عادت الروم إلى السفح تغير وابن عباد يغني في السرير

كثيرا ما شكل موضوع الأندلس وضياعها محور العديد من الأعمال الفنية والأدبية، وهو موضوع ما فتئ يتكرر بوجوه مختلفة، وهذا يعود إلى أهمية تلك الفترة التاريخية التي عاشها العرب المسلمون، ووصولهم إلى قمة ازدهارهم ومجدهم، إلا أن حدث سقوط غرناطة الذي هز العالم العربي الإسلامي، وأعاد إلى أوروبا دور الريادة، كان له بالغ الأهمية في مستقبل الدولة الإسلامية التي بدأ يدركها الضعف والوهن، خصوصا في نتائج ما لقيه الموريسكيون على يد الأوروبيين من اضطهاد وملاحقة. ويبدو أن الشعر الحديث لم يشف بعد من جرحه الأندلسي، فكل ما يجري في عالمنا العربي ينكأ هذا الجرح.
السبت 2015/09/26
أيها الناي الحزين يوجد في العالم أشباه ابن عباد

الشاعر محمد هشام في ديوانه الأول “ثم لم يأتنا الماء”، الصادر عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”، اتخذ من سيرة المعتمد بن عبّاد سلما لموقف شعري خالص ليس بغرض السرد وكفى، بل وكأنه يهرب من تسييس قصائده.

المتأمل في عنوان الديوان يدرك تماما أن هناك معطوفا عليه محذوفا لم يشأ الشاعر أن يخبرنا به، وترك ذلك لاستنتاج قراء الديوان؛ فما الذي حدث قبل “ثم”؟

فعلا، إن هناك حدثا أعقبه عدم ورود الماء أو كانت نتيجته عدم إتيان أو جريان الماء، ثم نتأمل ضمير المتكلمين المتصل “نا” في الفعل المضارع المجزوم “يأتنا” فالماء لم يأتنا نحن، ولم يأت قوما آخرين غيرنا كذلك.

ماء الثورة

لم نجد ضمن قصائد الديوان الست عشرة، قصيدة تحمل عنوانه، أي لا توجد قصيدة بعنوان “ثم لم يأتنا الماء”، ولكن عثرنا على العنوان في قصيدة “المصابيح” التي يقول فيها الشاعر “نحن كنا نبيع المياه/ رسوما عليها روائح أحلامنا/ ونحوز اللآلئ يأكلها الصبية المتعبون/ ثم لم يأتنا الماء يا صاحبي/ بل أتى الإفك من مائه/ فشربنا”. القصيدة مؤرخة في 15 مايو 2012 (أي بعد ثورة يناير 2011) ولهذا قام الشاعر عماد غزالي في تقديمه للديوان، بتسييس العنوان، قائلا “هناك قصائد استطاع الشاعر فيها أن يهبط قليلا إلى الأرض، ليعالج شيئا من تلك الدراما الإنسانية الضخمة التي نعايشها جميعا منذ بدء الثورة إلى الآن، وهي تلك الدراما الحرجة التي تقلبنا على جمرها بين الجموح والفرح والأمل حينا وبين الشقاق والإحباط واليأس أحيانا أخرى”.

نحن نحتاج إلى أن نحدق في وجوه الحاكمين، لنرى من الكاذب فيهم ومن الصادق الأمين

وقد أشار غزالي إلى قصيدة “المصابيح” ضمن ما أشار إليه في هذا الصدد، وأوضح أن انتقاء “ثم لم يأتنا الماء” كعنوان للديوان يحيل إلى الآني وإلى تفاعلات اللحظة.

ويبرر غزالي ذلك بأن الشاعر يخشى كثيرا أن يتورط في التحديد والتأطير، لأنه يملك من الذكاء والحدس ما يمكنه من التروّي، وما يسمح له بإدراك استمرارية الثورة وصيرورة التفاعلات المصاحبة لها، وأنه إذا كان الماء لم يأتنا إلى الآن (صدر الديوان 2014)، فإنه قد يكون في طريقنا أو نكون في طريقه، وإن وصلنا أو وصلنا إليه بعد سنوات وسنوات.

