمة التي مسّت المجتمعات العربية، منذ عقود، والتي أفرزت آثارها على كل شيء، توازت أيضا مع تغيّرات في التعاطي الاجتماعي مع الأفراح ومع عادات التكافل. فتحوّلت عادات “النقوط”، (هي كلمة عربية لها مرادفاتها العامية الكثيرة حسب كل قطر عربي فهي تسمى النقطة في مصر والوقعة في العراق والرمو في تونس إلى غيرها من التسميات العامية العربية) إلى شكل من أشكال التباهي الاجتماعي وانحرفت لتصبح بدورها عبئا يضاف إلى مختلف الأعباء الاجتماعية الأخرى.

الانحراف الأول تمثّل في السعي إلى تقديم مبالغ كبيرة للعريس أو للعروس، وهي مبالغ قد تتجاوز طاقة وإمكانيات صاحب الهبة أو المساعدة، هنا أصبح للعملية مقصد أساسي هو محاولة إبراز المظهر الاجتماعي والتباهي. وتقديم مبلغ كبير يفرض على الآخرين السعي إلى مواكبته أو منافسته، ما يفرز إحراجا لمن لا يتوفر على إمكانيات كبيرة تتيح له خوض هذه “المنافسة".

الانحراف الثاني تمثّل في أن المساعدة تحوّلت إلى “دين” يتوجّبُ سداده، وابتكرت لذلك عمليات ووثائق لتسجيل المبالغ المقدمة من قبل كل شخص، يحتفظ بها العريس على أن يسدّدها في مناسبة قادمة أو فرح قادم.

الأصل في العادة أنها مساعدة أو تقاسم للأعباء، وإحساس جماعي بأن المناسبة تتطلب تضافر الجهود، وهو لا ينسحب فقط على الأفراح والأعراس بل يمكن أن نجد صداها في عمليات البناء والمآتم وغيرها من الأحداث والمناسبات التي قد لا يكون بوسع فرد أو عائلة أن تتحمل كلفتها المادية. هنا يتوفر بعد اجتماعي وقيمي يتوجبُ تثمينه وتعزيز غاياته ومقاصده، لكن ما لا يمكن تثمينه أو الحث عليه هو الانحرافات التي طالت العادة، وهاجرت بها نحو مقاصد أخرى، بأن حوّلتها إلى ديون وتباه وأحيانا إلى ضرب من المشروع الذي يفتتحه أحدهم، حين يربط بين فرحه أو عرسه وبين المداخيل التي سيتحصل عليها نتيجة ذلك.

الانحرافات المشار إليها أنتجت أجناسا شتى من المشاكل والخلافات والخصومات الناتجة عن سوء فهم النقوط أو المساعدة المادية للعريس أو للعروس. تروى حكايات كثيرة عن هذه العادة، وعن تحوّلها إلى فرصة لتداول أموال كثيرة. ففي إحدى المناطق الحدودية التونسية، يقال إن كل مهرّب يشتري سيارة رباعية الدفع بعد زواجه مباشرة من الأموال التي حصل عليها أثناء حفل زواجه، وبعد أن حصل غالبيتها من زملائه المهرّبين، الذي يقدّمون له الأموال بسخاء كبير. هل الانحرافات التي مست هذه العادة، تقتضي الدعوة إلى التخلي عن النقوط كما بدأت تروّج بعض الدعوات في العديد من المجتمعات العربية؟

الواضح أن عادة النقوط، مثل غيرها من العادات الاجتماعية، تأثرت بالتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة، ولا شك أن كل مجتمع يقوم بعملية تحيين لعاداته الاجتماعية بأن يحاول مواكبتها أو تطويرها بما يواكب العصر، إلا أن التغييرات التي مسّت النقوط كانت في أغلبها سلبية وحوّلتها من قيمة اجتماعية ترنو إلى المساعدة، إلى مجال استنزاف لكل الأطراف.

ولكن ذلك لا يعني ضرورة إلغاء العادة بل تصويبها وإعادتها إلى مدارها الاجتماعي، وهو ما بدأ يظهر مؤخرا عبر العديد من الحركات الشبابية في الواقع أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مبادرات بدأت من الاعتذار المسبق على قبول النقوط، وربما تتطور إلى رفض المبالغ الضخمة التي تعني أنّ من قدّمها تعسّف على إمكانياته من أجل تقديم مبلغ يليق به قبل أن يفكر في أن يكون مفيدا لمن سيحصل عليه.

النقوط عادة اجتماعية نابعة من قيم التكافل والتضامن الاجتماعي، تحوّلت إلى ابتزاز مقنع، ولكن كل ذلك لا يُدين العادة بل يُدين القائمين بها، ولعل بعض الوعي بالمسافة الفاصلة بين التكافل والابتزاز كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها.

اقرأ المزيد

تشارك في فك الأزمة وتعميق للتكافل الاجتماعي

ديون لا تسقط بالتقادم ومباهاة عفا عليها الزمن

12