هذا وجه مقبول من وجوه التأويل النقدي للنص الشعري، خاصة أن رمزية الماء تتعدّد في تراثنا الشعري والديني “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

وفي كتابه “رمزية الماء في التراث الشعري العربي” يقول عزيز العزباوي إن “الماء هو مصدر الحياة على وجه الأرض، به تزدهر وتخضر وتشرق وبواسطته تصير الطبيعة في أوج عطائها وبذخها وخصبها، فتغدق على الإنسان والحيوان والطير كل ما ينعم به ويحيا سعيدا. إنه وسيلة للسعادة والنور والإشراق والفرج، ومادة حيوية لممارسة كل أنواع النشاط البشري”.

قصائد ترثي حال أمراء الأندلس

فإذا كان للماء كل هذه الرمزية، فإننا بالفعل في انتظار ما يجود به ماء الثورة الذي لم يصل إلينا بعد، وإن كانت هناك مؤشرات تدل على أنه في طريقه إلينا، أو نحن في طريقنا إليه.

مرثية المعتمد

لكن هل من باب الصدفة الأدبية أن يرثي محمد هشام، المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية في واحدة من أهم قصائد الديوان “مرثية المعتمد” وأن يتناول عزيز العزباوي مائية المعتمد بن عباد في كتابه المشار إليه في قوله “يختلف المعتمد بن عباد عن الآخرين في رؤيته لأهمية الماء، خاصة بعد أسره وسجنه، فالماء كان يمثل له معنى الحاجة والحزن والخوف على مصيره وعلى مصير أولاده، وفضاءاته تمثل له أمكنة بعيدة المنال ومستحيلة الزيارة بعد النعيم الذي عاشه أثناء حكمه في قصوره حيث الماء الزلال”. ويستعير هشام في مطلع قصيدته قول المعتمد “صنع الريح من الماء زرد”.

وليس الهدف من قصيدة هشام هي البحث عن مائية المعتمد كما بحث العرباوي، ولكن الشاعر هنا يوظف مشاهد من سيرة حياة المعتمد وخاصة في علاقته مع حبيبته الرميكية، ليسقط لنا على الحاضر الذي تعيشه أمتنا العربية الممزقة حيث “دولة العاشق أقوى من دويلات السيوف”.

مع أن عصرنا الآن عصر سيوف وقتل وقنابل وطائرات وحروب “فأيّ درع لقتال لو جمد؟” فكيف تكون دولة العاشق أقوى، وهي المقولة التي أدت إلى هزائم العرب والمسلمين في الأندلس، وفرارهم منها.

وبينما تنبه الرميكية المعتمد صاحب إشبيليه، وهما في مخدعهما يمارسان الحب بقولها “سيدي اسمع لنداءات الرعية/ إن للدولة حكما وعهودا ووصية”. فإذا بالمعتمد يقول لوزيره “يا وزيري إنها فردوس روحي/ فلماذا العود من حلم أثير؟ وبينما جيوش ألفونس تجتاح المدينة، فإن ابن عباد يغني لاعتماد الرميكية!”. وفي صورة شعرية قوية يقول محمد هشام “عادت الروم إلى السفح تغير/ وابن عباد يغني في السرير!”.

وفي نهاية القصيد يسأل الشاعر نايه الحزين “أيها الناي الحزين/ هل ترى/ يوجد في العالم أشباه ابن عباد؟ يجيب الشعر: لا تسأل/ وحدق في وجوه الحاكمين”. ونحن نحتاج فعلا إلى أن نحدق في وجوه الحاكمين، لنرى من الكاذب فيهم، ومن الصادق الأمين.

يبدو أن التاريخ الأندلسي حاضر بقوة في وعي الشاعر، فيختار رمزا آخر من الفردوس الأندلسي المفقود هو “فلورندا” (فتاة في بلاط بالأندلس) حيث عطر الأميرات الحيارى ينغمس، وتعدّ القصيدة واحدة من أجمل قصائد الديوان الذي يؤكد أن صاحبه على دراية واسعة بفن الشعر، وذو موهبة شعرية حقيقية، اتضحت في تعامله مع اللغة والصورة والموسيقى، والتناص الديني والشعري الذي لا تخلو منه قصيدة من قصائد الديوان، وغير ذلك من مقومات شعرية يعتمد عليها الشاعر المعاصر في تجاربه الحديثة.

16